وسيـــلة..!

كتبت ضحى التلاتى

في نهاية اوضة مظلمة عند ضوء لمبة خافت على سطح مكتب فتحت مذكراتها ومسكت قلمها وإيديها بتترعش وكأنها أول مرة تكتب بس الحقيقة هي مش أول مرة تكتب هي أول مرة تكون صادقة مع نفسها وهى بتكتب ، سرحت لوهلة واخدت نفس عميق وابتسمت ابتسامة هادئة وابتدت تكتب…
“…
17/5/2030
“كم مرة وددت الجحيـــم دون أن تدرى واختار لك القـــدر النعيم! “
“كم مرة كِدت أن تقع وظهر لك نور حملك وحماك من السقوط! “
… اسمى وسيــلة فاروق الحسينى ، عندى 30سنة ، عايشة في أسيوط ، من عائلة متوسطة وبسيطة زيها زى أي أسرة مصرية عادية مكونة من أم “ست بيت” وأب “الحاج فاروق الحسينى” فاتح محل عطارة على قده وأخويا “عمر” أصغر منى بخمس سنين..
لما كان عندى خمس سنين كنت عايزة أطلع دكتورة هو صحيح وقتها مكنتش عارفة يعنى ايه دكتورة أصلا ولا حتى صاحب أو صاحبة المهنة بيعملوا ايه بس حبيت الكلمة خصوصاً لما كنت بسمع أمى وأبويا بيتكلموا مع بعض ويقولها إنه نفسه يشوفنى دكتورة كمان خالى كان دكتور وعلاقتى بيه كانت قوية لدرجة انى كنت عايزة أطلع زيه بالظبط في كل حاجة وكنت بحب اشوفه بالبالطو بتاعه اوى ، دخلت أولى ابتدائى وتانية وبعديهم تالتة ولما أي حد من المدرسين كان يتناقش معانا ويحب يختبر تفكيرنا ويسألنا عايزين تطلعوا ايه كنت دايما علطول بقول دكتورة وبرضو مش عايرفة يعنى ايه بالظبط ، أبويا كان نفسه يشوفنى دكتورة جدا بس أمى كانت عيزانى ادخل صيدلة أصلها أحسن للبنات بس طبعاً عشان احنا في مجتمع شرقى أصيل كلمة أبويا هي اللى مشيت في الآخر وبقيت اسمع كلمة دكتورة كتير من أبويا وقرايبنا وجيرانا حتى أمى اللى كانت مفضلة صيدلة ليا أكتر لحد أما دخلت رابعة ابتدائى كنت متحمسة اوى انى ادخلها عشان هاخد علوم فيها كنت بحب الرياضة والكمبيوتر جدا مع إننا مكناش بناخد حصص الكمبيوتر بانتظام اوى باعتبارها مادة مش بتضاف ومعظم المدارس عندنا في القرية ومصر عموماً مش بيهتموا بيها ولما أخدت العلوم مكنتش بحبه أوى زى الرياضة بس برضو مكنتش بكرهه ومع ذلك كانت أكتر مادة بذاكرها وبقفل فيها عشان الحلم اللى مستنياه… حلم الطب..
وبعد كدة دخلت إعدادى وكونت صداقات كتير في المدرسة الجديدة منهم واحدة كانت صاحبتى جدا اسمها “سلوى” هي كمان كانت بتحب الكمبيوتر عرفتنى على تدريبات كمبيوتر المدرسة بتعملها في إجازة الصيف كل سنة ، المدرسة دى كانت مختلفة شوية عن مدرستى الإبتدائية كانت بتهتم بالكمبيوتر وقلتلهم في البيت على موضوع التدريبات والحمد لله وافقوا وابتديت اروح مع “سلوى” سوا كل إجازة حبيت جدا الموضوع وكنت بستنى الإجازة من السنة للسنة عشان احضر التدريب حتى طوروا فيه شوية وبقوا يدونا كمان تدريبات programming و robots وعلمونا ازاى نعمل عربيات صغيرة زى الإنسان الآلى بالظبط على شرائح الأردوينو اللى كان يعرفنى كويس الفترة دى هيعرف اد ايه فعلا انا حبيت الكمبيوتر وكان بالنسالى ايه بس أما دخلت ثانوى أبويا رفض يودينى تدريبات الكمبيوتر تانى قالى عشان اهتم بمذاكرتى حتى في الإجازة هيبقا يجيبلى كتب السنة اللى بعدها عشان اذاكر فيها مسمحليش بأى وقت اروح فيه مكان أو تدريب أو أقرأ أو اعمل أي حاجة كل اللى كان شاغل دماغه وقتها إنى اركز في دراستى وبس انا في الأول زعلت بس بعد كدة اقتنعت عشان احقق حلمى فعلا ولما دخلت تالتة ثانوى وجه الوقت اللى كنت هملى فيه ال form واحدد مسارى طبعا اختارت علمى علوم من غير ما افكر..عشان طب.. امتحنت وخلصت وعرفت من التليفزيون إن النتيجة هتظهر بكرة تقريباً اليوم دة منمتش فضلت سهرانة طول الليل برسم في خيالى مستقبلى المشرق اللى مستنياه من 18 سنة ومش انا بس اللى كنت مستنياه أمى وأبويا وكلنا ، فضلت سهرانة وانا بنسج طريقى وحياتى الجايين وفى خيالى صور مبهجة طبعاً ما أنا متأكدة إنه هيبقا مستقبل مشرق أصل كل امتحان امتحنته كنت براجعه بعدها وعرفت إنى مش هنقص غير نص درجة في الجيولوجيا كمان عرفت من الراديو إن السنة دى محدش قفل المجموع يبقا كدة تقريباً ممكن ابقا من أوائل الجمهورية وعدى اليوم وانهاردة هتظهر النتيجة بس قبلها بساعة كانوا بيذيعوا أسماء الأوائل وكنت قاعدة مستنية اسمى وكأنه هيتقال وسطهم وكلى أمل مش عارفة ليه كان عندى يقين مخيف إن اسمى هيتقال بس خلصوا واسمى متقالش.. “أميد نقصت درجة في التعبير..” دة اللى خطر على بالى ساعتها وبعدها بشوية عمر دخل كانت عنيه مليانة دموع وماسك ورقة فيها درجات انا مستنتش أما يقول شديتها منه وحتى مبصتش على درجة كل مادة انا بصيت على المجموع المئوى علطول “77%…!” قلتها بذهول وبصوت مسموع ، أمى انهارت من العياط ، شفت في ملامح أبويا ذهول مشفتوش قبل كدة ، حتى مش فاكرة كان ردى وقتها بالظبط لأنى مستوعبتش الصدمة بس بعدها أبويا طمنى وقالى إنه مستعد يعمل أي حاجة ويدفع أي مبلغ وناوى يقدملى تظلم عشان دى مش ممكن تبقا درجاتى وان إن شاء الله هترجعلى واديت لنفسى فعلا أمل بس فضلنا شهر رايحين جايين قابلنا دة واتكلمنا مع دة غير المصاريف اللى اتصرفت بس لا حياة لمن تنادى ومرجعش أي حاجة أصلنا في مصر ومجموعى مدخلنيش غير تجارة! مكنتش قادرة اتخيل انى متأكدة وعارفة انى ليا درجات ومش قادرة ارجعها أو اعمل أي شيء وطبعا ملاقتش أي رد فعل مناسب للى حصل غير إنى اكتئب ودخلت في حالة اكتئاب بشعة بعد ما حلمى ضاع للأبد ، المستقبل اللى فضلت سنين ارسمه في خيالى ، اليوم اللى قعدت احلم بيه من وانا في ابتدائى ، والبالطو الأبيض اللى جابهولى أبويا وانا في اعدادى في عيد ميلادى … كلهم راحوا!
فضلت تلات سنين مش بعمل أي حاجة غير إنى قاعدة على سريرى في الضلمة مجرد جثة موجودة أو زومبى ، نفس بيدخل وتانى بيخرج ، كنت فحالة توهان وحالة لاوعى تامة ، مدخلتش الكلية وكنت تقريبا شبه الميتين إكلينيكياً ودخلت في حالة “كتاتونيا” _حالة نفسية بيعيش فيها المريض بحالة لاوعى وبيقرر فيها انه ينعزل عن العالم ويختار الموت وهو حى وبيقرر دة سواء بشكل واعى او لا واعى منه وبتبقا من أخطر وأندر الأمراض النفسية_بس اتعالجت وخفيت بعد التلات سنين دول وبرضو مش قادرة اقتنع إنى ادخل كلية غير طب وإنى أكيد مش هلاقى نفسى غير فيها وقررت اقعد سنة كمان مدخلش فيها كليات يمكن الحكومة تغير رأيها وترجع قرار إعادة الثانوية العامة اللى كان موجود قبل كدة واعيد ثانوى تانى وادخل طب كنت فاكرة ان الحكومة هترجعه تانى وأيه الجديد يعنى ماهو علطول بياخدوا قرارات ويلغوها أو يرجعوا فيها أو يأجلوها ما احنا في مصر عادى بس دخل آخر شهر في السنة وزى ما توقعت مافيش حاجة حصلت ولا قرارات اتلغت ولا اتأجلت ومستفدتش أي حاجة غير إنى ضيعت سنة كمان من عمرى وبقوا أربع سنين معملتش فيهم أدنى حاجة ممكن تتحسبلى كمان إن مفيش حد تقريباً وقف معايا أو خفف عنى شوية يمكن كانوا زعلانين أكتر منى وقهرة أمى اللى كنت بشوفها في ملامحها وبسمعها في نبرة صوتها وبحسها مع كل نفس بتاخده وحسرة أبويا عليا وعلى حلمه اللى كان عايزنى احققهوله غير نظرات الفرح اللى كنت بشوفها في عيون قرايبى خلونى اخد قرار إنى ادخل الكية وكمل حتى لو كانت تجارة! مكنتش بفكر غير إنى اعدى الكام سنة بتوع الكلية عشان يبقا معايا أي شهادة ودخلت فعلا تجارة بيزنس فضلت أول شهرين من السنة الأولى مقتنعة إن دة مش مكانى ومش دول الناس اللى استحق ابقا في وسطهم فعلا بس….
بس أما دخلت في الدراسة شوية توهت أكتر مكنتش قادرة أوصف احساسى بالتحديد كان ايه وابتدينا ناخد يعنى ايه إدارة و marketing و حسابات وغيرهم كتـــير عديت أول سنة والتانية والاتنين جبت فيهم امتياز غير الأبحاث اللى كنت عملاها وال presentations اللى عرضتها في أي ندوة عملوها وأى محاضرة أخدناها واشتر كت في كذا team كنت مسئول ال marketing في واحد وspeaker في واحد تانى و IT” programmer” في واحد تالت…
لحد أما في يوم دخلت لأمى وأبويا بعد ما خلصت مكالمة وقلتلهم إن المعيد هو اللى كان بيكلمنى وقالى على منحة جاية للكلية وانا مترشحة ليها أبويا قالى: وماله يابنتى ، مفيش مشكلة.
_ بس المشكلة يا حاج انى مش هروح كام شهر وارجع!
_ يعنى ايه؟
_ المنحة دى لانى هكمل تعليمى برة في المانيا وشغل كمان!
_ ايه؟ وتسبينا ، احنا معندناش بنات يشتغلوا برة نقول ايه للناس!
_احنا يابنتى كبرنا ومحتاجينكم معانا دلوقتى مبيقناش زى الأول!
… مش عارفة ليه وقتها حسيت إحساس أول مرة احسه حسيت إنى محتاجة أتكلم فعلا! وبعلو صوتى قلت: كفاااااااااااية بقا كفاية اللى عملتوه فيا ، كفاية الوهم اللى عيشتونى ف 24 سنة!
_ انت بتقولى ايه!؟؟؟
_ وهم!
_ آاااة وهم ، وهم كلية الطب من وانا خمس سنين اقنعتونى انى لازم ابقا دكتورة وانى مينفعش ادخل اى حاجة غير طب ، فرضتوا عليا مهنة من قبل حتى ما تدونى فرصة اعرف نفسى أو حتى اعرف انا بحب ايه ، كنتوا عايزين تحققوا رغبتكم فيا من غير ما تشوفوا رغبتى انا ، ما ادتونيش مجال افهم انا انفع في ايه ، حاوطونى من كل ناحية لحد اما اقتنعت بجد انى بحب طب وانى منفعش غير دكتورة ، خلتونى واجبرتونى احب العلوم وانا طول عمرى كنت شاطرة في الرياضة وبحب الكمبيوتر آة بمناسبة الكمبيوتر حتى الحاجة الوحيدة اللى لاقيت نفسى فيها بجد منعتنى عنها ومخلتنيش اكمل تدريبات واقنعتنى انى مبحبهاش ، انا اكتشفت انى مبحبش طب ولو كنت دخلتها بجد كانت هتبقا دى النهاية فعلا ، اكتشفت ان البيزنس والكمبيوتر هما الحاجتين اللى اتخلقت عشانهم!
_ يابنتى ، احن..!
_ انتوا ايه! انتوا معملتوش أي حاجة غير أنكوا خلتونى أحب حاجة عمرها ما كانت ليا ولا هتكون ، انتوا عيشتونى في أكبر وهم بجد ، انتوا محيتوا شخصيتى وعيشتونى بشخصية مزيفة شخصية انتوا عايزينها شخصية مش بتاعتى ، انتوا خلتونى اضيع من عمرى أربع سنين على حاحة انا أصلا مش عارفة عنها حاجة غير اللقب ودلوقتى مش عايزين حتى اعمل الحاجة اللى ليا بجد!
_ احنا…. احنا مكناش عايزين حاجة غير انك تبقى دكتورة ومشرفانا ، كنا عايزين نتباهى بيك ادام الناس ، كان حلمنا نشوفك بالبالطو الأبيض ، كنا عايزين نحقق حلمنا اللى عشنا سنين نحلم بيه وإنك انت اللى هتحققيه!
… كل اللى عملته إنى سكت ومشيت لحد أما عمر ندهلى
_ وسيـــلة!
_ وسيــلة! اهه..أول مرة اكتشف إنى اسم على مسمى.. انا كنت مجرد وسيلة عايزين تحققوا بيها رغباتكوا!
ولما دخلت اوضتى استغربت من اللى قلته تقريبا كنت أول مرة اصارح فيها نفسى واصارحهم ، أول مرة اعبر عن الإحساس اللى فضلت سنتين من يوم ما دخلت الكلية مش فهماه بس كنت حاسه إحساس ما بين الغضب وإنى مينفعش اسكت وفى نفس الوقت إنى اعذرهم ، دة الطبيعى كل أب وأم بيبقوا راسمين صورة في دماغهم لأولادهم بس احنا الغلطانين آة انت الغلطان…. غلطت يوم ما قررت تصدقهم ، غلطت يوم ما قررت تبطل تعرف ذاتك وتكتشفها ، غلطت يوم ما قررت إنك تمحى شخصيتك الحقيقية ، غلطت يوم ما اختارت المهنة أو المنصب أو مستقبلك بناءً على الحالة الاجتماعية أو اللقب أو كليات القمة أو اللى الناس عايزة تشوفه فيك ، غلطت لما قررت تعيش بحد غير نفسك!
بس تانى يوم أبويا غير رأيه ووافق إنى اسافر وسافرت وانهاردة بس بعد شغل ودراسة سنين اخدت إجازة ورجعت بعد 6 سنين برة درست فيهم وحضرت ماجستير ودكتوراة وبقيت الدكتورة وسيلة فاروق الحسينى… اتعلمت تلات لغات ودرست بيزنس صح خدت كورسات ال programming وال electronics من ناسهم ، وبقيت motivational speaker في LHS Organization ومسكت نائب رئيس مجلس إدارة شركة WEE _ من أكبر شركات البيزنس في العالم_ بعد شغل فيها تلات سنين ومن سنتين استثمرت في مصر لإنشاء أول شركة programming,electronics,robots في الشرق الأوسط ودمجت ما بين الحاجتين اللى بحبهم الكمبيوتر والبيزنس وإدارة الأعمال ومن ساعة كنت بحضر مؤتمر لمؤسسة “Business for the world” وعرفت فيه إنه تم اختيارى إنى هبقا من ضمن أفضل 10 شخصيات في مجال البيزنس لعام 2030 …انهاردة بس عرفت يعنى ايه اشتغل حاجة بحبها ، عرفت معنى إنى افهم نفسى ، عرفت يعنى ايه القدر بيختار الأفضل ، فهمت ازاى الحياة بتتعاش ، حسيت النجاح… انهاردة بس كان البداية…
اوعوا تبقوا وسيلة لأى حد عايز يحقق أحلامه فيكوا
اعرفوا نفسكوا ، افهموها ، حبوها ، حققوا حلمكوا انتوا مش حلم حد تانى
مفيش حياة بتنتهى ولا حلم بيقف ولا إنسان بيفشل بس فيه حد بيقف وميكملش وحد تانى يكمل لحد أما يوصل لحلمه أو يوصل لحاجة ماكنش يتخيل إنه ممكن يوصلها وإن حلمه مكنش حاجة جمب قدراته
احنا أقوى وأذكى من إننا نتهزم أو نقع
أنت تقدر وأنا أقدر وكلنا نقدر بس منبطلش ندى للعقل البشرية قيمته الحقيقية اللى يستحقها…
“كم مرة وددت الجحيــــم دون أن تدرى واختار لك القــدر النعيم! “
….”
مقال الطبعة الأولى في الصفحة التانية مترجم في مجلة “HOPE” البريطانية.

معلومة تهمك

تنبيه هام، المنشور يعبر عن رأي الكاتب ويتحمل مسؤوليته، دون ادنى مسؤولية علي الجريدة

تنبيه

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: