منْ فقهِ ولايةِ الأمرِ في الإسلامِ

بقلم دكتور /محمد عشماوي زيدان
رئيس المجلس الاعلى للشؤون الاسلامية في كندا

ولايةُ الأمرِ ضرورةٌ إنسانيةٌ ومصلحةٌ شرعيةٌ:

لئن كان عسيراً على الإنسان أن يستغني بنفسه عمَّن حوله وينطوي على ذاته، فأشد عسراً منه أن يستقيم تجمع الناس ويسلم تعايشهم دون أن تبرز بينهم مَنازع الفرقة والتعارض (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ (هود)). ليس من نافلة القول أن نقرر أن شُعب الاختلاف والتباين بين الناس أكثر من ان تُحصَى، والاختلاف حاصل مهما جاهدنا أنفسنا لنحُول دون وقوعه، والاشتغال به مفسدة تهدد الوجود الإنساني، الأمر الذي يفرض على المجتمعات أن تجِدَّ في تجفيف منابع الاختلاف أو ترشيدها ما أمكنها إلى ذلك سبيلاً. ولئن كانت التجربة التاريخية قد أثبتت أن التعايش الإنساني مصلحة لا تقبل المُهلَ أو الإرجاء، فقد أكدت كذلك أن السبيل إليها يكون بضبط إرادة الجماعة وتوحيد كلمتها وصون وجهتها عن شتات الفكر وتنازع الإرادات. ومن هنا ندرك تتابع النتائج المترتبة على مفارقة الجماعة في قوله تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال/46.[

إن الاختلاف سنة إلهية في الكون ومظهر من مظاهر التنوع والتكامل البناء، وهذا المسلك منتظم في الحياة والأحياء على سواء، وليس من ضيْر في وجوده بقدر اتّساقه ودلالته على آيات الفطرة، لكن الضير كله في أن تتسع مساحات الخُلف بين الناس وتنعدم لغة التفاهم والحوار بينهم. من هنا كانت الحاجة ماسّة إلى جمع الكلمة وتلاقي الإرادة في الجماعة الإنسانية في يد واحدة تقارب الرؤى وتستخلص الأفكار، وتلك ضرورة إنسانية لا تقوم الحياة بدونها.

إن الشرع الحنيف حرص أشد الحرص على تحقيق هذا التوافق الإنساني المنشود في الحياة لأنه مقدمة صحيحة للغاية الكبرى من الوجود البشري، وهي الاستقامة على أمر الله، ومن أجل ذلك ألفينا الشارع الحكيم يدعو لتثبيت معاني الوحدة والاجتماع في أذهان ونفوس المؤمنين، ولنأخذ على ذلك نذرا من الأمثلة اليسيرة:

تفضيل صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة، ولو

كان العدد أقل ما يقال له جمع أقل. روى الإمام النسائي في سننه عن أبِي طَلْحَةَ الْيَعْمُرِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو الدَّرْدَاءِ: أَيْنَ مَسْكَنُكَ؟ قُلْتُ فِي قَرْيَةٍ دُوَيْنَ حِمْصَ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلَا بَدْوٍ لَا تُقَامُ فِيهِمْ الصَّلَاةُ إِلَّا قَدْ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ. قَالَ السَّائِبُ: يَعْنِي بِالْجَمَاعَةِ الْجَمَاعَةَ فِي الصَّلَاةِ.

ضرورة التأمير على أقل الجمع كما جاء في الحديث المرفوع عَنْ عَبْدِ الله، قال: “إِذَا كُنْتُمْ ثَلاثَةً فِي سَفَرٍ فَأَمِّرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدَكُمْ”. لندرك من خلال ذلك قيمة الجماعة والوحدة في المنظور الإسلامي إلى الحد الذي لا يُستهان معه بالالتزام بالأمر مهما كانت خصوصية المقصد فيه، ومهما كان العدد المراد جمع كلمته قليلاً، أي توحيداً للقصد وتسديداً للعزم.

الإمارةُ الأولى في عهدِ النبوةِ:

عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة جاءته جهينة، فقالوا : إنك قد نزلت بين أظهرنا، فأوثق لنا حتى نأمنك، وتأمننا، فأوثق لهم لو لم يسلموا، فبعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجب، وأمرنا أن نغير على حي من كنانة إلى جنب جهينة، فأغرنا عليهم، فكانوا كثيرا، فلجأنا إلى جهينة، فمنعونا، وقالوا: لم تقاتلون في الشهر الحرام؟

فقلنا: إنما نقاتل من أخرجنا من البلد الحرام في الشهر الحرام، فقال بعضنا لبعض: ما ترون؟ قالوا: نأتي النبي صلى الله عليه وسلم، فنخبره، وقال قوم: لا، بل نقيم هاهنا، وقلت أنا في أناس معي: لا بل نأتي عير قريش هذه، فنقتطعها، فانطلقنا إلى العير، وكان الفيء إذ ذاك من أخذ شيئا فهو له، وانطلق أصحابنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبروه، فقام غضبان، محمر الوجه، فقال: « ذهبتم جميعا، وجئتم متفرقين؟ إنما أهلك من كان قبلكم الفرقة، لأبعثن عليكم رجلا ليس بخيركم، أصبركم على الجوع والعطش فبعث علينا عبد الله بن جحش الأسدي، فكان أول أمير في الإسلام .

ويبدو من النظرة الأولى لهذه الرواية أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يُسمِّ لهذا البعث أميراً، ولربما كان ذلك مقصودا منه صلى الله عليه وسلم ليدرك الجمع منازع الفرقة وتضارب الرأي بينهم، وكم هي فائدة التأمير في عصمة الجماعة من الفرقة والنزاع والفشل، لا سيما والعرب بطبعهم ذوو أنفة وشموخ يستعزون معه أن يسود عليهم أحد من بينهم، وهذا المسلك كان واضحاً منهم في التأبي على قبول الرسالة النبوية في بدئها، ومن قبل ذلك كانت قريش طول عمرها لا تعرف أي نظام من أنظمة الحكم، اللهم إلا الزعامة الأدبية لبعض أشراف مكة، فكان طبيعياً أن يكون التوجيه عملياً والدرس ميدانياً تؤكده التجربة فتتفهمه النفوس.

ومنذ ذلك الحين جرى العهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم باعتباره رسول الدعوة ورئيس الدولة يُؤمَّر أصحابه بعضهم على بعض في السرايا والبعوث ، فلا يستنكفون منه صلى الله عليه وسلم أن يؤمر غير القرشي على القرشي أو الأحدث على الأسن والأسبق إسلاماً، ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أمر، فخلصت نفوسهم من الأنفة المقيتة وطهرت أرواحهم من ضغن الجاهلية .

من ضوابط ولاية الأمر في التوجيهات النبوية

1 ــ الأمر بلزوم الطاعة ولو كان الأمير عبداً حبشياً:

نسوق هنا حديث أبي نجيحٍ العرباض بن سارية رضي الله عنه، قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظةً بليغةً وجلت منها القلوب وذُرِفَت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودعٍ فأوصنا. قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبدٌ حبشي، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً. والحديث يشي بغزير الدلالات والإشارات، لعل أبرزها نبوءة المصطفى صلى الله عليه وسلم بكثرة الاختلاف، ثم كانت وصيته الذهبية: لزوم السمع والطاعة مهما يكُن من تولَّى الأمر .

2 ــ الحوار الهادئ مع المعارضة :

أخرج الإمام البخاري في صحيحه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْثًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَطَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِمَارَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنْ تَطْعُنُوا فِي إِمَارَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعُنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ، وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلْإِمَارَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ .

إننا هنا أمام موقف تربوي جامع في فقه القيادة وولاية الأمر، فالرسول صلى الله عليه وسلم باعتباره القائد الأعلى يوجه البعوث ويسير الغزوات يوجه البعث وعليه أسامة بن زيد أميرا،ً فلم يلبث أن جاءه تبرّم بعض الناس من إمارة أسامة إلى حد الطعن- كما تصرح الرواية- وحسن ظننا بالأصحاب الأخيار رضوان الله عنهم يحملنا على توقع أن يكون الطعن في قدرات الشخص المكلف لا في التكليف ذاته وإلا كان رداً على الله ورسوله ووقوعاً في إثم كبير، وأن الطعن كذلك لن يكون في دينه وإلا لكان اتهاماً بتولِية من ليس بأهل للولاية، وحاشاه صلى الله عليه وسلم أن يكون أمره كذلك، لكنه ربما كان شيئاً من الحديث حول الخبرة العسكرية أو حداثة السن أو القدرة على القيادة، ومع ذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قادراً على المواجهة والحوار المباشر لأنه صلى الله عليه وسلم ليس لديه ما يخفيه عن رعيته أو يستتر منه ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه عرف طعنهم في إمارة زيد والمفاجأة أنه كان يعلم طعنهم في إمارة أبيه من قبل، ولكنه ربما آثر ألا يتكلم في الأولى حتى يترك للتجربة أمام أعينهم الكلمة في أن زيداً رضي الله عنه خليق بالإمارة وجدير بالولاية .

3 ــ التأكيد على أنه لا طاعة لأمير في معصية الله :

إذا كان لزوم الطاعة مقرراً بالنص الشريف السالف فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد دفع أوهام من يتخيّل أن السمع والطاعة مطلقان لا يقيدهما حال أو مقال، ولأن الإمرة قد تبدو عند بعض من يتقلدها مدعاة للانفراد بالكلمة والاستبداد في الرأي، وتلك مفسدة لا تعدلها مفسدة، الأمرالذي لزم معه بيان حدود السمع وسقف الطاعة الذي أطلقه الحديث السالف، وهنا يساق ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ : ( بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً فَاسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ فَغَضِبَ، فَقَالَ: أَلَيْسَ أَمَرَكُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَن تُطِيعُونِي؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا فَجَمَعُوا، فَقَالَ: أَوْقِدُوا نَارًا فَأَوْقَدُوهَا، فَقَالَ: ادْخُلُوهَا، فَهَمُّوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا وَيَقُولُونَ فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النَّارِ، فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتْ النَّارُ، فَسَكَنَ غَضَبُهُ فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ.

وهنا نلمس التحذير النبوي قد جاء في موقف عملي شديد الخطورة لأن أفراد السرية كانوا قاب قوسين أو أدنى من النار إن هم أطاعوا أميرهم في معصية الله، لذا كان التوجيه النبوي الأخير في الحديث: “الطاعة في المعروف” كاشفاً لحدود الطاعة والمعصية على حد سواء .

معلومة تهمك

تنبيه هام، المنشور يعبر عن رأي الكاتب ويتحمل مسؤوليته، دون ادنى مسؤولية علي الجريدة

تنبيه

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: