دنيا ودين ومع الأشتر النخعى ” الجزء الخامس “

0 50

معلومة تهمك

 

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

 

ونكمل الجزء الخامس مع الأشتر النخعى، وهو مالك بن الحارث النخعي، وقد شارك في معركة اليرموك ضد الروم، وكان من أبطالها، وفيها شترت عينه بالسيف أي جفنها السفلي ولذلك عرف بالاشتر، وهو من قبيلة النخعي توجد في جنوب اليمن ليومنا هذا، وهي مشهورة بالشجاعة والكرم، وقد أرسله أبو عبيدة بن الجراح، قائد جيش الخلافة في بلاد الشام، بعد معركة حلب إلى إعزاز ليفتحها، وحلب وإعزاز بلدتان هامتان تقعان في شمال سوريا كان فيهما حاميات رومية، وكان الأشتر ممن عملوا على إخماد نار الفتنه التي أشعلها الوليد بن عقبة مرارا بالكوفه والوليد بن عقبه هو أخو الخليفة عثمان بن عفان بالرضاع وهو من عينه أميرا على الكوفة حتي افتضح أمر الوليد حين صلى بالناس صلاة الفجر أربع ركعات من أثر الخمر التي كان لا يفارقها، بعدها تزايدت الفتن وتطاير غضب الناس من ظلم الأمراء الأمويين في سائر بلاد المسلمين فتظاهر أهل مصر بقيادة محمد بن أبي بكر وأهل العراق حيث كان مالك الأشتر أبرزهم في المدينه المنوره وحول دار الخلافة، وقام علي بن أبي طالب بتجنيد أولاده الحسن والحسين وغيرهم من بني هاشم للصد عن الخليفه الثالث عثمان بن عفان. 

 

معلومة تهمك

وحين منع المتظاهرين الماء عن دار الخلافه أوصل علي بن أبي طالب الماء للخليفه الثالث بيده ولم يجرأ أي من المتظاهرين على قطع طريقه، حينها كان مالك الأشتر ممن أطاعوا أمر علي بن أبي طالب وطالبوا بعدم إراقة دماء المسلمين إنما إقتصرت مطالبتهم على عزل الأمراء الأمويين الظالمين واستبدالهم بمن يخاف الله ويخشاه، بيد أن مطالبتهم بذاك لم تجد وكل محاولاتهم ذهبت بها رياح مروان بن الحكم وهو وزير الخليفة الثالث عثمان بن عفان وزوج ابنته مريم والذي أرجعه الخليفة عثمان لمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وعينه وزيرا ومستشارا بعدما طرده رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينه بحياته، كما استمر تنفيذ حكم الطرد هذا في عهد كلا من الخليفتين الأول والثاني، ولقد كان من أفعال مروان وتجاسره على الحشود المتظاهره قد أثار الناس أكثر مما أدى ببعض المتآمرين من دخول دار الخلافة خلسة وتمكنهم من قتل الخليفه الثالث عثمان بن عفان وهو يصلي في محرابه، وبعد هذه الفاجعه تبادل أطراف الفتن أصابع اللإتهام كلا ليعزز ملكه ويضمن مكانته، وحين بايع الناس الإمام علي بن أبي طالب كان مالك الأشتر هو أول من بايعه. 

 

وكان من المقربين منه، وقد أرسله الإمام علي بن أبي طالب واليا على مصر، وقد قرر معاوية بن أبي سفيان التخلص من مالك باعتماده على عمرو بن العاص الذي وعد أحد رجاله أن يسقي السم لمالك مقابل اعفائه من الضرائب مدى الحياة، وعندما نزل مالك الاشتر عند إحدى البيوتات المصرية مكر عميل عمرو بن العاص به ووضع السم في العسل، وقيل أنه قال عنه الإمام علي بن أبي طالب حين بلغه خبر وفاته ” جزى الله مالك خيرا، كان عظيما مهابا، أكبر من الجبل، وأشد من الصخر، والله لقد تزلزلت بموته عالم وأمة، وفرح بموته عالم وأمة، فلمثل مالك فلتبكي البواكي” ويقول ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح النهج لو اقسم أحد بأن الله لم يخلق في العرب والعجم شخصا أشجع من مالك إلا أمير المؤمنين علي لم يأثم، وقال المزي روي عن عبد الله بن سلمة قال دخلنا على عمر بن الخطاب رضى الله عنه معاشر وفد مذحج، فجعل ينظر إلى الأشتر ويصرف بصره، فقال لى أمنكم هذا؟ قلت نعم، قال ماله قاتله الله، كفى الله أمة محمد شره والله إني لأحسب للمسلمين منه يوما عصيبا، وعندما مات الأشتر فدفن في قرية القلج وكانت بعيدة عن الفسطاط القديمة آنذاك. 

 

وهي الآن ما زالت تسمى القلج وهي إحدى أحياء المرج، والمرج هي المدخل الشمالي الشرقي لمدينة القاهرة والمدخل الجنوبي لمحافظة القليوبية، وقيل أن هناك مقام لمالك الأشتر بقرية القلج بمحافظة القليوبية بمصر، ومالك بن الحارث بن عبد يغوث النخعي كانت كنيته أبو إبراهيم، وكان لقبه الأشتر وقد ولد في اليمن في بني نخع، الذين انتقلوا إلى الكوفة بعد امتداد الإسلام، ثم توزّع أفراد نخع على مدن العراق، ورغم أن مالكا أسلم على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحسن إسلامه، فإن شهرته تقوم على كونه كان قائدا لجيش الإمام على بن أبى طالب، وحامل لوائه، وقد وصفه عارفوه فقالوا كان فارسا مغوارا، مديد القامة، مهيب الطلعة، وكان عالما، شاعرا، وكان سيد قومه بلا منازع، وقد أرسله أبو عبيدة بن الجراح إلى سعد بن أبي وقّاص، مع جماعة، ليشد أزره في العراق، وكان قد اشترك في موقعة اليرموك فأبلى فيها بلاء حسنا ثم انحاز بعد ذلك إلى جانب الإمام علي بن أبى طالب عليه السلام، فوضع نفسه تحت تضرفه، وقد اتهمه خصومه بضلوعه في فتنة مقتل عثمان بن عفان وقد رافقها هرج ومرج شديدان.

 

وبعد ذلك يفاجأ مالك بازدحام الناس على الإمام على بن أبى طالب، في داره، متهافتين على بيعته بجلبة وضوضاء وإصرار، فيقول في نفسه ما أبعد الليلة عن البارحة، لطالما كان هؤلاء يمنعونه من الخلافة، وبالقوة، ويحولون بينه وبينها، وينزل الإمام على بن أبى طالب، على رغبة هؤلاء الناس الذين ضاقت بهم داره، وهم يتوسلون مستعطفين ومن لها غيرك با أبا الحسن ؟ اتق الله فينا الآن، ويفكر مالك الأشتر في هذا الأمر الطارئ مليّا، وهو الذي يعرف صاحبه عليّا كرم الله وجهه والمنطلق الذي يصدر عنه، إنه الذي لا تعدل الدنيا في عينيه عفطة عنز، أو جناح بعوضة ما لم يقم حقا أو يزهق باطلا، ولكن الرياح في هذه الأيام تجري بما لا تشتهي السفن فهذا طلحة والزبير يبايعان الإمام على بن أبى طالب، خليفة، ثم لا يلبثان أن يخرجا من المدينة، لينضما إلى السيدة عائشة رضى الله عنها في وقعة الجمل، وهذا هو معاوية بن أبى سفيان الرابض في الشام واليا منذ عشرين عاما، يرفض أن تجتمع في بني هاشم النبوة والخلافة وإذا أجمع المسلمون على ذلك، فشرط الإبقاء عليه واليا على الشام أولا، والاقتصاص من قتلة عثمان ثانيا. 

 

ويزفر الأشتر زفرة كاللهب، حقا إن الأجواء مدلهمة الجنبات، وتنذر بشر مستطير ويعزل الإمام على بن أبى طالب، معاويةَ بن أبى سفيان، فحرام إبقاؤه متحكما في رقاب المسلمين وأموالهم وأعراضهم ولكن العزل شيء، والقدرة على تنفيذه شيء آخر، وتقوم السيدة عائشة رضى الله عنها فتجيّش الجيوش، ويأبى معاوية مبايعة الإمام على بن أبى طالب، ويمتنع بأهل الشام، وبالمال يصرفه ذات اليمين وذات الشمال وتقرع طبول الحرب فيعبّئ الإمام على بن أبى طالب، جنده، ويلاقي بهم جيوش أعدائه من أهل البصرة وغيرهم، وقد تقدمتهم السيدة عائشة رضى الله عنها على جمل، فكانت حرب الجمل، وينضم طلحة والزبير صاحبا الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى السيدة عائشة، ثم لا يلبث الزبير أن ينسحب من المعركة، وقد ذكره الإمام علي كرم الله وجهه بقول الرسول صلى الله عليه وسلم، للزبير في إحدى المناسبات ” ستقاتله يوما وأنت له ظالم” وتدور رحي المعركة فيهز مالك الأشتر لواء الإمام على بن أبى طالب، مدمدما الويل للناكثين، ويقتحم بمن خلفه قلب جيش العدو، وحول الجمل تتناثر أشلاء، وتسيل دماء ولا تمتد يد لتمسك بخطام الجمل إلا وتبتر. 

 

فتتناثر أكف ومعاصم تناثر أوراق الخريف في ريح عاصف، ويرغي الجمل، ويُزبد، وعلى ظهره حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، والناس يحوطونها من كل اتجاه إحاطة السوار بالمعصم ويتقدم مالك، وينتهي إلى عبد الله بن الزبير، ابن إخت السيدة عائشة، فيضربه بالسيف على رأسه، ويضربه عبد الله ضربة خفيفة، ويعتنق كل منهما خصمه، آخذا بخناقه، فيسقطان إلى الأرض يعتركان ويصيح ابن الزبير اقتلوني ومالكا، واقتلوا مالكا معي، ويحمل أصحاب الإمام علي وعائشة فيخلصونهما، ولم يعلم أصحاب السيدة عائشة أن الذي فاتهم هو الأشتر، إذ بهذا اللقلب كانوا يعرفونه، ولو عرفوه أنه هو، لقتلوه، وتشتد المعركة ضراوة، ولا تمتد يد لتأخذ بخطام الجمل إلا ويقتل صاحبها وينادي الإمام على بن أبى طالب، أعقروا الجمل، فإنه إن عُقر تفرقوا فتتناول السيوف عرقوبيه، فيخور، وينهار ويتقدم محمد بن أبي بكر، أخو السيدة عائشة، فيحتملها إلى قبة، ثم يشيعها الإمام علي كرم الله وجهه في هودج، محفوظة مكرمة إلى بيتها وتدور الدائرة على أصحاب الجمل، وإذا بهم بين قتيل، أو جريح، أو مهزوم ويعود الأشتر من موقعة الجمل، وله في إحراز النصر سهم كبير، وهكذا، تسكن عاصفة موقعة الجمل.

معلومة تهمك

معلومة تهمك

شاركنا برأيك وأضف تعليقك

%d مدونون معجبون بهذه: