مشهد : _

رؤوف جنيدى

على وقع حفيف نسمات عليلات . تداعب أشجار الصفصاف العملاقة التى تدلت أغصانها لتلامس صفحة الماء وكأنها حورية جثيت على شاطئ النهر الصغير لتغسل شعرها كل مساء . تقترب الصبايا رويداً رويداً من الماء وينزلن فيه . حتى يتحلق الماء حول مناكبهن كخلاخيل فضية تعانق سيقاناً مرمرية . إستوى على عودها طرح أنوثة نضرة . تنزل الحسناوات جرارهن من فوق رؤوسهن لتعب الماء بها عباً . فيتراقص قرص الشمس الذهبى على صفحة الماء . وتصدر الجرار قعقعات وكأنها ضحكات المساء . ليسرى صداها فوق مروج خضر على شاطئي الترعة . يداعب سنابل وأزهار حان قطافها . ويقرع أبواب قلوب شباب القرية العائدين من حقولهم مع غروب الشمس يسوقون من خلفهم ماشيتهم ودوابهم . فتجرى أنظارهم مجرى النهر الصغير لتلحق بالصبايا . فتتعالى ضحكاتهن من بين طيات الدلال والجمال . ومن خلف خمرهن السود التى إنفجر من تحتها البياض . ضحكات قد تنزل إبن العم مسرعاً من فوق دابته . ليحمل مع إبنة العم جرتها إلى أن تستقر فوق رأسها . ليظفر بإبتسامة الرضا والقبول . وهمس عينين بات صاخباً فى أذنيهما فقط …
تخرج الصبية حاملة جرتها . وقد رفعت طرف ثوبها . فيتبين بياضها المكنون من خلف غرابيب سود من فجر الحسن والدلال . تخطو أولى خطواتها عائدة إلى بيتها . تسيل قطرات الماء من الجرة على خديها كحبات الندى التى استقرت فوق خد وردة قطيفية الملمس . وكأنها نجمات تتلألأ فى صفحة السماء . تدلت فوق جبينها خصلة شعر سالت خيوطاً حريرية كغرة فرس جموح . تتراقص الضفائر من خلفها جيئة ورواحاً . على خصر بات كجذع نخلة باسقة نضيدة الطلع . تهتز يمنة ويسرة . كلما دقت الأرض بكعبيها وكأنها تنقر بأصابع الشوق على قلوب العشق وأفئدة الغرام . فتتساقط على العشاق من ثمارها رطباً جنياً . فأكلوا وشربوا وقرت عيون الحب منهم . تتهادى الصبية طواحة ميادة وكلما قابلها رجل . سحبت طرف طرحتها السوداء ليغطى وجهها إلا عينين نضاختين بالسحر . وكأن البدر قد غشيته سحابة شتاء عابرة .. سرعان ما تتبدد بمرور الرجل بعيداً . فتنمحى بعدها آية ليلها . وتتفجر آية نهارها مشرقة . تعاود الصبية ملء جرتها مرات ومرات إلى أن تبتلعها دغشة المساء وتتوارى فى آخر مراتها خلف خيوط الليل الذى أرخى سدوله على القرية فأغطش بهاء الصبية .. وحجب أنوثتها حتى الصباح …
تقضى الصبية ليلتها بين قلب يرتجف ومشاعر تنتفض . وجدان يقول وجوارح تستمع .. بين مهابة البوح ورجاء الوصال . بكرت من فراشها بكور الطير من أعشاشها . فتحت شباك غرفتها تستقبل الفجر . وتحتضن أنفاس الصباح . ينتهى أهل القرية من صلاة الفجر . هبطت على الأرض حبات الندى . فباتت كل الأصوات رخيمة . ترمى بسمعها بعيداً إلى حيث تعرف وحدها من ستسمع . يتهادى إليها على استحياء أزيز مزلاج الحظيرة . وصفير مفصلاتها العتيقة مخفوقاً بهمهمات ابن العم الجار القريب . وهو يستحث دوابه وماشيته على التحرك متجهاً إلى الحقل . فتسرع الصبية إلى جرتها . تحملها فوق رأسها وتحمل معها الأمل . لتسبقه إلى النهر الصغير . حيث شاطئ الغرام . لتكشف عن ساقيها قليلاً . وتنزل إلى الماء تعبه فى جرتها . ثم ينتصب عودها لتلقى بضفيرتيها تباعاً إلى خلف ظهرها . ناظرة إلى الشمس التى غادرت مرقدها واستيقظت . وراحت تسكب الفضة على أوراق الشجر . وفوق رؤوس الخلائق . وعلى الزراعية حيث سيمر إبن العم من هنا . لينزل ثانية من فوق دابته . ويرفع معها جرتها إلى أن تستقر فوق رأسها . منسقاً فوق جبينها غرة الفرس الجموح . مردداً معها فى كل مرة حديث العيون . الذى آن له أن ينطق بسبع من المثانى . وعلى رحب العمومة وسعتها . وعلى سنة والله ورسوله …

معلومة تهمك

تنبيه هام، المنشور يعبر عن رأي الكاتب ويتحمل مسؤوليته، دون ادنى مسؤولية علي الجريدة

تنبيه

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: