أركان نفسى : _

كتب        Raouf Genedy

نفسى : مكثت غير بعيد منها وجئتها من بين سرائري بنبأ يقين . إنى وجدت هموماً تملكنى وأوتيت من كل شئ ولها على نفسى وقع عظيم . وجدتها و بعضاً من جوارحى ينشغلون بالدنيا من دون الله . فخفت أن يزين لهم الشيطان أعمالهم . ألا يركنون لقضاء الله وقدره ويرضون بما تنزل عليهم من عطاء الله الذى خلق كل شئ بقدر وما أمره الا واحدة كلمح بالبصر ؟ . ألا يظنون حسناً بالله الذي يخرج الخبء فى السموات والأرض ويعلم ما نخفى وما نعلن ؟!!! …… أرسلت واردى فأدلى بدلوه متمنياً أن يخرج لى ببشرى . عسى أن تنفعنى أو أتخذها نهجاً . مع نفسٍ هى فى الحقيقة ليست أمارة بالسوء … ترى … هل هى لوامة ؟ … ام هى مطمئنة ؟ .. أم غير مطمئنة…… المهم رافقتنى نفسى فى رحلتى داخلها ..

عبر أحد أروقتها سرنا معاً بخطىً حسيسة . وبعد حين فتحنا باباً أنبأنا صرير مزلاجه أننا تأخرنا كثيراً . يفضى هذا الباب إلى بهوٍ ليس كله سكينة . كان وقع قدمينا على أرضه يصدر رهبةً تحمل فى رجعها وقراً فى أذنينا ليس كله طرباً وكأنه طرقات نذير . يحكى طلاء جدرانه حكاية أيام غافلات لم تطله فيها يد الخشوع ولا لمسات الورع . تتدلى من سقفه خيوط عنكبوتية الطالع واهنة القوى . علقت ببعضها حشرات سكنت . وأخرى مازالت تصارع الموت . تترنح جميعها مقلوبة وكأنها فى طلعها رؤوس شياطين . شهدت أنه ( لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله ) . إستدرت الى نفسى معاتباً إياها لائماً لها فقالت : سل نفسك منذ متى ولم تأت إلى هنا ؟ . تاهت إجاباتى أو بالأحرى لم تكن موجودة . طأطأت رأسى خجلاً وغادرنا البهو الى ثانى غرفاتى ….

دفعنا الباب فانفتح أحد مصراعيه وأبى الآخر أن ينفتح بعد أن ران على مفاصله طول هجرانى . توسطنا الغرفة التى شحت علينا نافذتها بالضوء بعد أن انفلجت أبوابها قليلاً . سمعت فيها صوت آذان قادم من بعيد أو هو صدىً لآذان رفع هنا يوماً . وجدتنى أنوى ( أقام الصلاة ) . نظرت من حولى فإذا بسجادة أبلاها البعد وأكل نسيجها طول الغياب . ومسبحة معلقة على أحد الجدران . ما إن أمسكتها حتى انفرط عقدها . وراحت حباتها تتقافز من حولى وكأنها وخزات ضمير . وكتاب إلتقطته من فوق أحد الرفوف . مسحت غلافه بطرف ثيابى فإذا هو كتاب الله . إغرورقت عيناي بالدمع . ربتت نفسى فوق كتفى آخذة بيدى الى غرفة أخرى ….

تعلو هذه الغرفة أخواتها ببضع درجات أو هكذا ظننت . صعدناها . دخلناها . فإذا بأناسٍ كثيرين . بدا لى من مظهرهم أنهم فقراء . فما رأونى حتى هبوا فرحين مهللين بقدومى . سررت مستبشراً فى هذه الغرفة . عرفت من نظراتهم أن ( إيتاء الزكاة ) وجب لهؤلاء . وان هؤلاء هم من لهم فى أموالنا حق معلوم لكل سائلٍ منهم ومحروم . تبادلت ونفسى نظرات الرضا والطمأنينة على تلك الحفاوة ثم خرجنا .

انعطفنا يميناً الى غرفة أخرى كتب على جدرانها ما كتب على الذين من قبلنا . لعلنا نتقى الله . أياما معدودات . وحيث أنزل القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان . ولما كان كل عمل ابن آدم له إلا ( صوم رمضان ) فإنه لله . سكتت وتركت أمر نفسى لله الذى هو أعلم بها منى . عازماً وإياها . أن إذا شهدنا هذا الشهر فلنصمه كما أمرنا رب الصيام …..

انحرفنا يساراً الى آخر غرفات نفسى . فإذا بجبل مبارك قد تمثل على أرض الغرفة . تتصاعد أحجاره على حوائطها وحتى سقفها . يعتليه أناس بلباس أبيض . وكٱنهم فراشات بيض وقفن على غرابيب سود . فى يوم (حج البيت ) . تهز إبتهالاتهم أركان الغرفة . رحت ونفسى نرددان معهم فى خشوع : لبيك اللهم لبيك … لبيك لا شريك لك لبيك .. الى آخر تلبية ضيوف الرحمن لنداء ربهم ….

خرجت من الغرفة الى بهو نفسى بخطى بطيئة . إثاقل جسدى الى الأرض . تملكتنى رعشة . إرتعدت مفاصلى . خارت قدماى . سقطت مغشياً . إعتلت جسدى برودة شديدة . ثلجى ملمسى . شاخص بصرى . تدور عيناي بإعياء فى الفراغ . تحوم فى أسقف نفسى وعروشها . تنفتح بعض ابواب غرفاتى بعنف . تصطفق . تضربها ريح عاصف . موجات لها دوى كدوى الرعد . تطبق على صدرى . كأننى أصعد فى السماء تارة . أو تهوى بى الريح فى مكان سحيق تارة أخرى . نائم . غائب عن الوعى . أفاقت عيناي قليلاً من إعياءها . قمت ولكن كما يقوم الذى يتخبطه الشيطان من المس . رأيت بابا ينفتح . يخرج منه النور . ويخرج منه أبى حاملا مسبحة تتلألأ حباتها بين أصابعه . وكتاباً ينطق بالحق . وخرجت معه أمى وفى يدها سجادة صلاة تحمل طهر روحها وثيابها كما عاهدتها . إحتضنانى . هدأت . بدأ الدفء يسرى فى أوصالى . أفقت . قمت للصلاة أؤم نفسى . إفترشت سجادة أمى . حاملاً بين أصابعى مسبحة أبى . واضعاً نصب قبلتى كتاب الله . رافعاً كفى إلى خلف أذنى . نويت أن أعود وألا أنقطع .

فرغت من صلاتى ونهضت . تأبطت نفسى أطوقها بيمينى . أتوكأ عليها . استدرنا ثانية وسرنا معاً إلى بهو نفسى . فإذا بالباب حاجز خشبى ينبئ عن ضرورة خلع النعال فخلعناها . انفتح الباب على مصراعيه . فإذا بردهة إفترشت بفرشٍ بطائنها من إستبرق .. تعلوها قبة نورانية . يتدلى من سقفها مشكاة فيها مصباح . المصباح فى زجاجة . الزجاجة كأنها كوكب درى يوقد فى كل غرفاتى . قلت ناظراً إلى نفسى : نكروا لها غرفاتها . أنظر أتعود إلى رشدها أم تبقى من الغافلين . فلما أقبلت قلت : أهكذا حلمك قالت : إنه هو . قلت لها : أدخلى البهو .. دخلنا فإذا بصوت ملكوتى يتردد صداه فى كل أركانى ..

( يا أيتها النفس المطمئنة إرجعى إلى ربك راضية مرضية فادخلى فى عبادى وادخلى جنتى )
صدق الله العظيم ..

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏منظر داخلي‏‏‏

معلومة تهمك

تنبيه هام، المنشور يعبر عن رأي الكاتب ويتحمل مسؤوليته، دون ادنى مسؤولية علي الجريدة

تنبيه

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: