إسلاميات ومع السيدة ليا الجزء الرابع

50

معلومة تهمك

إعداد/ محمد الدكروري

ونكمل الجزء الرابع مع السيدة ليا زوجة نبى الله أيوب عليه السلام، وقد توقفنا عندما أتت السيدة ليا إلى زوجها بطعام طيب كاليوم السابق وقد أعاد نبي الله سؤاله عليها مرة أخرى مستفسرا عن مصدر هذا المال واستنكر الطعام وحلف ألا يأكله حتى تخبره من أين لها بهذا الطعام، فأبت السيدة ليا أن تتكلم ولكنها كشفت عن غطاء رأسها فنظر نبى الله أيوب إلى رأسها ويا هول ما رأى، فقد رأى شعر زوجته وزينة رأسها وقد حلق واختفى فتأثر نبى الله أيوب أيما تأثر وهنا وفى هذه اللحظه دعا نبى الله أيوب ربه وكم يبين لنا هذا الموقف على حب نبي الله أيوب لزوجته فهو لم يدع لنفسه ولكن دعا عندما رأى أن مرضه قد أثر عليها إلى هذا الحد، وقد ذكر في كتاب البستان أن نبى الله أيوب عليه السلام تزوج ليا بنت يعقوب عليه السلام وقيل هى رحمة بنت ابن يوسف، وقيل إن رحمة بنت ميشا ابن يوسف عليه السلام، ولما صبر أيوب عليه السلام.

آتاه جبرائيل عليه السلام، فأرجل جبرائيل فبشره وأخذه بيده وأقامه، وأنبع الله تعالى، له عينا من تحت قدميه، فشرب منها، فشفي من جميع ما في بدنه من العلل والأمراض، ثم اغتسل فيها فخرج كأحسن ما كان، ورد الله تعالى عليه ضعف ما فقد له من الأموال، ورد إليه أهله وأولاده، ورد إلى زوجته ليا حسنها وجمالها، وولدا لأيوب ستة وعشرين ولدا ذكرا ومنهم، بشر وهود وذو الكفل، عليهم السلام، ولما عوفي نبى الله أيوب أمره الله أن يأخذ عرجونا من النخل فيه مائة شمراخ فيضرب به زوجته ضربة واحدة ليبر في يمينه ففعل كذلك وكان أيوب نبيا في عهد يعقوب في قول بعضهم، وقد قيل أنه عندما جاء صديقان من أخص إخوان أيوب لزيارته يوما، فلم يستطيعا الاقتراب منه لشدة نتانة الرائحة حوله، فوقفا من بعيد، فقال أحدهما لصاحبه ” لو كان الله علم من أيوب خيرا ما ابتلاه بهذا، فمنذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه ربه فكشف ما به.

معلومة تهمك

وجزع أيوب من الحديث، فقال يدعو ربه ” اللهم إن كنت تعلم أنى لم أبت ليلة قط شبعان وأنا أعلم مكان جائع فصدقني، وأنى لم يكن لي قميصان وأنا أعلم مكان عار فصدقني، واشتد كرب أيوب عندما سمع أن ما به من بلاء هو ما يظنه الناس عقابا من الله، فأخذته السيده ليا إلى الخلاء ليقضى حاجته فأبطأت عليه، وأحس نبي الله بالضر بعدما باعت زوجته شعرها، وسمع قول صديقيه، فشعر بالخوف فدعا ربه يستجير به بأن الضر قد أحاط به، يستنجد برحمة خالقه عز وجل، أوحى الله لعبده الصابر أن يضرب الأرض برجله فنبعت عين ماء بارد بإذن الله، فأمره الله بأن يغتسل منها ويشرب، وأنزل الله عليه لباسا من حرير بعد أن رد الله على نبيه صحته وعافيته، ثم أمطر عليه جرادا من ذهب، ظل أيوب يجمع منه وهو يلهج بالثناء والشكر لربه الكريم العاطي، وهنا إذا نظرنا لقول الله سبحانه وتعالى فى كتابه العزيز فى سورة الأنبياء.

(وأيوب إذ نادى ربه أنى مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين) وكذلك للنظر إلى نداء نبى الله أيوب لربه سبحانه وتعالى وهو يقول فى سورة ص (وأذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أنى مسني الشيطان بنصب وعذاب) فنجد أنه من المحتمل أن الحادثتين، حلق زوجته لشعرها، وتسلل الشيطان إليه بطريقة أو بأخرى، قد دفعا أيوب النبي الصابر إلى أن يستجير بربه بعد أن فقد كل مخرج له، ولم يبق سوى رحمة خالقه، والله وحده أعلم، ثم جاءت السيده ليا، تبحث عنه لتأخذه إلى مكانه، فوجدت نبي الله في أحسن صورة وأبهى طلعة، فلم يساورها شك في أنه ليس بزوجها العليل، فسألته؟ يا عبد الله، هل رأيت نبي الله أيوب هذا المبتلى؟ ثم تفرست وجهه تقول ” والله القدير على ذلك ما رأيت رجلا أشبه به منك إذا كان صحيحا، فقال لها أيوب عليه السلام، فإني أنا هو يا ليا.

ورد الله تعالى على أيوب عافيته وصحته وماله وأهله وأمره سبحانه بأن يوفي قسمه بأن يضرب زوجته مائة سوط، وأوحى إليه الله بأن يجمع في يده مائة شمروخ من النخل ويضرب بها زوجته ضربة واحدة فيكون ذلك بمثابة مائة سوط، فيبر نبي الله بقسمه ولا يحنث، ويرحم الله امرأته الصابرة الأمينة ليخفف عنها ألم الجلد، وأنجبت السيده ليا، لزوجها أيوب عليه السلام البنين والبنات، ومكذا أوسع الله تعالى عليها وعلي زوجها من الرزق شيئا مباركا وفضلهما على كثير من خلقه، ولكن هؤلاء جعلوا الدنيا في أيديهم وليس في قلوبهم، وكانت رحمة قد آمنت مع أيوب وبدعوته إلي الله، وقد كان أيوب عليه السلام، برا تقيا ورحيما يُحسن إلي المساكين والأرامل ويكفل الأيتام وقد قيل أنه كان لا يأكل الطعام إلا معهم، وكانت السيده ليا نعم الزوجة الصابرة المُعينة لزوجها، وظلت تعمل في البيوت بعزم وقوة لتطعمه وتقوم على أمره.

ولقد قاست من إيذاء الناس ما قاست وظلت رحمة في خدمة زوجها أيام المرض حتى ارتقت زوجة أيوب عليه السلام منزلة عالية مباركة ومكانا رفيعا في منازل الأبرار وقد عاشت مع زوجها محنته، ولهذا وصفها بن كثير بقوله الصابرة والمحتسبة رضي الله عنها على الرغم أن الشيطان كان يوسوس لها دائما بقوله لماذا يفعل الله هذا بأيوب، ولم يرتكب ذنبا أو خطيئة فكانت تدفع عنها وساوس الشيطان وتطلب من الله أن يُعينها على ذلك، ولكنها قالت لأيوب ذات مرة يا أيوب أنت نبي الله ومستجاب الدعوة ألا تدعو الله أن يرفع عنك البلاء، قال أيوب، يا امرأة لقد عشت من عمري سبعين عاما في نعيم وفضل من الله، ومرضُت ثماني عشرة سنة ولو أني مرضت مثلهم وقتها أسأل الله، وقد ماتت السيده ليا أو السيده رحمة في حياة نبى الله أيوب وقيل أيضا أنها عاشت بعده قليلا، وماتت ودُفنت بأرض الشام، وهكذا كانت الزوجة الصالحه فهى تكتم أسرار بيت الزوجية، وقد رثى جرير زوجته في عفافها ومحافظتها على الأسرار فقال.

كانت إذا هجر الخليل فراشها، خُزن الحديث وعفّت الأسرار، وهى طيبة القلب، مرهفة الحس والوجدان، تتصرف بعفوية واتزان، فلا تتكلف في أقوالها، ولا تتصنع في أفعالها وأحوالها، والزوجة الصالحة هي إنسانه محترمة، فكلها أدب واحتشام، وحياتها تعامل باحترام، وأسلوبها مع زوجها لطيف، وسلوكها مع أقاربه جد ظريف، وهى جميلة تحب الجمال، وتتزين لزوجها بما يملأ عينه، ويشرح صدره، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ” ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة، إذا نظر إليها سرّته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته” وهى ليست هي خرّاجة ولا ولاجة، بل هي التي ترتبط ببيتها ارتباطا وثيقا، فدارها جنّتها، وغرفتها صومعتها، وهي التي تعيش واقع زوجها وطموحاته، وتشاركه في أفكاره وأطروحاته، فهى ليست متفرجة تراقب الأحداث من بعيد، بل هي عنصر مؤثر في تقويم القديم وإقام الجديد.

معلومة تهمك

معلومة تهمك

%d مدونون معجبون بهذه: