بعد عشرة العمر…. “ارجوك طلقني”

قلم /د هند
تفاجئ الجميع ، حتى الزوجة نفسها قد تتفاجئ من رد فعلها ، لأن
الحياة تبدو ممتازة شديدة المثالية، لكن للأمر مراحل سابقة لا يلاحظها أحد ، لا يلاحظ أحد انسحاب بساط الترابط بخفة ورشاقة من تحت أقدامهم ، في البداية حين تم “الانفصال الفكرى” ، ابتعدت العقول لاختلاف الأفكار الأساسية في طريقة الحياة والروتين اليومي ، تختلف الرؤية وتختلف معنى المسؤولية و الأهداف وما يريده كل طرف ،ثقافة الاحترام المتبادل بينهما تنتهي صلاحيتها حين تختل الأدوار والمكانة الأسرية ويصبح كل ما يُفعل بلا قيمة لدي الآخر ، يَصعب تقبل الواقع ، لذلك يكون القرار بتفريغ حيز الافكار من وجود الآخر، القرار أن يتنساه حتى يتجنب التصادم والاختلاف والنزاع ، يقل الكلام حتى ينعدم ، لا يوجد قدرة على الحوار الذي تتقارب فيه وجهات النظر ومحاولات الفهم، لا يوجد حوار ناجح لتقريب الاختلاف، يصعب حتى الكلام في أساسيات الحياة الروتينية، وتُترك ملفات الخلافات الزوجية القديمة مفتوحة دون نقاش، دون مصارحة، دون حل ، دون احترام لوجهة نظر الطرف الأخر ، في ذلك الحين يفشل اختلافهما في إكمال النقص لدي كل طرف، وتعويض ما يفقده، ودعونا نتقبل بصدر رحب أن الجميع يختلف، بل أحيانا يكون الاختلاف رحمة، ليكمل كل منهما الآخر، لكن أحياناً أخرى يتحول الاختلاف لخلاف وتبدأ مرحلة أخرى لم يلاحظها أحد بعد، مرحلة “الانفصال العاطفي” ،….
العاطفة هي أساس المشاركة، هي الوجه الآخر للاختلاف حين نقرر أن نكمله سويا، مواجهة تحديات الحياة لأننا قررنا البقاء سوياً ، و تقريب وجهات النظر فقط لنصبح سوياً، وحين لا يشكل الوجود سوياً فارقا، لا يصبح شيئاً سوياً بالحياة الأسرية ، الأمور الأساسية بالحياة بلا عاطفة تصبح واجب ثقيل، لا تجد وقودها لتستمر ، ينقطع الحوار حين ينقطع الحب، وينقطع الحب إذا ما اختفى الحوار، الحب والحوار وجهان لعملة واحدة، حين تختفي هذه العملة ينتهي رصيد القبول غير المشروط داخل النفوس، ويبدأ العقل وحده في ترتيب أولوياته ومراجعة دفاتر الحسابات، ماذا أعطى وماذا أخذ ، ماذا يعطي وماذا يجب أن يأخذ بالمقابل ، الانفصال لم يعد مجرد شرخ بسيط في العلاقة ، بل تحول إلى هوة سحيقة، تزداد سعته و مراحله ونقاطه، فتزداد هوة الخلافات معه ، مراحل قد تستهلك سنوات طويلة من الحياة وتراكمات عبر السنين ، لكنها تشق طريقها بثبات وهدوء داخل النفوس، وقد تكللها الخيانة من أحد الطرفين، ليفقد الرجل رجولته وتفقد المرأة أمانها، ينتهي اكتفاء كلٌ منهما بالآخر ، وتصبح علاقتهما وصمة عار لا يمحوها إلا تلك اللحظة المفاجئة التي تقول له الزوجة (طلقني)….
يتفاجئ الجميع من الطلب، لأن لا أحد يعلم تراكم ملفات الخلافات خلال سنوات الزوجية ، جراح مفتوحة لا تجد فرصة لتندمل، ملفات وضعت على رف الذاكرة بلا تصنيف ولا حل، ملفات بلا منطقية تشبه أسلحة الدمار الشامل، ما أن تنشط حتى تدمر كل شيء ، زوجان أصبحا بمرور الوقت غرباء عن بعض، حينها تظهر فكرة الطلاق كحل جزرى مريح ، لأن هذا الزواج افتقد الثقة و أصبح على حافة الهاوية ينتظر الانتحار ،…
تذهب لأهلها، يذهب للسهر مع أصدقائه، مرحبا بالحرية، دون أن يهتم أحدهما بإخماد شعلة النار الصغيرة التى بدأت، ذلك اللهب إذا استمر تجاهله ولم يُخمد يزداد ويكبر و يأكل كل شيء حوله دون رحمة، ويصل بهما إلى آخر مرحلة في الانفصال، مرحلة لا تبدأ الا بعد الانفصال الحقيقي ، القشة الأخيرة التي تربطهما انقطعت في مرحلة “الانفصال النفسي” ، راحة نفسية شديدة بخروج الآخر من حيز الحياة ، خلو اليوم من وجهه ومن تفاصيل وجوده ، مرحلة طمس لكل جميل كان بينهما ، طمس لكل التجربة من الحياة ، هوة الانفصال العميقة أصبحت الآن بلا أعماق، ما يسقط بها تبتلعه إلى العدم ولا يعود أبدا ، لا مجال لإيجاد المعدوم، لا شيء قادر على إحياء الذي مات بينهما ، لا أمل يركنوا إليه ، ولا سبب يعودوا له، متى وكيف وصل الحال إلى هذه النقطة، لأن كلاهما أو أحدهما لا يلاحظ تسلل تلك المراحل من بدايتها ، أو يراها ولا يهتم بإصلاحها، الطلاق ليست فقاعة أو قنبلة موقوتة جاهزة للأنفجار، الطلاق لا يأتى من فراغ، والزواج لا ينمو على الفراغ، العلاقات الإنسانية تحتاج لكثير من المثابرة، لكثير من الاحترام والرعاية والاهتمام والملاحظة.

تنبيه هام، المنشور يعبر عن رأي الكاتب ويتحمل مسؤوليته، دون ادنى مسؤولية علي الجريدة

تنبيه

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: