دنيا ودين ومع غزوة عمرة القضاء … الجزء الأول

47

معلومة تهمك

إعداد … محمـــد الدكـــروى

لقد تعلم الصحابة من صلح الحديبية وجوب طاعة النبي صلى الله عليه وسلم، والانقياد لأمره وإن خالف ذلك العقول والنفوس، ففي طاعته صلى الله عليه وسلم، الصلاح المتضمن لسعادة الدنيا والآخرة، وإن قصر العقل عن إدراك غايته وعاقبة أمره، وفي هذا الصلح المبارك ظهرت أهمية الشورى، ومكانة المرأة في الإسلام، وأهمية القدوة العملية في موقف واحد، فقد روى الإمام أحمد بسنده من طريق المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم رضي الله عنهما قصة صلح الحديبية في حديث طويل، وقد ذكر فيه أنه لما تم الصلح بين النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، ومشركي قريش قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال “يا أيها الناس انحروا واحلقوا” قال فما قام أحد، قال، ثم عاد بمثلها، فما قام رجل حتى عاد بمثلها، فما قام رجل، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل على زوجتة السيدة أم سلمة فقال” يا أم سلمة ما شأن الناس؟ ”

قالت يا رسول الله قد دخلهم ما قد رأيت، فلا تكلمن منهم إنسانا، واعمد إلى هديك حيث كان فانحره، واحلق فلو قد فعلت ذلك، فعل الناس ذلك، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يكلم أحدا حتى أتى هديه فنحره ثم جلس فحلق، فقام الناس ينحرون ويحلقون” فكان رأي أم سلمة رضي الله عنها رأيا موفقا ومشورة مباركة، وفي ذلك دليل على استحسان مشاورة المرأة الفاضلة مادامت ذات فكر صائب ورأي سديد، كما أنه لا فرق في الإسلام بين أن تأتي المشورة من رجل أو امرأة، طالما أنها مشورة صائبة، فالشورى سلوك ينظم الحياة والأسرة في كل شؤونها، فقد قال الله سبحانه وتعالى فى كتابة الكريم فى سورة الشورى (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون) وفي قبول النبي صلى الله عليه وسلم، لمشورة زوجته أم سلمة تكريم للمرأة، التي يزعم أعداء الإسلام أن الإسلام لم يعطها حقها وتجاهل وجودها.

وهل هناك اعتراف واحترام لرأي المرأة أكثر من أن تشير على نبي مرسل، ويعمل النبي صلى الله عليه وسلم، بمشورتها لحل مشكلة واجهته في حياته، وفي هذا الموقف أيضا التأكيد على أهمية القدوة العملية، فقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى أمر وكرره، ومع ذلك لم يستجب أحد لدعوته، فلما أقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، على الخطوة العملية التي أشارت بها أم سلمة رضي الله عنها، تحقق المراد، فالقدوة العملية أجدى وأنفع، خاصة في مثل هذه المواقف، ومن الفوائد الهامة من صلح الحديبية أن المشركين وأهل الفجور، إذا طلبوا أمرا يعظمون فيه حرمة من حرمات الله تعالى، أجيبوا إليه وأعطوه وأعينوا عليه، فيعاونون على ما فيه تعظيم حرمات الله تعالى، لا على كفرهم وبغيهم، ويمنعون مما سوى ذلك، وقال الزهري وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم ” لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله، إلا أعطيتهم إياها ”

وظهر في صلح الحديبية مدى حب الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم، يعبر عن ذلك عروة في قوله لقومه ” أى قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله ما رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم محمدا، والله ما تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ” رواه البخاري ، ومن الحكم الباهرة من صلح الحديبية أنه كان بابا ومفتاحا لفتح مكة، ولئن لم ينتبه المسلمون لهذا في حينه، فذلك لأن المستقبل غائب عنهم، فقد اختلط المسلمون بالكفار بعد عقد الصلح وهم في أمان، ودعوهم إلى الله، وأسمعوهم القرآن، ولم يُكلم أحد بالإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه.

ودخل في سنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك بل أكثر، فقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى الحديبية في ألف وأربعمائة، ثم خرج عام فتح مكة بعد عامين في عشرة آلاف، وهذا ما بشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، أصحابه أثناء رجوعه إلى المدينة بعد عقد المعاهدة والصلح، حينما قالصلى الله عليه وسلم ” أنزلت عليّ الليلة سورة لهي أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس” ثم قرأ قول الحق سبحانه وتعالى من سورة الفتح (إنا فتحنا لك فتحا قريبا) رواه البخارى، وقال ابن مسعود رضي الله عنه ” إنكم تعدون الفتح فتح مكة، ونحن نعد الفتح صلح الحديبية ” وإن عرض الإسلام والدعوة إليه في جو من الهدوء والأمان، وحرية الحوار بالحجة والكلمة الطيبة، كان له أبلغ الأثر، وذلك لأن الحق له قوة يظهر بها على الباطل، فإذا أحسن العرض والدعوة إليه، واختير القول والوقت المناسب، وكان الداعية عالما بما يدعو له.

حكيما في دعوته، كانت النتائج أعظم، ولقد كان صلح الحديبية غنيا بالدروس والحكم، التي ينبغي الوقوف معها والاستفادة منها في واقعنا ومستقبلنا كأفراد ومجتمعات، وحيث كان النبي صلى الله عليه وسلم، قد رأى في المنام أنه دخل مكة مع المسلمين، محرما معتمرا، فبشّر بها أصحابه وفرحوا بها فرحا شديدا، وقد اشتاقت نفوسهم إلى زيارة البيت العتيق والطواف به، وتطلعوا إلى الرجوع لمكة بعد هجرتهم منها لأكثر من ست سنوات مضت، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم قاصدا مكة في ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب ليخرجوا معه، وهو يخشى من قريش الذي صنعوا أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت، فأبطأ عليه كثير من الأعراب، وتخاذلوا عنه وتعللوا بشتى الأعذار الكاذبة وهابوا قريشا، وقالوا أنذهب إلى قوم قد غزوه في عقر داره بالمدينة وقتلوا أصحابه فنقاتلهم.

وتعللوا بالشغل بأهاليهم وأموالهم، وقد أحرم النبي صلى الله عليه وسلم، بالعمرة، ليعلم الناس أنه خرج إلى مكة زائرا للبيت ومعظما له، وساق معه الهدي سبعين بدنة، ومضى إلى مكة ومعه ألف وأربعمائة أو أكثر من أصحابه، وهم يشعرون بالعزة والقوة، وإنه لمن عظيم الثقة بالله أن يذهب الرسول صلى الله عليه وسلم، ويواجه قريشا في عقر دارها بهذا العدد القليل، والحرب لا زالت قائمة بين الفريقين، وقريش لم تنس بعد غزوها للمدينة بعشرة آلاف من الأحزاب، علاوة على عدم تهيؤ المسلمين للقتال وعدم أخذهم للسلاح، فقد خرجوا لا يحملون معهم منه إلا السيوف في القرب، وقد شاع بين العرب نبأ خروج النبي صلى الله عليه وسلم للعمرة، وعلمت به قريش وفزعت من ذلك، ورأت أن في ذلك تحديا سافرا لها، ومسا لمكانتها بين القبائل، حين يدخل من تحاربه إلى بلدها ويتمتع بحمايتها له في الحرم، فعزمت على صد الرسول صلى الله عليه وسلم، وصحابته عن البيت.

معلومة تهمك

معلومة تهمك

معلومة تهمك

%d مدونون معجبون بهذه: