صرخة أم شهيد : _

بقلم : لواء رؤوف جنيدى 

على وقع خطاك ياعمر أنت وجنودك نشأت بطولات . وعلى أثارها فوق رمال سيناء الحبيبة صنعتم المجد وازدهرت على خطاكم العزة و الكرامة . وعلى رباطة جأشكم تعلقت أكاليل النصر . صلتم وجلتم فوق رمال سيناء . تصنعون من حباتها رصاصات خارقة ومن صخورها قنابل فتاكة . صالت وجالت أحذيتكم تسحقون تحتها كل خسةٍ وندالة . وتطوون تحت نعالكم كل خيانةٍ وجهالة . وقفتم شامخين تحمون الأرض والعرض . وتتسللون بحذر تتحينون الفرصة لأخذ الثأر ورد الإعتبار . وركضتم سريعاً تطاردون جرذان آدمية تهرع مذعورة إلى جحورها بعد كل عملٍ خسيس … وفى كل مرة تعودون عودة الأسود إلى عرينها .

أيام مضت وقف خلالها البطل مع جنوده فى طابور الصباح .. يسمع تعليمات قائده الأعلى . إستلم مهمتك ياعمر : حاضر يا افندم . تقدم إلى موقع نقطة حراستك ياعمر : حاضر يافندم . كن يقظاً ياعمر أنت وجنودك : حاضر يافندم .. يدوى صوت عمر دائماً بتمام استعداده . بتمام رجولته . بتمام إقدامه . بتمام فدائيته وإصراره هو وجنوده . إلا أن عمر على الرغم من أنه يحمل بين يديه بندقية فهو يحمل أيضاً بين جنبيه قدراً من النبل جعله لا يتخيل أن تصل الخسة والندالة بهؤلاء الخونة إلى هذا الإنحطاط والتدنى حتى فى إختيار التوقيت صبيحة أول أيام العيد بين فجره وعيده . ولكن لا غرابة فى هذا فقد خانوا الله من قبل …. ويقف عمر تحت لفح شمس محرقة . يناجى نسمات عليلات أن تمر فتلطف عنه لهيبها . ويقف فى دغشة ليل بهيمىٍ يناجى قطعه المظلمة أن تنجلى قليلاً فتكشف له عن خائن قد يكون مستتراً خلفها . تتساقط فوق رأسه أمطار زمهريرات يناجى قطراتها . علها تحمل دلائل الرضا الألهى عن عينٍ باتت تحرس فى سبيل الله . يخرج من جيبه كل حين صورة أمه فيستلهم من دعواتها الصبر والعزيمة . او صورة خطيبته فيعدها ألا يعود إلا منتصراً لعزته وكرامته . أو صورة إبنه يسأله الصبر على بعده داعياً الله أن يراه ثانية . يقرأ كل حين على نصف قصاصة ورقية . الشطر الثانى من عقد التلاقى ( محمد رسول الله ) . بعد أن ترك شطرها الأول على النصف الثانى من القصاصة . وقد دستها أمه فى صدرها ( لا إله إلا الله ) …

وفى واحد من الطوابير الصباحية . يقف قائد جديد أمام جنود جدد يتفحص وجوههم . فليس من بينهم عمر ولا جنوده . ينادى القائد على عمر فلا يرد عمر . يستدير القائد من أمام الجنود بعد أن إغرورقت عيناه بالدموع . وسرعان ما يواجههم ثانية . سائلهم بصوت جهورى . أين عمر : فيجيب الرجال بصوت رجل واحد : كلنا عمر يا افندم . فينصرف كل إلى عمله .

وكعادتها تقف أم عمر على باب قلبها انتظاراً لعودته . ولكن عمر لم يأت هذة المرة . وتبقى أم عمر على أبواب قلبها مفتوحةً عساه أن يأتى ولو متأخراً . يضم والد عمر الأم تحت ذراعيه إلى داخل البيت ليفيقها من نوبات غيبتها المتكررة . ألم يكن بالأمس فى موكب وداعه الجنائزى إلى مثواه الأخير ؟! . ولكنه غياب العقل . أسرها الرجل فى نفسه ولم يبدها لها . وتبيت الأم ليلتها بين قلب يأمل عودة الإبن . وعقل كرهت صحوته التى تذكرها . لتصحو من نومها مبكراً لتوقظ عمر كما اعتادت أن توقظه يوم سفره إلى وحدته . إلا أن عمر غادر فى المرة السابقة وبلا عودة . فتقف الأم إلى جوار فراشه البارد . وتحتضن وسادته . إلا أن الوسادة لم تحتضنها هى الأخرى أو تربت على ظهرها أو تقبل رأسها . فتخرج الأم من صدرها نصف الورقة . لتقرأها على عمر ( لا إله إلا الله يا عمر ) لترد روح الشهيد ( محمد رسول الله يا أمى ) وليخبرها عمر أنه فى طريقه إلى الجنة كما وعده الله . فتحمل الأم سترة أوفرولٍ لعمر وهى غير واعية . تتفحصها بعينين يبكيان وبقلب ينفطر . وبعقل ( كلما أفاق ) يكن لهذا الزى كل عرفان وتقدير . فهو الذى قاد إبنها إلى حيث أسكنه الله إلى جوار الشهداء والصديقين . وتدس أم عمر قصاصة الورقة فى صدرها مرة ثانية . حتى إذا سيقت يوماً إلى الجنة ضمن زمرة الصابرين . أطلعت عليها الله المطلع على كل شئ أن نصفها الآخر سبقها إلى هنا . فتدخل لتكمل هى وإبنها فى معية الله …. شطرى الشهادة …

يا أم عمر ويا أم كل عمر فاضت روحه الطاهرة فى هذا الحادث :

نعلم ويعلم الجميع : أن فوهة بندقية إبنك هى الأصدق قولاً عن الكثير من الأفواه التى ملأت الدنيا زوراً من القول وبهتاناً . هو من وعد وأوفى بوعده دون زيفٍ أو نفاق . هو من قدم للوطن ما لم تقدمه حناجر باتت تنعق بوطنيةٍ زائفة وإنتماءٍ أجوف . حبات عرقه فى قيظ سيناء قدمت من التضحيات والبطولات ما لم يقدمه الساهرون فى برد وسلامة التكييفات …. ونعلم أيضاً أنه لن تكفيك كل عبارات الرثاء . ولن تكفيك كل كلمات المواساة . حتى لو جثيت الدنيا بأسرها تحت قدميك ما وفتك . ولن أقول مثل ما يقول أصحاب رابطات العنق الأنيقة ( إن هذا الحادث لن يثنينا ولن يزيدنا إلا عزيمة وإصراراً ) فقد باتت عبارة غير لائقة . فعين تبكى وعين ستظل حارسة إن شاء الله . عين تذرف الدمع وعين تتوقد شرراً …. ونسأل الله تعالى أن يربط على قلب أم عمر كما ربط على قلب أم موسى . وأن تسقط دموعها برداً وسلاماً على جسده الطاهر فتنبت حوله من الحسنات ما يحصدها يوم لقاء ربه فتذهب عنه السيئات.. وليس لنا من صبر ولا سلوان إلا فى كلمات الله الذى وعد ووعده الحق . وسن وما لسنته تبديلاً ولا تحويلاً . ووفى الصابرين أجرهم بغير حساب . فلا قول يتبدل لديه وما هو بظلام للعبيد ……..

بسم الله الرحمن الرحيم :

( ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون # فرحين بم آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) …
صدق الله العظيم ….
فبشراك يا أم عمر ……..

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏وقوف‏‏‏

معلومة تهمك

تنبيه هام، المنشور يعبر عن رأي الكاتب ويتحمل مسؤوليته، دون ادنى مسؤولية علي الجريدة

تنبيه

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: