دنيا ودين ومع الصدق والصادقين ” الجزء الرابع عشر “

0 10

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

دنيا ودين ومع الصدق والصادقين ” الجزء الرابع عشر ”

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

 

ونكمل الجزء الرابع عشر مع الصدق والصادقين، وقد يتساءل الصحابة عن ذلك مخافة وقوعهم في الكذب؟ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قالوا يا رسول الله إنك تداعبنا؟ قال صلى الله عليه وسلم نعم، غير أني لا أقول إلا حقا” رواه الترمذى، وأن كثيرا، من الناس يعتقد أن في الإسلام كذبا أبيضا وآخر أسودا، أي كذبة بيضة وكذبة سودة وهذا ليس من الشرع في شيء، فالكذب كله محرم، صغيره وكبيره قليله وكثيره إلا ما رخص فيه الشرع الحكيم من أجل المصلحة وذلك في ثلاث حالات فعن أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها قالت” رخّص النبِي صلى الله عليه وسلم من الكذب في ثلاث، في الحرب، و في الإصلاح بين الناسِ، و قول الرجل لامرأتة” وفي رواية أخرى” وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأَة زوجها ” رواه أحمد ومسلم، وكذلك فإن الإسلام حرم الكذب حتى على الحيوانات التي لا تعقل فلا يجوز لك أن تكذب عليها وإليكم قصة في هذا الشأن، فقد روى العلامة المعلمي اليماني في كتابه الأنوار الكاشفة أن جماعة من أصحاب الحديث ذهبوا إلى شيخ ليسمعوا منه فوجدوه خارج بيته يتبع بغلة له قد انفلتت يحاول إمساكها وبيده مخلاة يريها البغلة ويدعوها لعلها تستقر فيمسكها فلاحظوا أن المخلاة فارغة فتركوا الشيخ وذهبوا وقالوا أنه كذاب، كذب على البغلة بإيهامها أن في المخلاة شعيرا، والواقع أنه ليس فيها شيء، فرجعوا ولم يسمعوا منه.

 

معلومة تهمك

وقالوا هذا يكذب على البغلة فلا نأمن أن يكذب في الحديث” وهكذا اعلموا أن قوام المجتمع في التعامل بصدق في جميع مجالات الحياة، فكيف يكون لمجتمع ما كيان متماسك، وأفراده لا يتعاملون فيما بينهم بالصدق؟ وكيف يكون لمثل هذا المجتمع رصيد من ثقافة أو تاريخ أو حضارة وأفراده يكذبون ويرجون للكذب؟ وكيف يوثق بنقل المعارف والعلوم إذا لم يكن الصدق أحد الأسس الحضارية التي يقوم عليها بناء المجتمع الإنساني؟ وكيف يوثق بنقل الأخبار والتواريخ إذا لم يكن الصدق أحد الأسس الحضارية التي يقوم عليها بناء المجتمع؟ وكيف يوثق بالوعود والعهود ما لم يكن الصدق أحد أسس التعامل بين الناس؟ وكيف يوثق بالدعاوى والشهادات مالم يكن الصدق أحد أسس التعامل بين الناس؟ ألا فلنعد إلى ما كان عليه سلفنا الصالح من صدق في المعاملات والبيع والشراء حتى نكون قدوة لغيرنا ودعوة للآخرين إلى الدخول في هذا الدين الحنيف، إننا إن فعلنا ذلك فزنا في الدنيا بالسعادة والثقة والطمأنينة والتراحم فيما بيننا وفي الآخرة بالجنة والمغفرة والثواب العظيم، وهكذا فإن الصدق أشرف الفضائل النفسية، والمزايا الخُلقية لخصائصه الجليلة، وآثاره الهامة في حياة الفرد والمجتمع فهو زينة الحديث، ورمز الاستقامة والصلاح، وسبب النجاح والنجاة، والصدق هو الطريق الأقوم, الذي به تميز أهل الإيمان عن أهل النفاق، وسكان الجنان من سكان النيران.

 

وهو سيف الله في أرضه الذي ما وُضع على شيء إلا قطعه، ولا واجه باطلا إلا أزاله وصرعه، وهو روح الأعمال ولبها، ومن أجل ذلك أرشدنا ربنا سبحانه وتعالى إلى التمسك بهذا الخلق الطيب في كتابه الكريم، وحث على التزام الصدق رسوله العظيم صلوات الله عليه وسلامه، في نصوص أكثر من أن تعد في القرآن والسنة، فقد أمر ربنا في كتابه الكريم في أكثر من آية بالصدق، ومدح الصادقين، ووعدهم بالخير الكبير في الدنيا والآخرة لذلك مجدته الشريعة الإسلامية، وحرضت عليه، قرآنا وسنة، فالصدق خلق عظيم من أخلاق الأنبياء, ومن أهم أخلاق المسلم وصفات الداعية إلى الله تعالى, وهو الأساس الذي قام عليه هذا الدين العظيم, وهو ما عرف به صلى الله عليه وسلم في مكة, فما كان يُعرف حينئذ إلا بالصادق الأمين, وهو أيضا ما يُعرف به الأنبياء والمرسلون عليهم السلام, وقد أثنى الله تعالى على أنبيائه ووصفهم جميعا بالصدق، وإن الصدق يؤدي إلى الثقة والطمأنينة, والكذب يؤدي إلى الشك والريبة، وإن أعلى مراتب الصدق مرتبة الصديقية، وهي كمال الانقياد للرسول صلى الله عليه وسلم مع كمال الإخلاص للمرسل وإن الصديقية مرتبة عالية من مراتب الولاية والقرب من الله سبحانه وتعالى, والصديق كثير الصدق، الذي لم يصدر منه الكذب أصلا، الذي صدق بقوله واعتقاده وأعماله، والصديقون قوم دون الأنبياء في الفضيلة.

 

ودرجتهم تلي درجة النبيين، ورسول الإسلام محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، كان يلقّب بالصادق الأمين في مكة كما هو معروف ومشهور، وصاحبه ورفيقه وأول خلفاءه على المسلمين من بعده هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه وإن الصدق هو مطابقة القول للواقع، وهو الوفاء لله بالعمل، والقول بالحق في مواطن الهلكة، ويطلق الصدق على معان كثيرة منها الصدق في القول، فلا يتكلم إلا بالصدق، والصدق باللسان أشهر أنواع الصدق وأظهرها، وينبغي للعبد أن يراعي معنى الصدق في ألفاظه التي يناجي بها ربه، فإن كان قلبه منصرفا عن الله، مشغولا بالدنيا، فهو كاذب، ومنها الصدق في النية والإرادة، وذلك يرجع إلى الإخلاص، فإن فقد ذلك بطل صدق النية، ومنها الصدق في العزم والوفاء به كأن يقول إن آتاني الله مالا تصدقت به ونحوه، ومنها الصدق في الأعمال، وهو أن تستوي سريرته وعلانيته في جميع أعماله، ومنها الصدق في مقامات الدين كالصدق في الخوف والرجاء، والزهد والحب، والتوكل على الله ونحو ذلك، وكل من عامل الله بالصدق استأنس به، واستوحش من الخلق، ومن علامات الصدق هو كتمان الطاعات والمصائب جميعا, وكراهة اطلاع الخلق على ذلك، ومقام الصديقين مقام رفيع، ومع علو هذا المقام فهو بفضل الله ميسور لمن أراده، وليس وقفا على أفراد، ولا على طائفة، فكل من يحقق إيمانه بالله ورسله فله حظ في هذا المقام الرفيع.

 

 

ولا ريب أن الصدق خصلة محمودة، وسجية مرغوبة، تألفها الفطر السوية، وتدعو إليها الشرائع السماوية, فهو فضيلة قلما تتوفر في إنسان إلا ورفعته إلى أوج السعادة النفسية, وذروة الكمال الذاتي, ومنتهى مراقي الإنسانية، وأن الناس جبلوا على الاقتداء والتأسي، فإذا رأوا شخصا تقيا ورعا صادقا انتهجوا مناهجه واقتفوا أثره، وإن الصادق مطلوبه رضا ربه، وتنفيذ أوامره، وتتبع محابه، فهو متقلب فيها يسير معها حيث سارت، فبينما هو في صلاة، إذ رأيته في ذكر، ثم في غزو، ثم في حج، ثم في إحسان إلى الخلق، ثم في أمر بالمعروف، ثم في نهي عن منكر، أو في عيادة مريض، أو تشييع جنازة أو نصر مظلوم, أو غير ذلك من القرب والطاعات وأعمال البر المختلفة، وإن الصدق سجية كريمة تدل على سلامة الفطرة للمتصف بها، وثقته بنفسه وبُعده عن التكلف والتصنع، وقد اعتبر الإسلام الصدق أساس كل الخير وأن الإسلام يؤكد على الصدق أكبر تأكيد ويحث الناس على ملازمته ولو كان مظنة لإضرار يسير، وأقل الصدق هو استواء السر والعلانية والصادق من صدق في اقواله والصدّيق من صدق في جميع اقواله وأفعاله وأحواله، وإن من درجات الصدق أن لا يتمنى الحياة إلا للحق، ولا يشهد من نفسه إلا أثر النقصان، ولا يلتفت إلى ترفيه الرخص، فهو لا يحب أن يعيش إلا ليشبع من رضا محبوبه، ويقوم بعبوديته لا لعلة من علل الدنيا وشهواتها.

 

ولا يرى نفسه إلا مقصرا قليل الزاد، ومن درجات الصدق أيضا هو الصدق في معرفة الصدق، فإن العبد إذا صدق الله رضي الله بعمله وحاله ويقينه لأنه قد رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا، فرضي الله به عبدا، ورضي بأقواله وأعماله القائمة على الإخلاص والمتابعة، وفي الصدق طمأنينة، ومنجاة في الدنيا والآخرة، فتحروا الصدق وإن رأيتم أن فيه الهلكة، فإن فيه النجاة، فعليكم بالصدق في كل مجالات الحياة، واعلموا أن للصدق مآثر رفيعة ومناقب جليلة، وأجورا عظيمة، وأن من ضرورات الحياة الاجتماعية، ومقوماتها الأصلية التي تقوم عليها شيوع التفاهم والتآزر بين عناصر المجتمع وأفراده، ليستطيعوا بذلك النهوض بأعباء الحياة، وتحقيق غاياتها وأهدافها، وذلك لا يتحقق إلا بالتفاهم الصحيح، وتبادل الثقة، وبديهي أن اللسان هو أداة التفاهم، ومنطلق المعاني والأفكار، والترجمان المفسر عما يدور في خلد الناس، فهو يلعب دورا خطيرا في حياة المجتمع، وتجاوب مشاعره وأفكاره, وعلى صدقه أو كذبه ترتكز سعادة المجتمع أو شقاؤه، فإن كان اللسان صادق اللهجة، أمينا في ترجمة خوالج النفس وأغراضها، أدى رسالة التفاهم والتواثق، وكان رائد خير، وإن كان متصفا بالخداع والتزوير، وخيانة الترجمة والإعراب، غدا رائد شر، ومدعاة تناكر وتباغض بين أفراد المجتمع، من أجل ذلك كان الصدق من ضرورات المجتمع.

 

وحاجاته الملحة، وكانت له آثاره وانعكاساته في حياة المجتمع, فهو نظام عقد المجتمع السعيد، ورمز خلقه الرفيع، ودليل استقامة أفراده ونبلهم، والباعث القوي على طيب السمعة، وحسن الثناء والتقدير، وكسب الثقة والائتمان من الناس، وكما له آثاره ومعطياته في توفير الوقت الثمين، وكسب الراحة الجسمية والنفسية، فإذا صدق المتبايعون في مبايعاتهم، ارتاحوا جميعا من عناء المماكسة، وضياع الوقت الثمين في نشدان الواقع، وإذا تواطأ أرباب الأعمال والوظائف على التزام الصدق، كان ذلك ضمانا لصيانة حقوق الناس، واستتاب أمنهم ورخائهم، وإذا تحلى كافة الناس بالصدق، أحرزوا منافعه الجمة، ومغانمه الجليلة، وإذا شاع الكذب في المجتمع، وهت قيمه الأخلاقية، وساد التبرم والسخط بين أفراده، وعز فيه التفاهم والتعاون، وغدا عرضة للتبعثر والانهيار، وإن أعظم ما في الصدق أنه يقود صاحبه إلى الجنة، وهذا هو الفوز، فعن أبي أمامة، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقّا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا وببيت في أعلى الجنة لمن حسُن خلقه” رواه أبو داود فهذا هو الربح الأوفر لأهل الصدق، وأي ربح أعظم من الجنة، ومن ثمرات الصدق أنه يميز أهل النفاق من أهل الإيمان، وسكان الجنان من أهل النيران، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام “آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب” رواه البخاري.

 

فالبصدق تعلو منزلتك عند خالقك ويشرف قدرك عند خلقه، وبالصدق يصفو بالك ويطيب عيشك، ومن أجل ذلك كله كان الصدق من أهم المطالب في هذه الحياة، لذا فهو منجاة والطريق إليه صعب المنال، فلا يطيقه إلا أهل العزائم ولا يصبر عليه إلا أصحاب الهمم، فاصدق مع الله تعالى ترى كل خير واستحضر ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال “من سأل الله الشهادة بصدق، بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه” رواه مسلم، فانظر لما سأل الله وكان صادقا رفعه الله إلى رتبة الشهداء، واحذر الكذب مع الله تعالى فإذا كان الصدق مع الله تعالى بهذه المنزلة، فقد حذر الله عباده من ضد ذلك وبين سوء العاقبة لمن وقع فيه, فإن الكذب رأس الرذائل، فبالكذب يتصدع بناء المجتمع، ويختل نظامه، ويسقط صاحبه من العيون، وتدور حوله الظنون، فلا يصدقونه في قول، ولا يثقون به في عمل، ولا يحبون له مجلسا، أحاديثه منبوذة، وشهادته مردودة، فقال ابن حبان رحمه الله “الصدق يرفع المرء في الدارين، كما أن الكذب يهوي به في الحالين، ولو لم يكن الصدق تحمد إلا أن المرء إذا عرف به قبل كذبه، وصار صدقا عند من يسمعه لكان الواجب على العاقل أن يبلغ مجهوده في رياضة لسانه، حتى يستقيم له على الصدق ومجانبة الكذب”

معلومة تهمك

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.