قراءة تشكيلية في أعمال الفنانة السورية عطاف نصري العظمة بعنوان عوالم عطاف نصري العظمة التشكيلية

118

معلومة تهمك

بقلم أ.د/عواطف منصور كلية الآداب والفنون والإنسانيات-جامعة منوبة-تونس

لكلّ فنان شفراته وأسلوبه وتقنياته لقراءة الأثر الفنّي الخاص به، وهكذا هي منجزات الفنانة، السوريّة “عطاف نصري العظمه” لها شفراتها ودلالاتها التي لن ندرك كونها إلا بالغوص في أعماقها وتحليل مفرداتها. والبيّن في هذه التجربة التي نطرحها للدّرس والقراءة أنّ الفنانة تتّكل على حسها، أعماقها، ذاكرتها، أحاسيسها ومشاعرها لتجسيد لوحاتها الفنيّة، فنراها مرّة ترسم مشاعر إنتابتها تجاه وطنها التي تعيش غربته مرّتين غربة وطن “سوريا”،التي في القلب المشاعر التي تحيا علي ذكري طفولة والأهل والعشيرة نتيجةمن خلال مشاهد علقت بذهنها فأثارت قريحتها فرسمتها عبر اللون والشكل.


ولمن لا يعرف الفنانة “عطاف نصري العظمة”، فهي فنانة تشكيلية سورية ـ تعيش في دولة الإمارات العربيّة وتحديدا بمدينة أبو ظبي، خريجة كلية الفنون الجميلة (دراسات حرّة) لسنة 1963،

معلومة تهمك

تحصلت على دبلوم الرسم والنحت من مركز الفنون التطبيقية والتشكيلية سنة 1966، بالإضافة إلى دراسة رسم الجداريات وتشكيل وصناعة البلور المعشّق سنة 1978، وقد نفذت عدة مشاريع من الزجاج المعشق بالولايات المتحدة الأمريكيّة.

شاركت في العديد من المعارض الفنية منذ سنة 1968 بعدة دول منها دمشق بسوريا، وبالإمارات العربيّة بأبو ظبي، دبي، الشارقة،..، كما شاركت في عدة محاضرات قدمت فيها الفن التشكيلي السوري وعن تاريخ الزجاج المعشق وطرق تنفيذه وتشكيله،…إلى جانب توثيق كل فعاليات وأنشطة الجالية السورية بالإمارات المتحدة، هكذا هي الفنانة مُلّأت بالفن التشكيلي دراسة وممارسة وتوثيقا، وللخوض في عوالم الفنانة التشكيليّة وددنا عنونة كل مجموعة منها حسب إنتمائها إلى أسلوب بعينه.


– سرديّة اللون في لوحات”عطاف نصري”: الدلالات والرمزيّة
أعمال “عطاف نصري”، بمثابة رسائل مشفرة لن يُدرك مغزاها إلاّ من فقه تاريخ الفن وتشرّب من مدارسه المتعدّدة ومارس اللون وتعاطى مع مجازاته ودلالاته، إنّها إستفهامات وتساؤلات لمن يقرأ التراكيب والتشكلات ويفهم الخطوط ويتقصّى معانيها، وهي إيحاءات ورموز ومجازات لمن يتفكّر فيها علّه يدرك معانيها،… يتماهى في منجزاتها الفنيّة الخفي والمُعلن كما يتماهى الظاهر والباطن، ليتحوّل اللامرئي إلى مرئي، في شكل مفردات ترسمها فرشاتها من خلال اللون الذي يتخذ في أحيان كثيرة الشكل، أو الشكل الذي تشكّله في وضعيات مختلفة…


والبيّن من خلال إطّلاعنا على مجموعة وافرة من لوحاتها أنّ الفنّانة مُطّلعة على تاريخ الفن على إختلاف مدارسه وتنوّع حركاته الفنيّة، فهي متمكّنة من تقنيتها وعارفة لأسلوبها، ذلك أنّنا شهدنا إبحارها بين أساليب فنيّة ومدارس متعدّدة، لنجدها تحترف التجريد مرّة فيكون اللون سيد تشكيلاتها والتعبيريّة مرة أخرى لتجعل من الملامح أو الشخوص وحتّى الأماكن تعبيرات عديدة، ومرّات أخرى تعتمد على السريالية لتخلق عوالم أسطوريّة وخياليّة وهي لا تغفل أيضا أن تكون واقعيّة في منجزاتها لترسم الأشخاص والأماكن وكأنّها عدسة كاميرا تنطبع بالمشهد فتطبعه، غير أنّ الفرق بينهما أنّ الأولى تعكس أضواء لخلق الصورة بينما تعكس هي ألوانا وانطباعات تنقلها فرشاتها بكلّ تفكّر وتدبّر،…. إنّها تتعامل مع اللون بحرفيّة فتشكّله وفق ما ترتئيه له من تكوينات هندسية حينا وعضويّة حينا آخر، تقسّم المساحات باللون

وتختزل به ومن خلاله رؤاها وهواجسها، تخلق تناسقا لونيّا وإيقاعا بصريّا وتضادّا يجعل من لوحاتها حكايات سرديّة بطلها اللون ورسالتها الأمل، أمل فنانة مغتربة، إنّها تسعى لخلق ذلك وإبرازه مع كلّ لون تضعه على سطح لوحتها ولعلّه ما حقّق نوعا من التوافق بين اللون واللون المجاور له.
– جماليات التشكيل باللون: الألوان والقيم تختزل شواغل الفنانة الإنسانية
لئن بدت لوحاتها تقسيمات لونيّة لعب فيها التضاد اللوني دورا مهمّا، فقد وثقت من خلالها الفنانة تعلّقها بالتجريد الفني وتشربها من تاريخ الفن الغربي، لتنسج بالتالي على منوال فنانين أبدعوا من خلال اللون على غرار “جورج براك”، “كاندنسكي”، “ماتيس”،…، لتخلق من خلاله لغة بصريّة حاكت كلماتها من خلال المساحات اللونيّة الحارّة

والخطوط المقسّمة التي اختزلت مشاعرها فتَحمّلها اللون لتكون رموزا تنتقل بالرائي في عوالم شتى، عوالم تجمع المكان والزمان معا، الوطن المسلوب الذي استوطنه الغرباء، الغربة عن وطن تأمل لو كانت تعيش على ترابه،…، هكذا هي لوحاتها التجريديّة بمثابة موسيقى بصريّة يسمعها المتلقي عبر اللون ويقرأها من خلال التناسق والتضاد

والتكامل الذي تثيره الألوان، فتطرح لديه تساؤلات عدّة ليتفكّر ويبحث ولكن ليس حسب خلفيّة الفنانة بل حسب خلفيته النفسية والثقافية والإنسانية، فخلفيّة الفنانة قد تتشابه وخلفيات العديدين من بني وطنها وممّن يقاسمونها الظرف ليغتربوا عن أوطانهم، فهي السوريّة الفلسطينية التي تعيش في الغربة. ولعلّها إحدى ميزات الفن التجريدي، إذ يحتمل القراءة والتأويل والرؤية حسب خلفيّة تكوين كلّ متلقّي، ويذكر الناقد “جون بيرغر” في هذا الإطار “أنّ اللوحة هي نفق بين زمن إنتاجها، وزمن مشاهدة المتلقي لها”. في هذه الأثناء ترسل الفنانة “عطاف نصري” رسائلها المشفرة ضمن ألوانها لنقرأ من خلالها مشاعر الغربة حين تضيق المساحات وتدكن ألوانها، ونقرأ الأمل حين تتسع المساحات

وينبت زهر الياسمين الأبيض لنستنشق روائح الياسمين في البيت العتيق الشامي ونلمس العاطفة والإحساس بالمحبة حين تكون الألوان صافية وشفافة لنلمس مشاعر الأمومة العاشقة لطفلتها،…، ولعلّ الأعمال التي نقترحها تباعا لهذا النص تذهب إلى ما نحن بصدده.

معلومة تهمك

معلومة تهمك

%d مدونون معجبون بهذه: