دنيا ودين ومع غزوة الطائف ” الجزء التاسع “

46

معلومة تهمك

إعداد … محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء التاسع مع غزوة الطائف وقد توقفنا عندما أراد الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، أن يعود السبي إلى هوازن عن طيب نفس المقاتلين، لأن الغنيمة من حقهم، فلا بد أن يتنازلوا عنها برضاهم ووعد من لا يرضى بتعويضه عن السبي، وتأكد من ذلك عن طريق العرفاء المسئولين عن الجند، وقد تنازل معظم الجند عن السبي سوى الأقرع بن حابس وتكلم باسم قبيلة تميم كلها وعيينة بن حصن وتكلم باسم قبيلة فزارة، فوعدهم الرسول صلى الله عليه وسلم بتعويضهم عنها وهذا يدل على أن قدوم وفد هوازن كان بعد تقسيم الأموال والسبي وليس قبل ذلك كما تشير رواية لابن إسحق، وقد سر الرسول صلى الله عليه وسلم، بإسلام هوازن وسألهم عن زعيمهم مالك بن عوف النصري، فأخبروه أنه بالطائف مع ثقيف، فوعدهم برد أهله وأمواله عليه وإكرامه بمائة من الإبل إن قدم عليه مسلما، فجاءه مالك مسلما فأكرمه وأمّره على قومه.

وبعض القبائل المجاورة الأخرى، وقد حسن إسلام مالك، فكان يقاتل ثقيفا في الطائف حتى ضيّق عليهم، وفكر زعماؤهم في الخلاص من المأزق بعد أن أحاط الإسلام بالطائف من كل مكان فلا تستطيع تحركا ولا تجارة، ومال بعض زعمائها إلى الإسلام مثل عروة بن مسعود الثقفي الذي سارع إلى اللحاق برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في طريقه إلى المدينة بعد أن قسم غنائم حنين واعتمر من الجعرانة، فالتقى به قبل أن يصل إلى المدينة، وأعلن إسلامه، وعاد إلى الطائف، وكان من زعماء ثقيف محبوبا عندهم، فدعاهم إلى الإسلام وقد أذن للصلاة في أعلى منزله فرماه بعضهم بسهام فأصابوه، فطلب من قومه أن يدفنوه مع شهداء المسلمين في حصار الطائف، ولكن زعماء ثقيف كانوا يحسون بحراجة موقفها، ويسعون لتأمين أنفسهم وأموالهم، فأرسلوا في رمضان من العام التاسع بعد عودته صلى الله عليه وسلم من تبوك.

معلومة تهمك

وفدا منهم برئاسة عبد ياليل بن عمرو ومعه ثلاثة من بني مالك واثنين من الأحلاف، وقد لقيهم المغيرة بن شعبة في وادي قناة شمال المدينة بيسير، فأخبر بقدومهم أبا بكر الذي سارع لتبشير الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد علمهم المغيرة تحية الإسلام وأدب مخاطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أنزلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، في قبة في ناحية مسجده ليستمعوا القرآن ويشاهدوا صلاة المسلمين فيه، وقد أعلنوا إسلامهم، وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا، وقد طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يؤخر هدم اللات ثلاث سنين خوفا من غضب قومهم، فأبى إلا أن يهدمها، ولكنه أعفاهم من القيام بذلك وأرسل أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة لهدمها، كما طلبوا إعفاءهم من الصلاة لأنهم يرون فيها دناءة، لما فيها من انحناء وسجود لله تعالى، وكأنهم نسوا أنهم يفعلون ذلك للات وغيرها من الأصنام والأحجار.

فأبى عليهم قائلا ” لا خير في دين ليس فيه ركوع” واشترطوا إعفاءهم من الزكاة والجهاد، وقد وافقهم، وسمعه جابر بن عبد الله يقول “سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا ” وسألوه أن يسمح لهم بترك الوضوء بحجة أن بلادهم باردة، وأن ينتبذوا في الدباء وهو القرع، وأن يعيد لهم أبا بكرة الثقفي فأبى عليهم ذلك كله، وكان عثمان بن أبي العاص أحرصهم على تعلم القرآن والتفقه في الدين فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم، على الطائف، وكان أصغرهم سنا، وبعد إسلام وفد ثقيف سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسئلة كثيرة تتعلق بأمور دينهم، حتى سألوا الصحابة عن كيفية تقسيم القرآن الكريم إلى أحزاب فقالوا ” كيف تحزبون القرآن؟ قالوا نحزبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وإحدى عشرة سورة، وثلاث عشرة سورة، وحزب المفصل من قاف حتى يختم، وهو نفس ترتيب القرآن المعروف الآن، ويبدوا أن الوفد تأثر بمقابلاته.

مع الرسول صلى الله عليه وسلم وباختلاطه مع الصحابة وما جرى من حوار بينهم وبين المسلمين حتى أنهم صاموا ما بقي عليهم من شهر رمضان، وقد مكث الوفد خمسة عشرة يوما في المدينة ثم عادوا إلى الطائف ومعهم أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة الثقفي ليهدما اللات، وقد حكى ابن إسحق وصفا لحادثة هدم اللات واجتماع النساء الثقفيات حولها يبكين حتى أتم المغيرة هدمها وأخذ مالها من الذهب والجزع، وأهل الطائف يظنون أنها ستثأر لنفسها وقد سخر منهم المغيرة فرمى معوله وركض فقالوا، ثأرت الربة، فضحك ونصحهم بتوحيد الله وعاد فأنجز عمله، وبذلك زالت أسطورة اللات التي عبدت طويلا من دون الله، ولقد كان في يوم أوطاس قد نزل قول الحق سبحانه وتعالى فى سورة النساء ” والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ” وكان ذلك لبيان حكم المسبيات المتزوجات، وقد فرق السبي بينهن وبين أزواجهن.

فأوضحت الآية جواز وطئهن إذا انقضت عدتهن، لأن الفرقة تقع بينهن وبين أزواجهن الكفار بالسبي وتنقضي العدة بالوضع للحامل وبالحيض لغير الحامل، وكذلك من الأحكام والتشريعات التى كانت فى غزوة الطائف هو منع المخنثين خلقة من الدخول على النساء الأجنبيات، وكان ذلك مباحا إذ لا حاجة للمخنث بالنساء، وكان سبب المنع هو سماع الرسول الكيم محمد صلى الله عليه وسلم أحد المخنثين يصف بادية بنت غيلان الثقفي قبيل حصار الطائف، وإن في المنع حيطة لأخلاق المجتمع الإسلامي، وكذلك النهي عن قصد قتل النساء والأطفال والشيوخ والأجراء ممن لا يشتركون في القتال ضد المسلمين، وكذلك إقامة الحد في دار الحرب، حيث فعل ذلك الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم بشارب الخمر في يوم حنين، وأيضا جواز الاستعانة بالمشركين كما فعل النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم باستعارة الدروع من صفوان ابن أمية.

مع ضمانه صلى الله عليه وسلم لها، ولا تكون الاستعانة بهم إلا بشرط الوثوق بهم، وألا يغلبوا على المعركة ويصبغوها بصبغتهم، بل يكون حكم الإسلام هو الغالب، وأيضا جواز إعطاء المؤلفة قلوبهم من الغنيمة، إذا رأى الإمام أن ذلك يعين على دخولهم في الإسلام أو دفع أذاهم عن المسلمين، أو جلب نفع للمسلمين، وكذلك فكان تشريع العمرة من الجعرانة، كما فعل النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم،

والجعرانة هى مدينة وكانت من قبل قرية صغيرة قريبة من المسجد الحرام، حيث تقع في وادي الجعرانة، على بعد عشرين كيلو متر شمال شرق مكة المكرمة، وقد اكتسبت شهرة تاريخية بنزول الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، فيها وتوزيع الغنائم بها بعد عودته من غزوة حنين ، وبها مسجد جدد حديثا وآبار، ونقوش كتابية بخط كوفي يرجع تاريخها لصدر الإسلام، على إحدى الصخور التي تقع قبل الوصول إلى المسجد بحوالي اثنين كيلو متر فى جهة اليمين.

ويوجد بها مسجد الجعرانة الذي بني قبل القرن الثالث الهجري، وهو المكان الذي صلى فيه الرسول صلى الله عليه وسلم بعد عودته منتصرا على ثقيف وحليفتها هوازن في وادي حنين في السنة الثامنة من الهجرة، وقد سميت الجعرانة بهذا الاسم، نسبة لامرأة من قريش يقال لها رايطة بنت كعب ولقبها جعرانة، وهي امرأة أسد بن عبدالعزى، وقد قال العباس رضي الله عنه، إنها هي التي نزل فيها قوله تعالى ” ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة ) وبحسب ما ذكره المفسرون، فإن الله عز وجل، جعل هذه المرأة مثالا وعظة وعبرة، فقد كانت امرأة حمقاء معروفة في مكة، وسميت جعرانة لحماقتها، ويقال إنها كانت فيها وسوسة وكانت مختلة العقل، لأنها كانت تغزل هي وجواريها في الصباح، وفي المساء بعد إتقان الغزل تأمرهن بنقض غزلها، وجعرانة قرية صغيرة وجاء فيها فضل الأنصار، حيث لم توزع على الأنصار، فبشرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بعودته معهم ومدحهم وقال صلى الله عليه وسلم “اللهم للأنصار وأولاد الأنصار” ومنها اعتمر النبى صلى الله عليه وسلم لعمرته الثالثة.

معلومة تهمك

معلومة تهمك

%d مدونون معجبون بهذه: