ملف أصفرقصة قصيرة

ملف أصفر

قصة قصيرة بقلم الأديبة/ رحاب عمر

ألحظها منذ أكثر من ساعة ، اجتاحني الأنين المكتوم فى نحيبها

اخترق أذني كأنه ذبذبات وجع تروح وتجيئ.. أنظر إليها خلسة

أحدق بشفقة ثم أتجاهل، هى حادة الحزن ، مخيفة الكبرياء، داخلي

رغبة عارمة فى أن أربت عليها، أو أساير شفقتي أكثر وألقفها بين زراعي .. لفتتني حين كانت تبحث عن مكانٍ لتستريح،

ظلت تحدق يميناً ويساراً حتى أتت مرغمة

لتجلس جواري، فابتعدت أوسع لها المكان أكثر ، متعجباً صمتها

وسلاماً لم تلقهِ، تحتضن ملف أصفر، كأنها تحمل جنيناً تخشى عليه ، تنظر له وتبكى.

تنتفض حين تسمع أصوات القطارات التى تسير تباعاً ذهاباً وإيابا ،

ربما تخشى العودة أو تحمل أخبارا غير سارة

لأحد هكذا حدثت نفسى .. أعتدل فى جلستي ، وبقيت أنظر فى الساعة ،

وأخاطب روحى هل أستطيع الإنتظار أكثر دون أن أتدخل

لأوقف هذا السيل الهادر من البكاء ؟

حزنها الحاد يخيفني، يجعلني أتراجع كل مرة أحاول التدخل.

إنها صارمة الوجع ، بقع الآسي تعبث بوجهها المخملي، وقتامة تُظلل عينيها الجميلتين..أطمئن نفسى أنها لحظات ويأتي القطار ، وأذهب بعيدا عنها ، فليس لى

طائلة على حزن النساء .. وبين لحظة وأخرى، كأن قدر عجيب ينتظرنا، وربما ننتظره ولا نعلم

إنها عربة قطار هاربة من روتين عملها ، أو قطار انشق نافراً من بقاياه

أو جراراً ساخطاً على الحياة أو منها ، لا أحد يدرى، ولا أحد يبحث ،

البعض مشغول بقصة موته الاخيرة، يتصالح مع ربه قبل الرحيل

والبعض يراوده الأمل فى البقاء عشماً فى أن يكون الحرق جزئي، والأخر

يسابق المكان والزمان خوفاً من النهاية ، وأسير لقمة العيش الذى

يحرص على كُشكه الصغير أكثر من نفسه، فيلملم الحلوى ويروض

خوفه..

جريت للخلف لأبتعد عن النار التي تتطاير بنهم، وكانت هى تتقدم للأمام

وأنا أصرخ فيها ابتعدى ابتعدى وهى تصرخ : ابنى .. ابنى صغيري

أين ابنى؟ . واندفغت أجذبها للخلف وأجرى بها ، وهى تركلني وتسبني

قائلة: اتركنى أنقذ ابنى..

وهل هذا وقت جنون!؟؟ زادت عنف حتى أصابتني فى وجهى لكنى أحكمت

الضغط عليها ووضعتها فى الارض، لم يبق لها حيلة إلا الصراخ حتى انتهى

صوتها وهدأت النار ومات من مات ونجا من نجا …

بصوتها الضعيف نهرتنى، وقامت تسأل أين طفلي؟

قلت لها ماذا تقولي؟ لم يكن معكِ أطفال؟ نظرت لى بتعجب

قائلة: هل أنت متأكد ؟

-نعم متأكد ..كنت بمفردكِ تنتظرين نفس القطار الذى أنتظر حتى إنك كنت تبكين !

اعتدلت فى جلستها وجلست جوارها قائلا : ماذا بك ؟ ولما أنتِ هنا بمفردك ؟

لم تعيرني انتباه وقامت إلى المكان التي كانت تجلس فيه وأنا أتبعها

وهناك التقطت الملف الأصفر وأخذت تقبله.. ثم نظرت لى قائلة :

هذا ملفى الطبي ، لقد ظهرت النتائج الأخيرة ، أنا لن أُنجب ،

كنت متعبة أنى لست ككل النساء ، الآن فقط أدركت أنى لست الأسوء على الإطلاق .

ساعدني فى الابتعاد عن هنا، رائحة الطفل المحروق تزكم قلبي .

تنبيه هام، المنشور يعبر عن رأي الكاتب ويتحمل مسؤوليته، دون ادنى مسؤولية علي الجريدة

تنبيه

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: