من رحيق الماضي الجميل   

0 10

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

من رحيق الماضي الجميل

 

بقلم / ابراهيم الدهش

 

هنا في وطني تشابه قاتل ومميت اصبحت ايامنا تتآكل مثل اوراق الخريف و حياتنا تمتليء بالتحسر والتألم والشعور بالغبن وباليتم يلازمنا

معلومة تهمك

نضحك من هزائمنا نضحك من تخلفنا من اوجاعنا من انكساراتنا نضحك من كل شيء نضحك ممن يضحك علينا هذا الشعب العظيم الا يستحق ان يضحك ضحكة المنتصر فالحلم الذي كان لم يصبح واقعاً ونحن مدينون لذكريات مؤلمة ومزعجة ومفرحة في نفس الوقت مدينون لتاريخ كبير حمله اجدادنا وآبائنا مدينون لعالم شهد لنا ذات يوم بقدرتنا ومهارتنا فاصبحنا نلوك الذكرى ونعلقها لوحة على جداريات شوارعنا المزدحمة بالنكسات

لم يعد للكلام حاضنة دافئة ولم تعد صرخاتنا تجد الصدى فجراحنا ضخمة فلم تعالج كجراح مفتوحة لقد قهرنا انفسنا ولم يقهرنا الزمن لم من مدة دخلنا الحياة ثم اصبحنا على سطحها ونركض لنعايش التجارب المستوردة منتهية الصلاحية

لم يعد لنا تميزاً ولا تواجداً حين ابحث عن ارشيف مدينتا المترامية الاطراف والمتنوعة والغنية بثقافتها والفقيرة باقتصادها اجد الكثير من النجوم المتلألئة في فترات من الزمن اسعدتنا فعلا

ولو اخذنا عناويناً من رحيق الماضي الجميل ولو انني متأكداً نادراً ما يتفق اثنان في موضوع ما ولكنني عندما استعيد شريط ذكريات الطفولة والصبا هنا كل شيء جميل ورائع لاستذكر حنان ورقة تلك الايام الممزوجة بنقاء العلاقات بين ابناء والمدينة والمحلة الواحدة قد يتدفق معي الكثير وينصتوا لي باصغاء عندما اتحدث عن ايام صورها وذكرياتها بين حدقات العيون لن تفارقني ابدا وتغلغلت بين الافئدة والمشاعر لن تمحى رغم الزمن فكانت اجواء جميلة سحرية رائعة وخاصة في فصل الصيف وجلساتنا على سطح الدار المحفوفة بالمحبة والوئام وتناول وجبة العشاء،اروع من انني اجلس الان في افخم واروع المطاعم من الدرجة الاولى كانت جلساتنا مميزة ونسيم الليالي البارد المنعش الذي يجعلنا نترنح على فراشنا بعد جهد طويل في النهار نغفو بعمق على وسادة الصفاء لنزاول مهنة الاحلام السعيدة والندى يتراقص مع ناموسية كل سرير فكانت ايام زمان تخلو من الاجهزة الكهربائية من التدفئة والتبريد وان وجدت فانها باهضة الثمن لن يشتريها الا ( الزناكين ) والتجار والاغنياء , كما تواجدها الان في منازلنا بكثرة لكل جهاز اختصاصه في المنزل فنعوض عنها ايامنا الماضية فالمروحة تقابلها ( المهفة ) التي تصنع من سعف النخيل والحّب بدلاً من الثلاجة لشرب الماء البارد وهو مصنوع من الفخار وامبر من الشربة كونها صغيرة ومصنوعة ايضا من الفخار

اما التلفزيون العادي بدون الوان فهناك عدد قليل جداً من عوائل مدينتي تمتلك جهاز تلفزيون فيجتمعون مساءً ، ويتفرجون على المسلسلات والتمثيليات حتى ان النساء تغطي وجوههن حتى لا يراها المذيع على شاشة التلفزيون ، هكذا كانت عرفة الناس البسطاء وفطرتهم

فكان تلفزيون البصرة الوحيد الذي يصل مدينتنا وغالبية الناس يطلق على تسمية التمثيلية ( بالتنثيلية ) وعندما يصل المسلسل والممثل الى ذروة المشهد نسمع نَحيب النساء ، وعويلهن على المشهد المثير المأساوي ، ومن هذه المسلسلات

( الضَحية ) بطولة زيزي مصطفى و صلاح السعدني عندما كان في ربيع عمره ، وبعدها يبدأ برنامج العلم للجميع ومقدمه كامل الدباغ كل يوم أربعاء الساعة التاسعة مساءً وبرنامج الرياضة في اسبوع ومقدمه مؤيد البدري يوم الثلاثاء ايضاً الساعة التاسعة مساءً وفي اليوم التالي عند الساعة السادسة الفترة الدينية والقرآن الكريم بصوت عبد الباسط عبد الصمد .. الله الله ما اعذب صوته ، رغم صغر السن كنا نستمع وبأصغاء ، وبعدها فترة برامج الاطفال وافلام الكارتون التي تعتبر عندنا من اجمل الفترات التلفزيونية وخاصة (( پپاي )) .. ولم نكتفي من ذلك الرحيق بل كانت الدواوين والمجالس الليلية تعلمنا من خلالها احترام الكبير والعطف على الصغير ، واحترام المعلم الذي كنا فعلا نعتبر الاب الاول وليس الثاني ، نهابه ونحترمه في آن واحد ، وعندما نشاهده في الشارع نهرب وتختفي عنه لأنه يحاسبنا في اليوم التالي لخروجنا من البيت بدون سبب ، هكذا كانت الايام والليالي وبساطة الناس اضيف الى ذلك لن توجد ابداً تسميات مذهبية تطلق فيما بينهم الكل مشتركون في الانسانية والاخاء والوفاء والنقاء ليعيشوا معا اخوة متعاونين في السراء ، والضراء ومتعاودين في الافراح والاحزان كل هذا من رحيق الماضي الجميل في اغلب محطاته و الذي تغير و انقرض كل شيء كان هناك جميلاً فاصبح كل شيء بثمن و الانسان بيده مفاتيح السعادة والتغيير إن اراد ذلك مع التطور والتكنولوجيا قادراً يفعل المستحيل كما قال الشاعر

( لا تيئسوا ان تستردوا مجدكم

فلرب مغلوب هوى ثم ارتقى )

معلومة تهمك

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.