دنيا ودين ومع الخضر عليه السلام ” الجزء الثالث “

0 6

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

 

 

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

 

ونكمل الجزء الثالث مع الخضر عليه السلام، ووفقا لما جاء فى كتاب “تاريخ الموصل للقس سليمان صائغ الموصلى، قيل إن الخضر لقب صاحب النبى موسى عليه السلام، ويكنى بأبى العباس، وقيل أنه هو إليا وهو نبى مشهور وقيل أنه مار جرس، وهو ما يتفق مع ذكره كتاب “عيون الأنباء فى طبقات الأطباء” لابن أبى أصيبعه، حيث يذكر فى إحدى إشارات الكتاب توضيحا عن “الخضر” بأنه أحد الأنبياء الذى أرشد النبى موسى عليه السلام، وقد حظى عند الصوفيين بمركز ممتاز ويطلق عليه النصارى اسم القديس جرجس أو النبى إيليا، ويعود للكتاب للتأكيد على أن المدقق فى بدايات قصة الخضر الأمير الزاهد فى الحكم، الهارب من زينة الحياة الدنيا يلاحظ تشابها قويا مع قصة “جوتاما بوذا” فى الموروث الروحى الأسيوى أو شخصية إبراهيم ابن أدهم فى صياغتها الصوفية، فكل منهما ابنا لأسرة نبيلة ترك الثراء وزهد النعيم الدنيوى، وتفرغ للعبادة والتأمل، وذهب الباحث فراس السواح، إلى أن شخصية الخضر قد امتزجت فى الموروث الشعبى بشخصيات بعض الآلهة، مثل الإله “بعل” الفينيقى الذى يتحكم بالأجواء وينشر الخضرة، ويدلل على ذلك بأن الفلاحين الذين كانوا منذ قرون طويلة يذكرون بعل وهم يزرعون ويحصدون، قد صار أحفادهم الآن يذكرون اسم الخضر وهم يمارسون النشاط نفسه، ووفقا للعديد من المراجع يقال إن الخضر ربما كان من قادة ورجال ذي القرنين.

 

معلومة تهمك

تلك الشخصية التقية التي ملكت الأرض، بحسب الرواية القرآنية، حيث أراد ذو القرنين أن يخلد ولا يموت، فأخبرته الملائكة أن هناك عين ماء من شرب منها لا يموت، فانطلق ذو القرنين بجيشه يبحث عن العين لسنوات، وقال أبو جعفر الطبري “وكان الخضر في أيام أفريدون الملك بن الضحاك في قول عامة علماء أهل الكتاب الأول، وقيل موسى بن عمران عليهما السلام وقيل إنه كان على مقدمة ذي القرنين الأكبر الذي كان على أيام إبراهيم الخليل وإن الخضر بلغ مع ذي القرنين أيام مسيره في البلاد نهر الحياة فشرب من مائه وهو لا يعلم به ذو القرنين ولا من معه فخلد وهو حي عندهم إلى الآن، وقال آخرون إن ذا القرنين الذي كان على عهد إبراهيم الخليل هو أفريدون بن الضحاك وعلى مقدمته كان الخضر وهذا الرأي ضعيف، ولقد أنزل الله سبحانه وتعالى على نبيه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم معجزة القرآن الكريم، وهو كتاب الله تعالى المتعبد بتلاوته، والذي يعتبر دستورا شاملا للأمة بما فيه من أحكام وتوجيهات ودروس وعبر وأمثال، كما اشتملت آيات القرآن الكريم وسوره على كثير من القصص القرآنية التي كانت فيها العبر والدروس لأولي الألباب، ومن هذه القصص قصة نبى الله موسى عليه السلام والخضر، وقد خطب نبى موسى عليه السلام يوما في قومه مبينا لهم أنه أعلم من في الأرض حينئذ، ولم ينسب هذا العلم إلى الله تعالى، فأوحى الله عز وجل إلى موسى عليه السلام.

 

أن ثمة من في الأرض من هو أعلم منه، وقد سأل موسى ربه أن يلتقي بهذا الرجل، وأمره بأن يأخذ معه مكتلا ويضع فيه حوتا، وأنه متى ما فقد الحوت فسوف يجد الخضر، انطلق نبى الله موسى عليه السلام مع فتاه يوشع بن نون، وفي الطريق أوى موسى وفتاه إلى صخرة يستريحان عندها، وقد تسلل الحوت خارج المكتل من دون أن يشعرا، وبعد أن مضيا في طريقهما، أمر نبى الله موسى عليه السلام فتاه أن يحضر غداءهما، فقال له فتاه أنهما نسيا الحوت عند الصخرة، فارتدا على آثارهما حتى يرجعا إلى الصخرة، وعندما وصلا إليها وجدا عندها شيخا كبيرا، فطلب منه موسى أن يعلمه مما علمه الله، فانطلقا في رحلة رأى فيها موسى أفعالا ظاهرها إيذاء وشر، حيث خرق الخضر السفينة التي ركباها، ثم قتل غلاما رآه في طريقه، وأقام جدار قوم رفضوا أن يضيفوهما، وبعد أن بين الخضر لموسى عليه السلام سبب فعله لكل تلك الأمور أيقن موسى عليه السلام أن العلم هو فضل الله تعالى الذي يؤتيه إلى من يشاء من البشر، وأن الخضر عليه السلام قد اختلف العلماء والمؤرخون كثيرا في شخصيتة، حيث اعتبره البعض منهم نبيا من الأنبياء، وأن الله سبحانه وتعالى قد أطال في عمره حتى يدرك الدجال فيكذبه، ومنهم من رأى بأنه ولي من أولياء الله، وقيل أنه ابن آدم لصلبه، والقول الراجح أن الخضر هو نبي من أنبياء الله تعالى لقوله كما جاء فى سورة الكهف ” وما فعلته عن أمرى ” أي كان فعله بوحي من الله تعالى إليه.

 

أما سبب تسمية الخضر بهذا الاسم فقد أورد الإمام البخاري حديثا يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيه “أن الخضر إنما سمي خضرا، لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز خلفه خضراء” ولقد وقف نبى الله موسى عليه السلام في أحد الأيام خطيبا في بني إسرائيل فسـألوه عن أعلم أهل الأرض فأخبرهم بأنه هو أعلم من في الأرض، فعاتبه الله تعالى لانه لم يرجع الفضل إليه، وأخبره بوجود رجل صالح هو أعلم منه في مجمع البحرين، فسأل نبى الله موسى عليه السلام ربه عن كيفية الوصول لهذا الرجل، فأمره بالخروج وأن يأخذ معه حوتا ويجعله بمكتل، وفي المكان الذي يفقد فيه الحوت يكون الرجل الصالح فانطلق نبى الله موسى عليه السلام آخذا معه فتاه يوشع بن نون والحوت، ولما وصلا إلى الصخرة غلبهما النعاس وناما، فخرج الحوت من المكتل وهرب إلى البحر بعد أن شرب من عين ماء موجودة في الصخرة يقال لها عين الحياة، إذ رُدت له الروح فهرب لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “وفى أصل الصخرة عين يقال لها الحياة لا يصيب من مائها شئ إلا حيى، فأصاب الحوت من ماء تلك العين، قال فتحرك وانسل من المكتل” وقد منع الله تعالى جريان الماء في المكان الذي هرب الحوت من خلاله حتى لا يُمحى أثره، وعندما استيقظ نبى الله موسى عليه السلام تابع مسيره دون أن يتفقد الحوت فقال الله تعالى كما جاء فى سورة الكهف ” وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ محمع البحرين أو أمضى حقبا، فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله فى البحر سربا”

 

وبعدما تعدى المكان الذي أمره الله تعالى أن يصل إليه شعر بالتعب والجوع فطلب من فتاه الأكل فتذكر فتاه حينئذ أن يخبره بأمر هروب الحوت عندما كانا عند الصخرة وما كان نسيانه لذلك إلا من الشيطان فقال الله تعالى كما جاء فى سورة الكهف “فلما جاوز قال لفتاه آتنا غدائنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا، قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإنى نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره وأتخذ سبيله فى البحر عجبا ” فعادا إلى المكان الذي فقدا فيه الحوت فوجدا العبد الصالح هناك، فقال الله تعالى كما جاء فى سورة الكهف “قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا، فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما” وسلم نبى الله موسى عليه السلام عليه وعرّف عن نفسه وأخبره بأنه قد أتاه ليُعلمه، فعرفه العبد الصالح وهو الخضر عليه السلام، وأخبره بأن الله تعالى قد أطلع كل منهما على علم لا يعلمه الآخر فما كانت حكمته معلومة لِأحدهما لن تكون كذلك للآخر فقال الله تعالى كما جاء فى سورة الكهف “قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا، قال إنك لن تستطيع معى صبرا، وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا ” إلا أن موسى عليه السلام أصرعلى صحبته وأخبره بأنه لن يخالف أمره فوافق الخضر بشرط ألا يسئله موسى عليه السلام عن شيء حتى يُبين له هو ما قد ينكره عليه، فقال الله تعالى كما جاء فى سورة الكهف “قال ستجدنى إن شاء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا، قال فإن اتبعتنى فلا تسألنى عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا”

 

فلو كان وليا وليس بنبي لم يخاطبه موسى بهذه المخاطبة، ولم يرد على موسى هذا الرد، بل موسى إنما سأل صحبته لينال ما عنده من العلم الذي اختصه الله به دونه، فلو كان غير نبي لم يكن معصوما، ولم تكن لموسى، وهو نبي عظيم ورسول كريم واجب العصمة كبير رغبة ولا عظيم طلبة في علم ولي غير واجب العصمة، ولما عزم على الذهاب إليه والتفتيش عليه، ولو أنه يمضي حقبا من الزمان قيل ثمانين سنة، ثم لما اجتمع به تواضع له وعظمه واتبعه في صورة مستفيد منه، دل على أنه نبي مثله يوحى إليه كما يوحى إليه، وقد خص من العلوم اللدنية والأسرار النبوية، بما لم يطلع الله عليه موسى الكليم نبي بني إسرائيل الكريم، فبدأ المسير على ساحل البحر فمرّت بهما سفينة وكان مَن فيها قد عرفوا الخضر عليه السلام، فأخذوا نبى الله موسى والخضر عليهما السلام معهم دون أجرة، وقد تفاجأ موسى عليه السلام باقتلاع الخضر أحد ألواح السفينة بالقدوم، فأنكر فعله الذي لا يناسب الإحسان الذي قدمه أهل السفينة لهما، فقال الله تعالى كما جاء فى سورة الكهف “فانطلقا حتى إذا ركبا فى السفينة خرقها، قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا” فما كان من الخضر إلا أن ذكره بشرطه فاعتذر إليه موسى عليه السلام مبينا أن ذلك ما كان إلا نسيانا منه، فقال الله تعالى كما جاء فى سورة الكهف “قال ألم أقل إنك لن تستطيع معى صبرا، قال لا تؤاخذنى بما نسيت ولا ترهقنى من أمرى عسرا”

 

وحينها وقف عصفور على طرف السفينة وأراد أن يشرب من ماء البحر فنقر فيه نقرة، فشبّه الخضر مقدار ما لديهما من العلم مقارنة بعلم الله تعالى كمقدار الماء الذي شربه العصفور من البحر فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر فى البحر نقرة، فقال له الخضر ما علمى وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر” ونزلا من السفينة ومشيا على الساحل حتى شاهد الخضر غلاما يلعب مع رفاقه فأمسك برأسه واقتلعها فقتله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم” فانطلقا فإذا بغلام يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر برأسه من أعلاه فأقتلع رأسه بيده” فسارع موسى عليه السلام بإنكار فعله إذ ليس له الحق في قتل النفس، فقال الله تعالى كما جاء فى سورة الكهف “قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا” فما كان من الخضر إلا أن ذكره بشرطه مرة ثانية، واعتذر إليه نبى الله موسى عليه السلام وأخبره بأنه إن اعترض عليه بشيء مرة أخرى أن يتركه ولا يصاحبه، فقال الله تعالى كما جاء فى سورة الكهف “قال الم أقل لك إنك لن تستطيع معى صبرا، قال إن سألتك عن شئ بعدها فلا تصاحبنى قد بلغت من لدنى عذرا ” وتابعا المسير حتى وصلا إلى قرية رفض أهلها ضيافتيهما، فرأى الخضر فيها جدارا مائلا يوشك على السقوط فعدل ميله وأخبره موسى عليه السلام لو أنه أخذ أجرا على فعله لتمكنا من الحصول على الطعام الذي رفض أهل القرية تقديمه لهما.

معلومة تهمك

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.