دنيا ودين ومع غزوة الطائف الجزء الثانى

54

معلومة تهمك

إعداد … محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الثانى مع غزوة الطائف وقد توقفنا عندما رجع النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وأخرجوه أهلها هو وزيد بن حارثه، حتى ألجئوهما إلى حائط عتبة وشيبة ابني ربيعة، وهناك تضرع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى الله بالدعاء الذى يعبر عن درجة الألم والأسى والحزن الشديد التي وصل إليها، وغادر الرسول صلى الله عليه وسلم، في ذلك اليوم هذه الحديقة، وعاد متجها إلى مكة كما قيل مهموما على وجهه، في ظروف لا يتحملها عامة البشر، ومع ذلك ومع كون حالته النفسية قد وصلت إلى أقصى درجات الألم، إلا أنه صلى الله عليه وسلم، رفض تدمير قريتي الطائف ومكة المكرمة اللتين كفرتا بالله عز وجل، مع أن ملك الجبال عرض عليه هذا الأمر، ولكن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، قال لملك الجبال ” بل أرجوا من الله عز وجل أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله عز وجل لا يشرك به شيئا ”

ومرت الأيام، وكما يقول الله عز وجل فى كتابة الكريم فى سورة آل عمران (وتلك الأيام نداولها بين الناس، وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين) وقدغيّر الله تعالى الأحوال، وجاء الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، بعد أحد عشر عاما كاملة بما لا يتخيله أحد، لا من الطائف، ولا من مكة، ولا من أهل الجزيرة بكاملها، فقد جاء صلى الله عليه وسلم، الآن عزيزا منتصرا ممكنا رافعا رأسه، ومحاطا بجيش مؤمن جرار، يزلزل الأرض من حوله، ويرفع راية التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله، فكانت أحد عشر عاما فقط ولكنها فرقت بين الموقفين، وتحقق ما ذكره صلى الله عليه وسلم، لصاحبه زيد بن حارثة رضى الله عنه، يوم قال له في يقين بعد عودتهم المحزنة من الطائف ” يا زيد، إن الله لما ترى فرجا ومخرجا، وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيه ” ولقد جاء الفرج والمخرج على صورة أعظم بكثير من تخيل الجميع،

معلومة تهمك

ونصر الله الدين، وأظهر النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وهو ذاهب إلى الطائف كان في رأسه ذكريات كثيرة تجول في خاطره، إنها ذكريات لا حصر لها، والجيش يقطع صمت الصحراء في اتجاه الطائف للمرة الثانية في حياته، ولعله صلى الله عليه وسلم، تذكر صاحبه زيد بن حارثة رضى الله عنه، عندما كان يصحبه في رحلة الطائف، والآن زيد لا يسير معه، فقد سبق زيد إلى الجنة، إذ استشهد في موقعة مؤتة، ولعله صلى الله عليه وسلم، تذكر أهل الطائف، وهم يرفضون دعوته جميعا بلا استثناء في تعنت أشد من تعنت أهل مكة، ولعله تذكر عبد ياليل بن عمير الثقفي، الذي انتهت إليه زعامة ثقيف عندما وقف يسخر من النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، ويقول وهو يمرط ثياب الكعبة، إن كان الله أرسلك، ويقول الآخر، أما وجد الله أحدا يرسله غيرك، فقد فرَ فرارا مخزيا من أرض حنين.

وذهب يختبئ في حصون الطائف، ولعله تذكر عدَّاس النصراني الغلام الصغير الذي آمن، واختفى ذكره من السيرة بعد ذلك، ولا نعلم من حاله شيئًا، لكنَ الله عز وجل يعلمه، ولعله تذكر عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة صاحبي الحديقة التي لجأ إليها صلى الله عليه وسلم، الآن عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة يرقدان في قَليب بدر يعذبان مع قادة الكفر في مكة المكرمة في قبورهم، ولعله تذكر وهو يمر على وادي نخلة مجموعة الجن التي آمنت به في رحلته إلى الطائف، وهو في طريق عودته إلى مكة المكرمة، ويتذكر أمين الوحى جبريل، وملك الجبال، ولقد كان من أسباب غزوة الطائف هو انتصار المسلمون انتصارا عظيما على هوازن وثقيف في حنين وأوطاس، وكان ذلك في غزوة حُنين التي قادها الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد هرب مالك بن عوف النصري مع جماعة من قومه إلى الطائف بعد أن اشتد القتال فتحصنوا فيها مع ثقيف.

لذلك لم يعد الرسول صلى الله عليه وسلم، مع جيشه بل اتجه إلى الطائف قاصدا فتحها جاعلا خالد بن الوليد رضي الله عنه على رأس الجيش، ولقد كان المسلمون من أي غزو يخوضونه إلى الدعوة إلى عبادة الله وحده، بالإضافة إلى أنهم لا يقتلون إلا من يقتلهم، وذلك امتثالا إلى قوله تعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم فى الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ) وقد حاصر جيش المسلمين حصن الطائف بهدف إخراج من هم داخل حصون الطائف دون اللجوء إلى القتال، وذلك تحقيقا لأهداف الدعوة الإسلامية في نشر الإسلام ودعوة أهل الطائف لاعتناقه، وبالفعل فقد أسلم من خرج من الحصن من العبيد الذين قد ناداهم الرسول صلى الله عليه وسلم.

فأعلن ثلاثة وعشرون منهم إسلامهم وتم تحرير رقابهم، وفي شهر شوال من العام الثامن للهجرة قد تحرك جيش المسلمين نحو الطائف لحصارها، وكان ذلك امتدادا لغزوة حُنين التي حدثت في العاشر من شوال في السنة الثامنة للهجرة، واستمر الحصار إلى أن علم المسلمون أن أهل الطائف قد أعدوا ما يكفيهم لحصار عام كامل، فانسحب المسلمون بعد أربعين يوم من الحصار وعادوا للمدينة المنورة التي لم يتركوا فيها سوى عدد قليل من الرجال لحمايتها، وقد تحصن المشركون داخل حصن الطائف رغم أن عددهم يفوق عدد جيش المسلمين ورغم أن نساء وأموال هوازن بين يدي المسلمين، لكنهم فضلوا البقاء بالداخل، ولو أنهم خرجوا لحدثت معركة كبيرة بسبب الأعداد كبيرة للجيشين، وقد اتبع جيش المسلمين عددا من الخطط لكسر حصن الطائف، وكان عندما وصل جيش المسلمين إلى الطائف، جهزوا معسكرا بالقرب منها.

لكنهم اضطروا إلى إبعاده بسبب سهام أهل الطائف التي أدت إلى استشهاد اثنا عشر مجاهدا منهم عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما، وقد قام جيش المسلمين بعدة خطط بهدف اختراق حصن الطائف، فحاول المسلمون إضعاف معنويات أهل الطائف بحرق النخيل، وقاموا بهدم جزء من أسواره باستخدام المنجنيق الذي صنعه سلمان الفارسي رضي الله عنه، كما حاول المسلمون حماية أنفسهم من سهام العدو باستخدام الدبابة الخشبية لكنهم لم يستطيعوا تجاوز السور بسبب الكرات النارية التي صنعها أهل الطائف من الحسك الشائك، وقد استمر حصار الطائف أربعين يوما، لكن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قرر الرجوع إلى مكة بعد أن علم من نوفل بن معاوية الديلي أن أهل الطائف قد أعدوا لحصار عام كامل، فأذن عمر بالجيش “إنا قافلون غدا إن شاء الله” فعاد المسلمون وهم يرددون ” آيِبون تائبون عابدون لربنا حامدون”.

معلومة تهمك

معلومة تهمك

%d مدونون معجبون بهذه: