من يكتب التاريخ يا ساده ؟!

كتب : أحمد شاكر
أي تجربة بشرية لا يمكن الحكم عليها بإنصاف من زاوية واحدة فقط، وإلا كانت تلك أول ثغرات تزوير التاريخ عمدا أو دون عمد، فالسياسي ينظر لها من زاوية تحقيق المصالح، ورجل الدين ينظر لها من جانب تحقيق العقائد وتطبيق الشرائع، والمفكر ينظر لها من جانب الأصول والمبادئ، ورجل الاقتصاد ينظر لها من جانب الأرقام والبرامج، لذا فتناول التاريخ بصورته الكاملة أصبح ضرورة، خاصة بعد تناول التاريخ وتعليمه وتوريثه للأجيال بشكل منقوص.
وما دامت هي تجربة بشرية فمن المؤكد أن لها ما لها وعليها ما عليها، لأن البشر ليسوا معصومين من الخطأ، فالتقديس والرهبنة للبشر أمر مبالغ فيه إلا للأنبياء المعصومين والمؤيدين بالوحي والإعجاز الإلهي، وفيما عدا ذلك فالتقديس المطلق للأشخاص والتجارب البشرية تزوير للتاريخ وخداع للأجيال.
عندما نحكم على تجاربنا الشخصية علينا أن نتخلى عن تلك النظرة الخادعة للماضي بأنه كان رائعا بينما لم يكن كذلك وقت حدوثه، وذلك لأننا في الحاضر لا نتذكر من الماضي إلا الذكرى التي يستمتع العقل باستعراضها، وننسى الضغوط والدوافع والمشاعر السيئة التي كانت تنتابنا لحظة وقوع تلك الأحداث في الماضي، وتجدكل الأجيال عندما تتذكر فترة شبابها تقول أنه كان الزمن الجميل رغم ما عانوه، وتجد الأغلب يتذكر فترات دراسته وتجنيده ومراهقته وذكرهم لها بأنها أجمل فترات العمر، هذا الإحساس الخادع ربما يمتعنا قليلا لكنه لا ينبغي أن نحكم به على تجاربنا السابقة.
يؤلمني أن أقول أن الحياة أصبحت كعمل درامي محنك، يقوم كل منا بدوره حسبما يتطلب الأمر منه، ويختلف هذا الدور باختلاف المعطيات، آلاف الأقنعة التي نضعها كل يوم من أجل مجاراة البشر والحياة والأحداث، لا يظهر أحد بشكله الحقيقي المجرد كما يوجهه قلبه، بل مئات النداءات التي تستحوذ عليه كل يوم من العقل والوجدان وضغوطات الحياة، تحوله إلى إنسان لا يشبهه تماما، الناجحون في هذه الحياة من يستطيعون أن يقوموا بالدور المناسب لطبيعتهم وقدرتهم على أداء الدور بحنكة واقتدار، هذا هو النجاح في عالمنا، لأننا ارتضينا المظاهر مبدأ والحياة الدنيا غاية، فلم يعد للضمير والروح مكان وسط هذه المادية العنيفة التي عصفت بجمال الحياة والأحداث بلا رحمة.
أقول بوضوح أنه وبمرور التاريخ لا يوجد الأساطير التي دشنها المؤرخون بهذا الشكل المثالي الكامل، فقائد الجيش العبقري لم يكن منتصرا لولا وجود القادة المساعدين والجنود المنضبطين، ورجل السياسة الداهية لم يكن ليتخذ قراراته الصائبة دون استشارة نوابه ودعم شعبه، فرسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى توصيفا لنفسه بأنه (لبنة) في بناء، وهو حامل رسالة رب العالمين لهداية البشر وخاتم المرسلين وأشرف الخلق وأكرمهم، فقال صلى الله عليه وسلم: “إن مثَلي ومثَل الأنبياء ِمن قبلي،كمثل رجل بنى بيتا فأحَسنه وأجمله، إلا موضع لبنة ِمن زاوية، فجعل الناس يطوفون بالبيت ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين”.
وإذا كانت صناعة الأساطير في الماضي مقبولة لانعدام التخصص وانتشار الجهل، فلن يكون مقبولا في الوقت الحالي مع هذا التوسع الكبير في التخصصات والمجالات، وحرب المعلومات والإعلام وقنوات التواصل، والجغرافيا والاستخبارات والوعي، واستحداث علوم الإدارة والموارد البشرية التي تؤسس لفكرة التخصص، فلم يعد هناك شخص ملهم يصنع كل شيء، فمدير الشركة له مهام محددة والتزامات تماما كعامل النظافة، دون تقديس لهذا أو إذلال لذاك.
نحن شعوب نقتات في الحاضر على أكاذيب الماضي، ونهرب من الحديث عن المستقبل، لأننا واثقون أن الأجيال القادمة ستزور لنا تاريخا يحول جبننا إلى شجاعة، وبخلنا إلى كرم، وهواننا إلى عزة، وعجزنا إلى بطولة.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏‏سيلفي‏ و‏لقطة قريبة‏‏‏‏

معلومة تهمك

تنبيه هام، المنشور يعبر عن رأي الكاتب ويتحمل مسؤوليته، دون ادنى مسؤولية علي الجريدة

تنبيه

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: