فتاة الروهنج 

بقلم – أسماء ونان

أسمي ” فاطمة ” أنا فتاة أعيش في مينمار من الروهنج المسلمين ، حياتي إلي حد ما تعتبر بسيطة ، والدي يعمل بالحقل وطعامنا فقير جدا ، ولكننا نحمد الله عليه ، إلي أن بدأ البوذيون بمساعدة السلطات في الإغارة علي القرى المسلمة ، وقتل كل من فيها ، بدأ هذا في قريتنا في يوم جمعة عقب الصلاة مباشرة ، كنت أخرج كل صباح لأجمع البيض من الدجاجات بمنزلنا بالطابق العلوي ، لمحت من بعيد رجال يحملون سيوف وأسلحة ، وهم يهرولون ناحية قريتنا ، توقف قلبي من الفزع ، وبدأت أصرخ وأنبه قومي ليأخذوا حذرهم وما أن اقتربوا اختبأت في عش الدجاجات ، وكان هناك ثقب بالجدار المطل علي الشارع كنت أنظر منع ورعشة فظيعة تسري في جسدي .
أول رجل دخل إلي المنزل المجاور منزل أم ” حسين ” جارتنا ، و أنهال عليها وعلي الصغير حسين بالسيف ، وجعلهما أشلاء ، حاولت تمالك أعصابي إلا أنني أصبحت أتقيأ بشدة من هول المنظر ، وأحاول السيطرة علي نفسي ، وجدت أختي عائشة تخرج من منزلنا وهي تصرخ ، ووراءها أحدهم إلي أن دخل بها في منزل قريب وما هي إلا بضع لحظات حتى خرج حاملا رأسها بيده ، في هذه اللحظة أغشي علي ولم أشعر بما يحدث من حولي ، ولكني أفقت علي هرولة الدجاجات علي وجهي ، وبدأت أستعيد نفسي ، ورأسي يدور من الألم والحزن ، في أثناء محاولة إفاقتي وجدت شابا واقفا شابا واقفا أمام العش ينظر لي من خلف الثقوب ويبتسم ، حاولت أن أتشبث بالأرض بمحاولة يائسة مني للخلاص منه ، وأنا لا أعي ما افعله إلا أنه فتح الباب و أمسك بقدمي وسحبني بقوة الي الخارج ، وأنا ممسكة بالأرض بأصابعي إلي أن أصبت بخدوش شديدة جراء مقاومتي وتمسكي بالأرض .
وما ان أخرجني من العش حتي حاولت الهرب بعيدا منه إلا أنه أمسك بي من شعري ، و أنا أحاول الصراخ وصوتي لا يخرج من الألم ، إحساسي كان لا يوصف ، لكنه أستمر بسحبي علي الدرج حتى وجدت نفسي بمنزلي بالأسفل وأثار الدماء تلطخ كل شيء به ، ازدادت تلك الرعشة بجسدي وأصبحت لا تفارقني ويدي أصبحت أضعف مما كانت عليه وقلت مقاومتي والق بي علي سرير والدي ، و أنهال علي يهتك عرضي و أنا بين الإفاقة والإغماء لا أشعر بشيء ، وفاجأه وجدته ينادي علي بعض أصدقائه كانوا خمسة وهو سادسهم ، وتناوبوا علي اغتصابي واحدا تلو الأخر إلي أن فقدت الوعي تماما وشعرت بصفعة أحدهم لي علي وجهي إلا أن قوة الصفعة أكملت علي وغرقت في سبات عميق .
لا أعلم كم لبثت علي هذا الوضع إلا أنني كنت غارقة بالدماء حاولت أن أستند علي عصي والدي ، و لا أعلم ما أرتدي فقط وضعت علي جسدي المتهالك ما وجدته أمامي من ملابس ، وبدأت أتعكز علي العصا وأنا أنادي علي أمي وأخوتي ووالدي ، ولكن لا مجيب ، خرجت الي الشارع فوجدته هو الأخر غارقا في بحور من الدماء ، ألقيت بالعصا وأنا اجري بعيدا بخطوات متعرجة ، كلما خطوت خطوة أقع علي الأرض وأتشبث لأقوم و أواصل الجري بعيدا .
خلفت من ورائي مذبحة لا تنسي ، و أنا أهرول وسط الحقول التي هجرها أصحابها بلا عودة .
والنزيف لا يتوقف والرؤيا ضبابية أمامي حتي وجدت أمامي بضعة رجال يحملون اسلحة ويختبئون وسط الأشجار ، أرتعدت وحاولت الهرب منهم الا أن أحدهم طمئنني و أخبرني أنه من المسلمين ، و أنه يساعد الناجيين بالقري ، ولكنه نظر لي والي الدماء التي لا تتوقف مني وطأطأ رأسه في خجل ، رأيته يحاول السيطرة علي دموع لا أراها ، ونادي علي سيدة كبيرة في السن كانت مختبئة خلفهم ، اقتربت مني وأخذت تمسح علي رأسي ، وأعطتني دواء شربته ، وغصت في نوم عميق لأصحو و أجد نفسي قد اغتسلت ، وتوقف النزيف عني وأصبحت صحتي أفضل من السابق .
لا أعلم أين أنا ، خرجت ووجدتني في قارب قديم ببحيرة مهجورة ، وبجواري قوارب أخري قديمة وبها ثقوب ، ولكنها مليئة بالأطفال والنساء ، اتخذوها سكنا لهم ، لم أسال عن أي شيء ، التزمت الصمت وجلست مكاني أنظر للسماء وللبحر ، وكلما قدموا لي طعاما رغم أهم اجتهدوا وساعدوني ، وكان الطعام بعض الأعشاب ، وحساء لا يكاد طعمه يفرق عن الماء الساخن شيئا من فقر إمكانياتهم إلا أنني كنت أرفض الطعام وأجلس علي جنب لا أحدث أحدا .
لكن السيدة العجوز كانت تأتيني لتمسح علي راسي ، وتخبرني أن أتناول الطعام وتحاول طمأنتي ، فبدأت أخذ جرعات قليلة حتي تبقيني حية ليس أكثر ، كنت أراقب من بعيد و أنا لا أكترث لشيء ، ومشاهد ما حدث لي ولأهلي لا تفارق ذاكرتي أبدا .. تعاد علي كل لحظة تقريبا حتي وجدت مكانا منعزلا وبدأت أهرب إليه وإلي سكونه لأختلي بنفسي وأحزاني ، وأعود أخر الليل لأنام فقط حتي ظنوا أنني خرساء لا أتحدث ، وجدت فيهم بعض الشباب العرب ،كنت أفهم لغتهم إلي حد ما لأن والدي كان إمام المسجد بقريتنا ، وأعتاد تحفيظي وأهلي القرأن وتعليمي اللغة العربية ، علمت أنهم جاءوا لمساعدتنا ، وهربوا من أهلهم الذين رفضوا ذهابهم إلي مينمار خوفا علي أبنائهم غير مكترثين بما يحدث لنا .. لكن الأبناء لم ينصاعوا لأوامرهم .
رأيتهم ذات ليلة يقتسمون أموالهم يقولون / إنها بدأت تنفذ لأنهم كانوا يجلبون الطعام لنا ، حتي طلبوا منا الأجتماع وانا جالسة بالخلف غير مكترثة لشيء ، أخبرونا عن طريق شاب يترجم كلامهم والذي كنت أفهمه أن النقود بدأت تنفذ ، وعليهم تثسيمنا إلي مجموعات لتهريبنا إلي بلدانهم عن طريق بعض شركات العمالة التي تساعدهم ، ولم يكن باستطاعتهم إلا فعل ذلك ، أعلم أنهم فعلوا ما بوسعهم جزاهم الله خيرا إلا أنني كنت أتمني الموت في كل لحظة وليلة لأهرب من جحيم الذكريات .
كنت أنا وبعض النسوة والأطفال من نصيب شابين سيقومان بتهريبنا إلي الأردن ، بدأوا يرتدون كالبوذيين للتخفي ، وأخبرونا أن نخفي ديننا وماهيتنا حتي نستطيع الخلاص والهروب ، المكان كان مظلما جدا أثناء الليل ، وكنا علينا ألا نشعل أي ضوء حتي لا يشعر بنا أحد.
مسيرة أيام شاقة كانت تلك الرحلة بلا هوادة إلي أن وصلنا غلي سيارة ترحيلات كبيرة كانت تابعة لهم ، فقد كنا نختبيء بالنهار في الكهوف تكسونا الحشرات والأفاعي وبالليل كانت مسيرتنا إلي أن وصلنا إلي تلك العربة الكبيرة التابعة لهم ، وبدأنا نتنفس الصعداء ، الحقيقة كانوا في قمة الأدب والأخرق معنا ، ركب معنا أحد الشابين والأخر مضي ليكمل المسيرة مع غيرنا .
جلست بجوار النافذة وراسي ملقاة عليها أنظر إلي السماء تارة وغلي الأماكن الغريبة التي أراها لأول مرة تارة أخري ,, إلي أن توقفت السيارة وسمعنا أصوات طلقات نارية أغمضت عيني وأغلقت أذني بيدي وأنا لا أريد أن أسمع ولا اعرف ما الذي يحدث هناك ، يد أمسكت بي وهي تجري وتجرني معها وأنا مازلت مغمضة عيني لا أريد أن أري من يكون فربما كان أحد البوذيين سيقتلني ليريحني من العذاب الذي أعيشه .. فأنا الآن مجرد جثة تتنفس لا أكثر .. جرينا مسيرة ساعات طوال إلي أن وقعت من التعب ، و أفقت مرة أخري وأنا داخل كهف يتخلله ضوء القمر وبعض الثقوب ، فتحت عيني وإذ بذلك الشاب الأردني جالس بعيدا عني يشعل بعض النيران ويشوي عليها بضع سمكات صغيرات وضعهم بعد الانتهاء بجواري و أبتعد في صمت.
وجدته كان واضعا رداءه علي من البرد ليدفئني ، و أراه يرتعد في الخارج بردا ، وينفخ في يديه أخذت قطعة صغيرة من السمك وأكلتها ثم نهضت وأعطيته الباقي ، أري أنه لم يأكل وقد أثرني علي نفسه ، لكنه عندما وجدني فعلت هذا أصر بلغته العربية والتي لم يكن يعلم أنني أعرفها أن أكل ، وأنه ليس بجائع ، فنظرت إلي الارض وأنا أحدثه :
” رجاء لا بد أن تأكل ، أنا لست جائعة ”
تعجب حين تكلمت بالعربية : ” هل تعرفين العربية ”
صمت لبرهة ثم أردفت حديثي ” نعم والدي علمني ”
وتركته وذهبت ، ظل جالسا بالخارج إلي أن وجدته نائما في العراء والبرد يحيط به فخلعت معطفه الذي وضعه فوقي وقمت بتغطيته ، ودخلت إلي الكهف مرة أخري إلي أن جاء الصباح ، ومضينا سويا ، لم أساله ما الذي حدث لباقي النسوة ولا الأطفال ، أو ما الذي حدث في سيارة الترحيلات فقد كنت أعلم جيدا ما الذي حدث .
وصلنا إلي حدود دولة لا أعرفها ، أخرج جواز سفره وأوراقه ، وسمحوا له بالعبور ورفضوا عبوري ، لكنه أخبرهم أنني زوجته فطلبوا منه الأوراق أحسست بحزن يتخلله فأخذني علي جنب منهم ، وهو يستحي الحديث معي قائلا : ” أختي يريدون أوراق تثبت زيجتنا ، والحقيقة أنا أطلب منك أن نذهب إلي السفارة ونتزوج ، حتي أستطيع إخراجك من هنا ، و أٌقسم لك أنني لا أنوي أي شيء ، إن أردت تطليقك عند أول ملاذ أمن لك هذا .. فقد مجرد شكليات حتي أستطيع إنقاذك ”
قولت له في حزن ” ليس علي الزواج مني يا أخي ، أتركهم يقتلوني لا أكترث لي ، أنا منهكة تماما ”
بعد إصرار قوي منه وافقت ، ورجعنا إلي أقرب سفارة ، وثم زواجنا ثم عدنا هذه المرة بالسيارات و أنا أمشي نهارا وسط الناس لا أختبئ .. فانا الأن زوجته ، ولن يقترب أحد مني إلي أن وصلن إلي مكان أخذ منه نقودا أحضر لي بعض الأوراق ، وركبنا الطائرة المتجهة إلي الأردن ، كان يمشي وأنا خلفه ولا يوجد بيننا أي حديث حتي هو لم أر في أدبه وحيائه ، كان دائما ما ينظر إلي الأرض حينما يطلب مني أو يعطيني شيء .. إلي أن وصلن إلي مكان عالي الأسوار به حدائق غناء لم أر مثلها من قبل ، فقد كنت أعيش طيلة حياتي في بلدة فقيرة نعيش علي الفتات ، أجلسني علي كرسي بداخل المنزل الفخم هذا ، ووجدت سيدة خمنت أنها أمه ، وقد كانت كذلك .
كانت قادمة نحوه ودار بينهما مشاحنات كبيرة أوجعتني حين سمعتها تقول له :” أذهب بها إلي أي ملجئ حكومي أو أيا كان ، أنا سأخطب لك ابنة خالك و أنت تعلم لو عرفوا ستفشل الزيجة .
سمعته يتوسل إليها ويقبل يديها لكنها رفضت تماما ، الحقيقة لم تعلم هي قدر ما قاسيته من مرارة كوني مسلمة في بلد تنبذ الإسلام ، بل وتقتل المسلمين ، وتنتهك عرضهم ، لم تعلم تلك السيدة التي تعيش في القصور أننا لم نري إلا الدماء والدمار ، وكيف لها أن تعلم أو تكترث بنا ، تركتهما يتجادلان واتجهت صوب الباب وفتحته وهممت بالخروج فأسرع الشاب خلفي كان يقول اسمه لي باستمرار في كل مكان يخرج فيه الأوراق لكني حتي لا أذكره ، الشاب الذي هو زوجي و أنا بدون حياة ولا أهل ولا حيت أذكر اسمه من هول ما قاسيته .
حاولت أن أجعله يعيدني إلي بلدني ، فالموت هو الراحة والسبيل لي الآن ، لكنه أصر علي بقائي ، بل وقبل رأس أمه و أخذني وذهب إلي شقة صغيرة و أحضر لي ملابس وطعاما ، و أعطاني نقود و أخبرني أنها ملكي ، وأنه سيأتي للاطمئنان علي كل فترة ، و أنا لي كامل الحرية إن أردت الطلاق .. مرت شهور علي هذا الحال ، كنت قد بدأت أسترد نفسي بعض الشيء حتي ذلك الشاب كان يبعث لي نسوة يأتين ليخرجن معي لتنفيس عني ، كن حقيقة خير صحبة ، و أصحبت أحبهن جدا و أحب الخروج معهن ، وجدت عملا في أحدي المنازل فأنا أجيد الطهي والتنظيف ، وأصررت علي العمل ، لأنه المتاح لي ، وليس لدي ما يثبت تعليمي ولا أي شيء ، وطلبت من الشاب تطليقي فيكفيه ما جلبته له من مشاكل منذ عرفني ، الحقيق يكفي أنه ساعدني ، كل هذا و أنا أدعوا له الله كل ليلة .
حاول جاهدا أن يرفض طلبي ، وأن أظل زوجته ، لكنني سأظلمه لم يكن بقائي علي ذمته إلا مجرد أوراق ، أنا حقا لا أصلح الآن كزوجة أبدا ، فانا مجرد رفات ، ما بي من ذكريات يكفيني لان أعيش شبحا ليس له وجود ، اكتفيت بالعمل ومصاحبة النسوة الطيبات ، وكنت أطمئن علي الشاب من بعيد .. الحقيقة لا أعلم ما يخبئه لي المستقبل ولكني أعلم جيدا أني المحظوظة الوحيدة من بين قومي ، فالكل أما أن يقتل أو أن يعيش مطاردا في وطنه طيلة حياته .

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏‏‏شخص أو أكثر‏، و‏أشخاص يمشون‏‏، و‏‏أشخاص يقفون‏، و‏نص‏‏‏ و‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏‏

معلومة تهمك

تنبيه هام، المنشور يعبر عن رأي الكاتب ويتحمل مسؤوليته، دون ادنى مسؤولية علي الجريدة

تنبيه

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: