قبس من نور ومع سلمه بن الأكوع (الجزء الثانى)

55

معلومة تهمك

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الثانى مع الصحابى سلمه بن الأكوع وقد توقفنا نادى منادي من أسفل الوادي، يا للمهاجرين، قتل ابن زنيم، قال، فيقول سلمه بن الأكوع فاخترطت سيفي، ثم شددت على أولئك الأربعة وهم رقود، فأخذت سلاحهم، فجعلته ضغثا في يدي، قال ثم قلت، والذي كرم وجه محمد، لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه، قال، ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال، وجاء عمي عامر برجل من العبلات يقال له مكرز، يقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على فرس مجفف، في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال “دعوهم، كن لهم بدء الفجور وثناه” فعفا عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله تعالى فى كتابه العزيز فى سورة الفتح (هو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم) وعن سلمة بن الأكوع، قال، خرجت قبل أن يؤذن بالأولى.

وكانت لقاح ” أى إبل ” رسول الله صلى الله عليه وسلم ترعى بذي قرد، فلقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف فقال أخذت لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت من أخذها ؟ قال غطفان، فصرخت ثلاث صرخات، يا صباحاه ، فأسمعت ما بين لابتي المدينة، ثم اندفعت على وجهي حتى أدركتهم وقد أخذوا يستقون من الماء، فجعلت أرميهم بنبلي، وكنت راميا، وأقول أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع، وأرتجز، حتى استنفذت اللقاح منهم، واستلبت منهم ثلاثين بردة وجاء النبي صلى الله عليه وسلم، والناس، فقلت يا نبي الله ، قد حميت القوم الماء وهم عطاش، فابعث إليهم الساعة، فقال” يا ابن الأكوع ، ملكت فأسجح ” ثم رجعنا ويردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقته حتى دخلنا المدينة، رواه البخاري، ومعنى هذا الحديث أو هذه الواقعه من سلمه، وهى قبل أن يؤذن بالأولى، ويقصد بها صلاة الصبح، يعني خرجت من بيتي بالمدينة إلى خارجها ذي قرد.

معلومة تهمك

وهو مكان به ماء على نحو مسيرة يوم من المدينة المنوره، مما يلي بلاد غطفان ولقاح، جمع لقحة وهي الأبل ذات اللبن، قريبة العهد بالولادة فصرخت ثلاث صرخات يا صباحاه، لينذر اهل المدينة بما حدثو ومعنى يا صباحاه، فهى كلمة تقال عند الغارة وفي رواية فصرخت بثلاث صرخات، وهذا الصراخ للاستغاثة معروف، ولا بتا المدينة، تثنية لابة، والمراد حرتاها، والحرة هى أرض بظاهر المدينة، فيها حجارة سود كثيرة، ومعنى اليوم يوم الرضع، قالوا معناه اليوم يوم هلاك اللئام، وهم الرضع، من قولهم هو لئيم راضع، أي رضع اللؤم في بطن أمه، وقيل لأنه يمص حلمة الشاة والناقة لئلا يسمع السؤال والضيفان صوت الحلاب، فيقصدوه، وقيل لأنه يرضع طرف الخلال الذي يخلل به أسنانه، ويمص ما يتعلق به، وقيل معناه اليوم يعرف من رضع كريمة فأنجبته، أو لئيمة فهجنته، وقيل معناه اليوم يعرف من أرضعته الحرب من صغره.

وتدرب بها ارتجز، اى قال أرُجوزة، وهى شيئا كالشعر، وحميت القوم الماء، أي منعتهم إياه فابعث إليهم الساعة، أي وافرض عليهم شروطك، فهم اليوم ضعاف محتاجون، ومعنى ملكت فأسجح، معناه فأحسن وارفق، والسجاحة هى السهولة أي لا تأخذ بالشدة، بل ارفق، فقد حصلت النكاية في العدو ولله الحمد، ومعنى يردفني، اى يركبنى خلفه على الناقة والحديث يتكلم عن غزوة ذى قرد، وكان سبب غزوة ذي قرد أن المشركين من غطفان أغاروا على إبل الصدقة التي هي في حماية رسول الله صلى الله عليه وسلم، أغاروا عليها، وهي ترعى في الكلأ خارج المدينة، يرعاها ويشرف على رعيها غلام صغير، استاقوها وأخذوها كلها، وقتلوا راعيها، وكان سلمة قريبا من مكان الجريمة معه فرس طلحة يرعى ويشرب، وجاءه غلام يدعى رباح، فأخبره بالحادثة، وهنا تظهر بطولة سلمة وشهامته وذكاؤه، مع مجموعة من الرجال.

قد يصل عددهم إلى الثلاثين، ومعهم أسلحتهم، وهم كقطاع الطريق، نهبوا نهبا وساروا به نحو مضاربهم، وهي في ناحية، والمدينة في الناحية الأخرى، وماذا يفعل؟ أيذهب إلى المدينة يستصرخ الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته، ليهبوا لإنقاذ إبلهم؟ إذن يكون المنتهبون قد فروا بنهبتهم، أم يجري وحده خلف اللصوص؟ وقد يضحي بنفسه ولا ينفذ شيئا؟ وماذا يفعل مع فرس طلحة وهو ليس بفارس؟ وكيف يعرضه للضياع وهو لا يملكه؟ إن الذكاء والحيلة وحسن التصرف في مثل هذه المواقف خير سلاح، فقال للغلام، خذ هذه الفرس، فأبلغه إلى صاحبه طلحة، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه الخبر، ثم صعد على جبل ووجهه إلى المدينة، وصرخ يا صباحاه، يا صباحاه، وهو صوت معلوم عندهم للنجدة، وقد سمعه النبي صلى الله عليه وسلم، فعبأ أصحابه، وبلغهم الغلام الخبر، فهبوا، أما سلمة فتبع القوم.

يرميهم بالنبال من بعيد، فيجرون، وتشرد منهم الإبل فيخليها خلفه، ويتخففون مما يحملون، فيلقون الأغطية والرماح فيستولى عليها سلمة ويضع عليها أحجارا بطريقة خاصة، يعرفها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهي في الوقت نفسه علامات لهم على الطريق المسلوك ليتابعوه، منذ الصباح وحتى الليل وسلمة يتابع القوم، وهم يجرون أمامه، حتى وصلوا إلى ماء ذي قرد، وهم وما معهم من الإبل عطاش، فنزلوا يشربون، فأمطرهم سلمة بوابل من النبل فتركوا البئر وهم عطاش، ولحقه جيش الرسول صلى الله عليه وسلم، ونزلوا عند البئر، وقد استنقذت إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعها غنائم المشركين، ثم رجعوا إلى المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يردف سلمة خلفه على ناقته، وقد أعطاه من الغنيمة سهمين، بدلا من سهم واحد، وقد أراد ابنه أيّاس أن يلخص فضائله في عبارة واحدة فقال” ماكذب أبي قط ”

وحسب انسان أن يحرز هذه الفضيلة، ليأخذ مكانه العالي بين الأبرار والصالحين، ولقد أحرزها الصحابى سلمة بن الأكوع وكان هو جدير بها، وكان سلمة من رماة العرب المعدودين، وكان كذلك من المبرزين في الشجاعة والكرم وفعل الخيرات، وحين أسلم نفسه للاسلام، قد أسلمها صادقا منيبا، فصاغها الاسلام على نسقه العظيم، وكذلك فإن سلمة بن الأكوع من أصحاب بيعة الرضوان، حين خرج الرسول وأصحابه عام ست من الهجرة، قاصدين زيارة البيت الحرام، وتصدّت لهم قريش تمنعهم، ولقد وفى بالبيعة خير وفاء، بل وفى بها قبل أن يعطيها، منذ شهد أن لا اله الا الله، وأن محمدا رسول الله، وهو يقول ” غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع زيد بن حارثة تسع غزوات ” وكان سلمة من أمهر الذين يقاتلون مشاة، ويرمون بالنبال والرماح، فكان اذا هاجمه عدوه تقهقر دونه، فاذا أدبر العدو أو وقف يستريح هاجمه في غير هوادة.

معلومة تهمك

معلومة تهمك

%d مدونون معجبون بهذه: