اعتناق الطيبة

بقلم د/هند مصطفى

أنا إنسان طيب، أحب كل الناس، أنا شخص لا يؤذي أحد لكني فاشل فاشل في كل علاقاتي الاجتماعية ، مهما حاولت التغلب على ذلك ،….
معروف أن الإنسان كائن يحب التواصل و يبحث دائما عن الآخرين، لكن البعض يعاني من مشكلة التواصل، فهم غير قادرين على بناء علاقات جيدة، ويعتقدون أن السبب طيبتهم الدائمة ، أنا لا أؤمن أن هذه طيبة ، بل هي وهم وخيبة وسوء فهم ، فأنت عندما تعتقد أن الناس حولك جميعهم أصبحوا سيئين تذكر جيداً أنك أحد هؤلاء الناس ،لماذا تعتقد أنك الشخص الطيب في العلاقة، هنا يكمن لب المشكلة الأساسي ، فهذا الطيب غالباً يقتات على مشاهد التضحية، و دوره الأساسي في كل العلاقات هو الضحية، مسرحية تحتوي أشخاص ليست لهم كل هذه الاهمية بحياته، يمزق روحه من أجلهم في حين لا يشكل كل ما يفعله من أجلهم قيمة أو فارق بالنسبة لهم ، ويظل يحاول الظهور في مجالهم حتى يتحول إلى كائن مهلهل، ويتجنب كل الجوانب المهمة والأشخاص المفروض أن تتواجد حقاً بحياته.

هناك خطأ ما في المعادلة التي توازن بها علاقاتك مع الناس ، وحينما تضع يديك على موضع هذا الخطأ ، ستتألم من الحقيقة ، لأنك ستكتشف أنك تضع الفرص في غير محلها، فتتحول إلى إنهاك، وتعطي التضحية لمن لا يريدها بداعي الطيبة ، وفي الواقع هي ليست طيبة بل هي تنازل، الأمور في هذه المهزلة ليست سهلة ، لأنه سيوجعك البعض ويؤلمك البعض الآخر ، نحن نعيش في مجتمع مشوه ، يحب الغالبية العظمي أن يدوس بأقدامه فوق نقاط ضعف الآخرين، لذلك اختر من تحزن معه وتضعف أمامه وتعري مشاعرك في حضرته، لا تفعل ذلك للجميع وتعتقد أنك طيب، حافظ جيداً على نقاط ضعفك، وكما تحافظ على ضعفك أنظر إلى قوتك من أين تستمدها، لا تضع ثقة في غير محلها ثم تبكي على الأطلال ، وإذا انكسرت ثقتك لأحدهم يوماً لابد من اكتساب المرونة لأن تتجاوز الأمر دون أن تستهلك نفسك خلال تلك الرحلة ، نحن غير قادرين على التوافق مع الجميع، فهناك أنواع مختلفة من البشر، لا يمكن التوافق على شخص واحد، درب أفكارك وغير مفاهيمك من خلال تلك التعثرات التي تواجهها برحلتك.

للتواصل الصحيح عدة مفاتيح لابد من تفعيلها أولا قبل الحكم على العلاقة أولها تحمل المسؤولية ، وهي القدرة على مواجهة المشاكل والتعامل معها دون غضب أو انفعال، الانفعال الشديد والعصبية هو سبب المواقف التي يتم فهمها بطريقة خاطئة، وثانياً، الصدق، لا تحاول أن تتغير أو تظهر بشخصيات أخرى لا تنتمي إليك، فأنت هنا تشوه ذاتك و تبني حاجزا بينك وبين نفسك، وغالبا عندما يتم اكتشاف تلك الحقيقة فإنك تكون خسرت نفسك أولا قبل الآخرين ، ثالثاً، كن مستمعاً جيدا، استمع إلى صمت من أمامك قبل كلامه، انصت جيدا لانفعالاته واستمع حتى ينهي حديثه كاملاً لا تتسرع بالقفز الي الاستنتاجات والايجابات على أقوال لم يتحدث بها ، قدرتك على الاستماع إلى الأصدقاء أو الأشخاص العاديين يجعلك قادر على استنباط مدى نجاح علاقة معهم، كذلك يجعلك أقوى في التأثير عليهم ، وأخيرا من أهم الأشياء المؤثرة هي نبرة الصوت، يختلف معنى نفس الكلمة باختلاف نبرتهاوكيفية نطقها ، لذلك يجب عليك الاستماع ومراقبة صوتك وطريقتك في الحوار، فهذا يعيق قدرة من أمامك في الاقتراب منك ويعطل قدرتك بالمقابل على التواصل.

بالنهاية اعلم أن أكبر خطأ قد ترتكبه تجاه نفسك هو اعتناق مسلسل الطيبة هذا ، و أن تخجل، و أن تترك للآخرين مهمة تقييمك والحكم عليك، أنت تعتقد أنهم سيقدروك لكن الواقع أن لا أحد يعطي الآخر حق قدره الصحيح، لأنك تتمنى أن تحكم الناس عليك من خلالك، لكنهم يحكمون عليك من خلال أفكارهم وعقدهم واعتقداتهم ومزاجهم الشخصي، كذلك من خلال حقدهم عليك أو غيرتهم منك، إن تركت نفسك للناس ستجد نفسك محصور في زاوية ضيقة تتسلط عليك أضواء كل مصابيح عيوبك، لن تحب هذه الزاوية و ستقع داخلها ضحية للصراع النفسي والإحساس بالذنب والشعور بالظلم والنكوص والانتكاس، إن تركت الحكم للناس فأنت تقدم لهم ذاتك لتحطيمها وتعود الي نقطة الصفر خاوي اليدين إلا من الألم، لذلك ارحل عن العلاقات التي تكون فيها هذا الشخص ولا تجزع كل هذا الجزع لأنك وحدك، في الواقع انت جئت للدنيا وحدك وستتركها وحدك، لا مانع من الصحبة الطيبة إن وجدت لكنها بالنهاية ليست شىء دائم مهما أعتقد غير ذلك.

 

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏يبتسم‏، و‏‏لقطة قريبة‏‏‏‏

معلومة تهمك

تنبيه هام، المنشور يعبر عن رأي الكاتب ويتحمل مسؤوليته، دون ادنى مسؤولية علي الجريدة

تنبيه

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: