دنيا ودين ومع غزوة عمرة القضاء الجزء السادس

38

معلومة تهمك

إعداد … محمـــد الدكـــروى

ونكمل الجزء السادس مع غزوة عمرة القضاء وقد توقفنا عندما خرجت قريش من مكة ثلاثة أيام، ثم يدخلها المسلمون، فيقيمون بها ثلاثة أيام ليس معهم إلا سلاح الراكب وهو السيوف في القرب، ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا لأحد من المهاجرين أن يصبر على فراق أهله ومسقط رأسه، وبلده التي ترعرع فيها، واشتم نسيمها، خالط دمه ريحها، وتخلدت ذكريات الحياة بطولها فيها، فإنها ذكريات عميقة تبعث من النفس الشجون والأحزان، لذلك لم يكد العام يستدير حتى استعد الرسول صلى الله عليه وسلم، من معه للخروج إلى الاعتمار حسب بنود صلح الحديبية، وفي ذي القعدة في السنة السابعة من الهجرة خرج الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى مكة قاصدا العمرة، كما اتفق مع قريش في صلح الحديبية، فدعا بالمسلمين جميعا خاصة من شهد الحديبية لئن يخرج للعمرة، فكانت الاستجابة عجيبة وفريدة.

حيث بلغ عدد من شهد عمرة القضاء ألفين سوى النساء والصبيان، ولم يتخلف من أهل الحديبية إلا من استشهد في خيبر أو مات قبل عمرة القضاء، وقد اتجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه الكرام من المدينة باتجاه مكة المكرمة في موكب مهيب يشق طريقه عبر القرى والبوادي، وكان كلما مر الموكب النبوي بمنازل قوم من الذين يسكنون على جانبي الطريق بين مكة والمدينة خرجوا وشاهدوا منظرا لم يألفوه من قبل، حيث المسلمون بزي واحد من الإحرام، وهم يرفعون أصواتهم بالتلبية، ويسوقون هديهم في علاماته وقلائده، في مظهر بهي لم تشهد المنطقة له مثيلا، كان له أبعد الأثر في نفوس سكان البوادي والقبائل بين مكة والمدينة، ولقد كان الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، أكثر الناس استجابة لأمر الله ورسوله، فهم لم يتخلفوا عنه صلى الله عليه وسلم، في أي موطن، وما كان حزنهم يوماً على دنيا يصيبونها أو غنائم يأخذونها

معلومة تهمك

بل كان على الدين وشئونه، والآخرة وأمورها، لذلك استحق كل من يؤذيهم ويخوض في أعراضهم اللعن والذم والإثم العظيم، وقال السهيلي، سميت عمرة القضاء لأنه قاضى فيها قريشا، لا لأنها قضاء عن العمرة التي صد عنها، لأنها لم تكن فسدت حتى يجب قضاؤها بل كانت عمرة تامة، ولهذا عدوا عُمر النبي صلى الله عليه وسلم، أربعا، وقال آخرون بل كانت قضاء عن العمرة الأولى، وعدت عمرة الحديبية في العمر لثبوت الأجر لا لأنها كملت، قال ابن هشام ويقال لها عمرة القصاص لأنهم صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في ذي القعدة في الشهر الحرام من سنة ست، فاقتص رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم، فدخل مكة في ذي القعدة في الشهر الحرام الذي صدوه فيه من سنة سبع، وعن ابن عباس أنه قال، فأنزل الله في ذلك فى سورة البقرة ( والحرمات قصاص) ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد تعاهد مع قريش في الحديبية.

على القدوم لأداء العمرة، وأن تترك له قريش مكة ثلاثة أيام، وألا يدخل المسلمون ومعهم سلاح، إلا السيوف في أغمادها، ومع ذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتخوف من غدر مشركي قريش، فقد تأخذهم العزة بالإثم، ويحاولون منع المسلمين مرة أخرى من دخول بلد الله الحرام، فاستعد هذه المرة استعدادا كاملا، فاصطحب معه عتاده الحربي من رماح ودروع وخيل، وأحرم من باب المسجد، فلما انتهى إلى ذي الحليفة قدم الخيل أمامه فقيل يا رسول الله حملت السلاح وقد شرطوا أن لا ندخلها عليهم بسلاح إلا بسلاح المسافر السيوف في القرب، فقال صلى الله عليه وسلم “لا ندخل عليهم الحرم بالسلاح ولكن يكون قريبا منا، فإن هاجنا هيج من القوم كان السلاح قريبا منا ” فمضى بالخيل محمد بن مسلمة رضي الله عنه، واستقر خارج الحرم في كوكبة من الصحابة الأشداء استعدادا لأول إشارة النبي صلى الله عليه وسلم.

للتدخل السريع، وهذه العمرة ليست من الغزوات، وإنما ذكرها البخاري فيها، لأنه خرج مستعدا بالسلاح للمقاتلة خشية أن يقع من قريش غدر، وليس من لازم الغزو وقوع المقاتلة، ومن ثم قيل لها غزوة الأمن، والحذر والحيطة خلق إسلامي أصيل طبقه النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة في مواطن كثيرة، وهذا مقتضى أمر الله تعالى الذى قال فى كتابة الكريم (خذوا حذركم)، والإبداع النبوي في التطبيق أنه صلى الله عليه وسلم جمع بين أخذ الحذر والوفاء بالعهد، وكان مشهد عمرة القضاء من أوله وحتى آخره كان مشهدا للإبهار وإظهار عزة الدين وقوة أتباعه وحجمهم الحقيقي، كان دخوله صلى الله عليه وسلم، مع ألفين من أصحابه ملبين مهللين مظهرا دعويا مؤثرا تهتز له القلوب، وترتج له النفوس، ويذهب بالعيون لأبعد أثر، خاصة عندما بدأ الموكب النبوي الكريم يقترب من بيوت مكة المكرمة، وأبنيتها شاقا طريقه باتجاه الكعبة المشرفة.

وهم في مظهرهم المهيب، وأصواتهم تشق عنان السماء بالتلبية، والمسلمون حول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، متوشحون سيوفهم محدقون به كل جانب، يسترونه من المشركين مخافة أن يؤذوه بشيء، وأصواتهم تعج بالتلبية لله العلي الكبير، هذه التلبية الجماعية التي تعج أصوات المسلمين بها، والتي لم تنقطع منذ أن أحرموا واستمرت حتى دخلوا مكة، فقد كان للتلبية مغزى ومعنى، فهي تعلن التوحيد وترفع شعاره، وتعني إبطال الشرك وإسقاط رايته، وتعلن الحمد والثناء على الله الذي مكنهم من أداء هذا النسك، ولقد كان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يخطط في عمرة القضاء لما هو أبعد من تأدية مناسك وشعائر يمكن أداؤها في سويعات قليلة، لقد كان صلى الله عليه وسلم يخطط للدعوة ونشر الإسلام وإظهار القوة وإرسال العديد من الرسائل لخصومه داخل مكة وخارجها، فقوة الدين من قوة أتباعه واعتزازهم بهذا الدين.

كان الرسول صلى الله عليه وسلم حريصا تمام الحرص على إظهار قوة المسلمين أمام أهل مكة قدر المستطاع، ليس بقوة مادية أو جسدية فقط، بل أيضا معنوية وغير مباشرة، وكان من مظاهرها عو ضخامة عدد المسلمين حيث جاوز عددهم الألفين واصطحبوا معهم الأطفال والنساء، بعد أن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، ألا يتخلف أحد عن الرحلة، واستصحاب العتاد الحربي كاملا استعدادا لأي مواجهة، وردعا لكل من تسول له نفسه مجرد التفكير في الغدر بالمسلمين، وعسكرة جزء من المسلمين بسلاح الفرسان خارج الحرم استعدادا للميل على المشركين حال غدرهم، والدخول الرئاسي المبهر القوي لموكب النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، راكبا ناقته القصواء، والمسلمون حوله يشهِرون سيوفهم لحمايته يحيطون به من كل جانب، حماية له من المشركين، أو من غدر قريش، واستخدام أدوات التخويف النفسي والحرب الدعائية على المشركين.

معلومة تهمك

معلومة تهمك

%d مدونون معجبون بهذه: