زهرة من زهرات الوطن الشهيد محمد زرد

0 117

معلومة تهمك

بقلم المؤرخ العسكري د./ أحمد علي عطية الله
فى عام 1994 عقب تخرج الظابط الشاب من الكلية الفنية العسكرية تم إلحاقه بأحد تشكيلات القوات المسلحة , وعندما وصل إلى وحدته قام بملئ إستمارة التعارف لدى الضابط المختص الذى قام بأصطحابه لقائد الوحدة العقيد أبو المجد بمكتبه وقام بتقديم الضيف الجديد:


· الملازم أول خالد زرد يا أفندم الذى إنضم إلى وحدتنا اليوم .
وبمجرد سماع القائد الأسم وكان مشغولاً ببعض التقارير أمامه ترك ما بيديه .. وأعتدل فى جلسته , وأمال نظارة القراءة أمام عينيه ونظر من خلفها نظرة متفحصة للضابط الشاب , ثم بادره متسائلاً:
· هل أنت قريب الشهيد محمد زرد؟
· نعم يا افندم أنا إبنه.
· هل تعلم فى أى مكان قضى خدمته؟
· نعم .. فى نطاق الجيش الثالث الميدانى.
· وهل تعلم أين أستشهد؟
· فى النقطة 149
ساد الغرفة صمت مطبق إستمر لعدة لحظات عاد خلالها القائد بذاكرته 21 عاماً إلى الوراء.. ثم نهض واقفاً .. وتقدم نحو خالد الذى كان واقفاً فى وضع إنتباه.. ولا يجد تفسيراً لما يدور .. فصافح القائد ضابطه الشاب بحرارة ثم عانقه مرحباً بود .. وسمح له بالجلوس وهو يتفرس ملامح وجهه الشديدة الشبه بملامح والده الشهيد.. ثم بادره قائلاً:
· هل تعلم يا خالد أنى وأنا فى مثل سنك ألحقت على الكتيبة التى كان والدك قائداً لها , وكنت وقتها قائد فصيلة دعم برتبة ملازم قبيل حرب أكتوبر 73 .. ووسعدت وشرفت بعملى تحت قيادة هذا البطل الانسان .. ولم اكن أدرى أنه بعد مرور أكثر من عشرين عاماً سيخدم معى إبن ذلك البطل الكبير…
أما الشهيد زرد فهو إبن قرية تفهنا العزب بمحافظة الغربية الواقعة على فرع دمياط من مواليد 31 أكتوبر 1943. ومن المفارقات العجيبة انه بعد حصوله على الثانوية العامة لم يتم قبوله بالكلية الحربية فألتحق بكلية علوم أسيوط لمدة عام لم ينسيه الرغبة الجامحة فى الأنخراط بالسلك العسكرى .. وأعاد الكرة فى العام التالى وقبل , وأثبت تفوقاٌ ومهارة بالحربية جعلته من أوائل خريجيها فى 21 فبراير 1966 فألحق على إحدى الوحدات المصرية باليمن , وقضى فيها حوالى العام عاد من هناك بأصابتين واحدة فى الساق والأخرى بالنفس بسبب نكسة 67 وبسبب إصابة ساقه صدر قرار من اللجنة الطبية بأبعاده من تشكيلات القوات المسلحة وأسندت إليه مهمة التدريس بمدرسة المشاه التى أدى دوره فيها على أكمل وجه , ولكن رغبته الجامحة كانت تكمن فى التواجد على الخطوط الأمامية لجبهة القتال , وبالأرادة , والعزيمة والتصميم وتمارين العلاج لساقه قدم إلتماس بالعودة إلى التشكيلات , وعادمرة أخرى إلى إحدى وحدات المشاة التابعة للجيش الثالث الميدانى أمام النقطة الحصينة 149 التى كانت مسرحاً لعمليات إغارة قادها ضدها أثناء حرب الأستنزاف , وكثيراً ما عاد بأدوات من داخلها بعد تدميرها وقتل من فيها.
أما النقطة الحصينة 149 بعد إعادة وتزويد تحصيناتها أثناء السنوات الثلاثة التى توقف فيها إطلاق النار قبل حرب 73فقد إختار العدو موقعها فى أنسب نقطة لعبور القوات المصرية لتحكمها فى محاور رئيسية إذا أراد التقدم داخل سيناء منها المحور الجنوبى المؤدى إلى رأس سدر . والمحور الشرقى المتجه إلى الممرات , والمحور الشمالى المتجه إلى جنوب البحيرات. ولأهمية هذه النقطة قام العدو بتشيدها على تبة مرتفعة تشرف على الأراضى المحيطة بها لعشرات الكيلو مترات , وتم تجهيزها هندسياً بما يحقق الأمن والوقاية للقوات المحتمية بها ويكفل لها تحقيق قوة نيرانية عالية فى جميع الاتجاهات, وقام العدو باحاطة نقطته بنطاق من الأسلاك الشائكة , والعوائق المعدنية, والشراك الخداعية لأعاقة أية محاولة للأقتحام من جانب القوات المصرية بما يسهل للقوات المدافعة إقتناص وإبادة القوات المهاجمة. وأنشأ العدو فوق النقطة برجاً للمراقبة.
وكانت هذه النقطة مسلحة بعدد من مدفعية الهاون والرشاشات الثقيلة والدبابات والمجنزرات وأجهزة حديثة للرؤية الليلية ، وأجهزة تصنت ألكترونية حتى مدى 10 كم وأجهزة إتصال وتوجيه للطائرات الحربية الاسرائيلية،وكميات كبيرة من الذخائر، وقطع الغيار والمعدات ، والأمدادات الطبية ، والمواد الغذائية تكفى لأكثر من شهر.
وفى يوم السادس من أكتوبر 73 كلفت القيادة المصرية السرية الأولى من كتيبة الشهيد محمد زرد بتنفيذ عملية تدمير وإقتحام النقطة الحصينة -149
وبدأ التنفيذ مع قصفة المدفعية المصرية المركزة . فارتقى رجال مصر من صائدى الدبابات مرابض هذه الدبابات الخالية وبمجرد تقدمها من الخلف بدأ أصطيادها فدمرت للعدو ثلاثة دبابات وفرت الباقى . وبأسلحة الضرب المباشر من المدفعية المصرية أمكن فتح ثلاث ثغرات فى الموانع الهندسية أمام النقطة , وتقدمت مجموعة الأقتحام الرئيسية فى مواجهة النقطة ولكنهم عندما أصبحوا على بعد 300 متر منها ركز العدو أسلحته نحوها مما أوقف تقدمها وأحدث خسائر كبيرة بين القوة المهاجمة المكشوفة للعدو,وأنتظرت القوة المهاجمة حول الظلام فقامت بأخلاء الشهداء والجرحى وعمل بعض التجهيزات الدفاعية لتقيه هجوم طيران العدو .. وخلال الليل حاول العدو إرسال مدرعاته لدعم النقطة الحصينة ولكن القوات المصرية كانت له بالمرصاد ومنعته من تحقيق هدفه ومع أول ضوء يوم 7 أكتوبر بدأ الأقتحام المصرى للنقطة , ولكن قصف العدو المدفعى وتدخل طيرانه حال دون تحقيق الأقتحام مما دفع القوات المصرية فى الأستمرار فى الحصار من البعد.. ولم تكن الخطورة من هذا الموقع الإسرائيلى منصبة على رجال المشاة المصريين بل إمتدت لأبعد من ذلك بتدمير المعبر المصرى المفترض أن تعبر عليه المدرعات المصرية لصد الهجوم الاسرائيلى المضاد المحتمل .. فكان كلما تم تشييد المعبر وبدأت المدرعات فى العبور يقوم العدو بتدميره بما عليه.. مما شكل خطراً كبيراً على القوات المصرية التى توغلت داخل سيناء فى إنتظار مدرعاتها وأسلحتها الثقيلة فى هذا القطاع.
وفى اليوم الثالث من المعركة صدرت التعليمات للقوات المهاجمة بتعديل الهجوم من الأجناب والخلف , وتقدمت القوات المصرية وسط دفاع عنيف من العدو إستمر عدة ساعات وضح خلالها إستماتت العدو بالتمسك بهذا الموقع .. حتى جائت لحظة التضحية ونكران الذات .. لحظة العطاء والفداء لبطلنا محمد زرد الذى ألّح على قيادته بالقيام بعملية إستشهادية ضد النقطة الحصينة .. رفض طلبه فى البداية .. ولكنه ألّح .. وقبلت القيادة .. وكانت خطته أن يجتاز المسافة المكشوفة بينه وبين دشمة نيران العدو وكانت حوالى مائة متر نصفها زحفاً والباقى عدواً بأقصى سرعة لديه حتى يودع قنابله اليدوية فى المزغل.. وبالفعل نزع زرد ثلاثة من فتائل قنابله اليدوية قابضا أذرع التفجير وبكل ما أوتى من قوة أخذ فى الزحف فى إتجاه الدشمة الحصينة , لم يفزعه أو يرهبه أصوات طلقات الرصاص التى كانت تصفر بجوار أذنيه ذات اليمين وذات اليسار , ولا الغبار ألذى أثارته طلقات الرصاص حوله ثم نهض واقفا كنمر جسور مندفعاً نحو مزغل رشاشات العدو .. لم يوقفه سيل الرصاصات المنهمر على جسده كل ما فعله هو أن وضع يده على بطنه وهو لا يزال مندفعأ فى جريه ليسد الفجوة التى أحدثتها دفعة طلقات من رشاشات العدو لمنع أمعائه من الخروج , وصل البطل إلى المزغل فألقى داخله بقنابله اليدوية فأسكتت من بالداخل , ولم يكتفى بذلك بل وضع جسده بأكمله فوق المزغل وألتفت إلى زملائه بالخلف مشيراً إليهم بيده , وبصوت مبحوح منادياً:
· هلموا إخوانى أعبروا فوق جسدى أتموا إقتحام الموقع .. إنهوا ما بدأته..وبالفعل إنطلق زملاء البطل يتقدمهم الملازم أول سمير حسن ليقتحموا الموقع ويبيدوا من بقى بداخله إلا من إستسلم راضخاً .. وعلى وجه السرعة تم إخلاء البطل زرد إلى الخلف , وفى مستشفى السويس لقى ربه شهيداً خالداً..
وتكبد العدو فى معرك الأيام الثلاثة خسائر فادحة فى الأسلحة والمعدات بالاضافى إل 30 قتيل و30 أسير كما تم الاستيلاء على كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر والمعدات والتعينات بلغت ما حمولته عئشرون سيارة لورى تم نقلها إلى الخطوط الخلفية غرب القناة.
هذه هى حكاية الشهيد محمد زرد.. هؤلاء هم أبناء مصر .. هؤلاء هم النماذج التى تحتذى ويفخر بها ..

 

معلومة تهمك

معلومة تهمك

معلومة تهمك

شاركنا برأيك وأضف تعليقك

%d مدونون معجبون بهذه: