إسلاميات ومع السيدة ليا الجزء الثاني

51

معلومة تهمك

إعداد/محمد الدكروري

إن الدنيا متاع زائل، وخير ما فيها من هذا المتاع هى المرأة الصالحة، لأنها تسعد صاحبها في الدنيا، وتعينه على أمر الآخرة، وهي خير وأبقى، وقد قال الإمام علي بن أبي طالب رضى الله عنه “في الدنيا حسنة، وهى امرأة صالحة، وفي الآخرة حسنة، وهى الجنة” فيجب على المرء أن يبحث عن ذات الدين، لأنها هي التي تسعد زوجها، وترضي ربها، وتربي أبناءها، وأقصد بذات الدين هى التي التزمت أمر ربها، وأطاعت رسولها، وتعلمت إسلامها، فهي ملتزمة بالإسلام ظاهرا وباطنا سرا وعلانية، ففي الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم ” تنكح المرأة لأربع، لمالها ولحسبها، ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك” وهذا الحديث يحكي فيه النبي صلى الله عليه وسلم أحوال المقبلين على الزواج، وأن سعيهم لشتى، فمنهم من يبحث عن المال، ومنهم من يبحث عن الجمال، ومنهم من يبحث عن الحسب، ومنهم من يبحث عن الدين، ومنهم من يبحث عن صفتين من هذه الصفات أو ثلاثة.

ونكمل الجزء الثانى مع السيدة ليا زوجة نبى الله أيوب عليه السلام، وقد توقفنا مع نبى الله أيوب، وكان نبى الله أيوب عليه السلام هو أحد أغنياء الأنبياء، حيث بسط الله له فى رزقه، ومدّ له فى ماله، فكانت له ألوف من الغنم والإبل، ومئات من البقر والحمير، وعدد كبير من الثيران، وأرض عريضة، وحقول خصيبة ، وكان له عدد كبير من العبيد يقومون على خدمته، ورعاية أملاكه، ولم يبخل أيوب عليه السلام بماله، بل كان ينفقه، ويجود به على الفقراء والمساكين، وقد آمنت السيده ليا بدعوة أيوب ورسالته، وكانت تعيش معه في بلاد الشلام في نعيم وجنات وعيون، شاكرة عابدة عارفة حق الله على العباد في الشكر، فقد كانت تكثر الحمد والشكر والثناء على الله عز وجل، إذ رزقها من البنين والبنات ما تقر به عينها ولا تحزن، وأوسع عليها وعلى زوجها من الرزق شيئا مباركا، وفضلهما على كثير من خلقه، وأراد اللَّه تعالى أن يختبر أيوب فى إيمانه.

معلومة تهمك

فأنزل به البلاء، فكان أول مانزل عليه ضياع ماله وجفاف أرضه، حيث احترق الزرع وماتت الأنعام، ولم يبق لأيوب شيء يلوذ به ويحتمى فيه غير إعانة الله له، فصبر واحتسب، وخر ساجدا لله رب العالمين، ونزل الابتلاء الثاني، فمات أولاده، فحمد الله تعالى أيضا وخرّ ساجدا لله تعالى، ثم نزل الابتلاء الثالث بأيوب، فاعتلت صحته، وذهبت عافيته، وأنهكه المرض، لكنه على الرغم من ذلك ما ازداد إلا إيمانا، وكلما ازداد عليه المرض، ازداد شكره لله عز وجل، وتمر الأعوام على أيوب عليه السلام وهو لا يزال مريضا، فقد هزل جسمه، ووهن عظمه، وأصبح ضامر الجسم، شاحب اللون، لا يقر على فراشه من الألم، وازداد ألمه حينما بَعُد عنه الصديق، وفرّ منه الحبيب، ولم يقف بجواره إلا زوجته العطوف، تلك المرأة الرحيمة الصالحة التى لم تفارق زوجها، أو تطلب طلاقها، بل كانت نعم الزوجة الصابرة المعينة لزوجها.

فأظهرت له من الحنان ما وسع قلبها، واعتنت به ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، لم تشتكى من هموم آلامه، وظلت راضية حامدة صابرة مؤمنة، تعمل بعزم وقوة، لتطعمه وتقوم على أمره، وقاست من إيذاء الناس ما قاست، وظلت السيده ليا فى خدمة زوجها أيام المرض سبع سنين، ثم أقسم أيوب، لأنها باعت ضفيرتها بخبز، فأطعمته إياه ، فلامها على ذلك، وحلف إن شفاه الله ليضربنها مائة جلدة، ثم دعا أيوب ربه أن يكفيه بأس الشيطان، ويرفع ما فيه من نصب وعذاب، فقال الله تعالي فى كتابه العزيز ( واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب ) فلما رأى الله تعالى، صبره البالغ، رد عليه عافيته، حيث أمره أن يضرب برجله، فتفجر له نبع ماء، فشرب منه واغتسل، فصح جسمه وصلح بدنه، وذهب عنه المرض، ومن رحمة الله عز وجل، بهذه الزوجة الصابرة الرحيمة أَن أمر الله تعالى، أيوب أن يأخذ حزمة بها مائة عود من القش.

ويضربها بها ضربة خفيفة رقيقة مرة واحدة ، ليبرّ قسمه، جزاء له ولزوجه على صبرهما على ابتلاء الله عز وجل، وهذه المرأة الرحيمه الكريمه هي زوجة النبي أيوب بن موهب بن تاريخ بن روم بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم، وقد تزوج أيوب وله حشمة وأموال، وله أرض كثيره، وكان يتبعها خمسمائة عبد لكل عبد امرأة ولد، وأيوب هو الشخصية الرئيسية في سفر أيوب في الكتاب العبري ويعتبره الكتاب العبري نبيا، وقد ورد ذكره في القرآن الكريم، وهو أيضا دائما ما يضرب به العرب المثل في الصبر فيقولون يا صبر أيوب، وأيوب هو أحد أنبياء الأديان الإبراهيمية اليهودية، والمسيحية والإسلام، وهو أيوب بن موص بن رازخ بن روم بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل، ويؤمن المسلمون بأنه نبي ورسول بعثه الله تعالى للأدوميين، وكان أيوب نبيا مرسلا، فابتلاه الله تعالى بذهاب كل شئ، ثم ابتلاه بجسده فلم يبق منه سليم سوى قلبه ولسانه يذكر بهما ربه.

ويقال إنها احتاجت فصارت تخدم الناس من أجله، ويقول الله عز وجل فى كتابه العزيز ( فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر، وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين ) فقام الله تعالى، بإحياء من مات من أولاده، أو أعطاه مثلهم من أولاده، وقيل إنه قيل له، إن أهلك في الجنة إن شئت أتيناك بهم وإن شئت تركناهم لك فيها، وعوضناك مثلهم في الدنيا، فاختار الثانية، وروي أن نبى الله أيوب عليه السلام، كان له من البنين سبعون، ومن البنات سبعة، فتمرض في بدنه ثماني عشرة سنة، أو ثلاث عشرة سنة، أو ثلاث سنين، فقالت له امرأته ليا يوما، لو دعوت الله عز وجل فقال لها، كم كانت مدة الرخاء؟ فقالت ثمانين سنة، فقال، أنا أستحي من الله أن أدعوه، وما بلغت من بلائي مدة رخائي، فلما كشف الله عنه أحيا أولاده ورزقه مثلهم معهم، وقد قيل أنه كان أيوب عليه السلام بعد سليمان عليه السلام وابتلي وهو ابن سبعين سنة ومدة بلائه سبع سنين.

وروى الطبري، أن مدة عمر أيوب ثلاث وتسعون سنة، ولكن قد اختلف في مدة بلائه، وقد روى ابن شهاب عن انس بن مالك رضي الله عنه يرفعه “أن أيوب لبث في بلائه ثمانى عشرة سنة” وقال وهب، ثلاث سنين لم يزد يوما، وقال كعب، سبع سنين، وقيل، سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام، وكان نبى الله أيوب تزوج من السيده ليا وكان ذلك لحسبها ونسبها فقد اختارها، ولجمالها ومالها وعلمها أحبها، وقد أهّلها الله تعالى، لأن تكون الزوجة التقية النقية القادرة على تحمل الابتلاء في الزوج والمال والولد، فما شكت وما جزعت وما لطمت خدا، وما شقت جيبا وما قطعت العبادة، إنها الصابرة العفيفة الخدومة السيده ليا، وقد قيل أن نبى الله أيوب عليه السلام ولد في أرض الروم لأبيه موص، وكان موص هو حفيد العيص بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، وقد اصطفى الله أيوب فاتخذه نبيا من لدنه سبحانه ليهدى قومه إلى الحق وعبادة الله.

وقد وهب الله أيوب الكثير من المال وأسبغ عليه نعمه، فتملك الأراضي المتسعة والأنعام والمواشي والعبيد، إلى الحد الذي تردد فيه أن أيوب عليه السلام كان يمتلك أرض حوران كلها، ورزقه الله فوق ذلك كله بالأولاد حتى كثر أهله وذريته، تزوج نبى الله أيوب عليه السلام من السيده ليا بنت يعقوب عليه السلام لخلقها ودينها وجمالها، وكان نبى الله أيوب عليه السلام يعيش مع زوجته في خير حال إلى أن جاءه الامتحان الإلهي، وأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل، ووقف عليه السلام تجاه هذا الابتلاء بالصبر العظيم، والرضا الكبير وعدم الجزع والهلع والغضب والسخط، وروى ابن أبى حاتم في تفسيره عن ابن عباس، قال “قال الشيطان يا رب سلطني على أيوب، فقال الله تعالى ” قد سلطتك على ماله وولده، ولم أسلطك على جسده ” فنزل وجميع جنوده فقال لهم، قد سلطت على أيوب فأروني سلطانكم، فصاروا نيرانا ثم صاروا ماء، فبينما هم بالمشرق إذ هم بالمغرب وبينما هم بالمغرب إذ هم بالمشرق فأرسل طائفة منهم إلى زرعه وطائفة إلى إبله، وطائفة إلى بقره، وطائفة إلى غنمه، وقال إنه لا يعتصم منكم إلا بالصبر، فأتوه بالمصائب بعضها على بعض.

معلومة تهمك

معلومة تهمك

%d مدونون معجبون بهذه: