ثمّ تحركت شفتاه همسًا مستفهمًا: «مَن أنت أيّها الفارس الملثّم؟!كم أرجو رؤيتك.»

0 7

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

مقطع من رواية أبواق إسرافيل
جاك يعلم أنّ الدرّاجة لن تستطيعَ العودة مطلقًا لوجودها في مهبط،
وبالطبع فلن تصعدَ الدرّاجة ضد الجاذبيّة، وحتى لو كان هذا جائزًا
فالمسافة قليلة لكي يطير بها مجددًا.
فماذا يخبئُ جاك لنا؟
من المدهش أن بطل العالم في الدرجات كان يشاهد المشهدَ فقال دهشًا: «أنا
ما أستطيع فعلها.»
والناس تشاهد المشهد برمته عبر التلفاز، ولقد شاهدوا قفزته؛ فخطفت
أنفاسهم حتى إنّها صرفت أبصارهم عن موت آلاف الضحايا الذين يسقطون كلّ
ساعة.
اشرأبتْ أعناقهم نحو التلفاز، واستطلعتْ عيونهم كذلك محدّقين قائلين:
«لقد ألقى الفارس الملثّمِ هذا بنفسه في التهلكة رغم شجاعته ومهارته
وشهامته.»
ومن الوادي الجديد نجد فهمان يشاهد هذا الرجل الملثّم وهو يلقي بنفسه
لإنقاذ الطفلين غير مكترثٍ لحياته، فتمنّى فهمان أن يكون مثله في التضحية
والشجاعة.
أما داخل مبنى وكالة ناسا فيشاهد رئيسها الفتى الملثّم ويخاطب نفسه
قائلاً: «أيّها الملثّم، أنت تصلح أن تكون رائد فضاء من الطراز الأول.»
ثمّ تحركت شفتاه همسًا مستفهمًا: «مَن أنت أيّها الفارس الملثّم؟!كم أرجو رؤيتك.»

ابراهيم امين
أيقن كل المشاهدين بأنّه سوف يموت، لكن ماذا يخبّئ لنا جاك؟ هل هذه
العبقريّة وهذا الضمير الملائكيِّ ساذجٌ لهذه الدرجة أن يلقي بنفسه في
الجحيم؟!
الحقيقة أنّ جاك ألقى بنفسه وهو بالفعل لم يحسب خطوات العودة، نظر إلى
الطفلين وسألهما غيظًا وحنقًا عن سبب سيرهما بدون مصاحبة والديهما، ثمّ
أطرق متسائلا: «وماذا كان سيفعل الوَالِدَانِ في هذا المأزق.»
فنظرت الطفلة إلى بنطلونه الذي بدأ يحترق، فقد بدأت الجمرة تتحوّل أسفل
البنطلون نارًا فقالت له الطفلة: «عمو،أنتَ تحترق.»
ثمّ نظر الطفل اليهوديّ إليه أيضًا قائلاً: «سيدي أنتَ تحترق.»
فضرب جاك بنطاله بيده غير مكترث لما قد يحدث لقدمه او له من احتراق
وإنّما حدّق في الطفلين وكرّر نفس السؤال للمرة الثانية.
فأجابتْ الطفلةُ: «إنّنا كنّا مجموعة مِن الأطفال عربًا وعجمًا، فأقبلَ
عليّ هذا الولد وقال لي بأنه يهوديّ ويريد المال الذي معي والفستان الذي
ارتديه، فلمّا قال ذلك رمقه بعض الأطفالُ العرب وقالوا له وهم يتغامزونه
وأياديهم مبسوطة نحو جيبه بأن كلامه لا يصحّ ومبجلين إياه بقولهم له بأنه
سيدهم.أمّا بقيتهم فتداولوا فيما بينهم ثمّ رحلوا جميعًا، وانتهز فرصة
رحيلهم فضربني ولا زال يضربني حتى اِنشقتْ الأرض.» وفور ان انتهت من
كلامها أجهشت بالبكاء حتى ارتعد جسدها وأعادت قائلة: «انشقتْ الأرض لأنّه
ظلمني.» ثمّ تمالكتْ نفسها ومسحت دموعها وتثبّتتْ ثمّ رددت: «وهكذا سيدي
الشجاع، تنشقُّ الأرض عندما تُسلب من أصحابها.»
فعلق الطفل اليهودي على قولها: «نعم سيدي، هي على حقٍ في قولها “تنشقُّ
الأرض عندما تُسلب من أصحابها.”نعم سيدي، انشقتْ الأرض لأنّ فلسطين
اغتصبوا أرضنا.»
فلمْ يعبأ جاك بعراك الطفلين وإنّما أخذ يفكّر كيف ينجي هذين الطفلين من
الموت، أيستسلم؟! جاك الذي لمْ يفشلْ قطٌ يموت الآن، مستحيل.
وعبْرَ الشاشات نجد الناس يتملّكهم الحزن الشديد على الملثّم قائلين:
«خسارة أن يفقد هذا العالم رجل مثل هذا الفارس، وتأهّبوا للصلاة عليه بعد
أن تأكله النيران.»
استجمعَ جاكُ فِكره وغيّب مشهد الفزع الذي ينتابه مِن شكل الطفلين، ثمّ
جثا على ركبتيه صامتًا حتى ظنَّ الناس إنّه يصلّي صلاة الوداع .
وانتفض فجأة ونظر لبركان النار وصراخ الطفلين ودموعه تنهمر من عينيه، مسح
دموعه ونظر نظرة خاطفة إلى الدراجة، ثمّ أقبل عليها وفتح حقيبة كبيرة
كانت خلف المقعد الذي يجلس عليه واستخرجَ كيس النايلون الذي فيها -إنّه
كيسٌ رقيقٌ خفيفٌ لا ينفذ منه الهواء مطلقًا ولا يحترق إلّا تحت درجة
انصهار عالية ومطلىٌّ في فوهته بمادة لا تحترق، كان يحتفظ به في دراجته
للقيام ببعض المناورات الطائرة، أما فوهته فعبارة عن طوق مِن الحديد ذات
قطر صغير 90 سم ومطليّة بمادة ضد الحرائق- وتذكّر عندما اشتراه أنّ
البائع قال له: «هذه المادة ضدّ الحريق يا فتى.» ولمْ يفكر وقتها في
السبب لكنّه علمه الآن وقال لنفسه وقتها: «يبدو يا جاك أنّ هذا البالون
كان يستخدم كمنطاد في نقل راكبين أو ثلاث.»
رآه فهمان وقد كان جالسًا، وعلى الرغم من ألمه وتفجّعه على الناس الذين
يحترقون إلا أنّه لم ينسَ العلم كأبيه، فحدّق في الفتى الملثّم قائلاً:
«أرجو أن تفعلها أيّها الملثّم ..أرجو أن تفعلها، وانتبه لما معك، فمعك
الموقد والغاز والهواء.»
تفاءلَ جاك بذلك واستبشرَ، وارتسمتْ على وجهه علامات الطمأنينة.بعد ذلك،
أخرج مِن الحقيبة علبَ كانز فارغة، علب كان يخزنها بعد ارتشافها ليبيعها
لأحد الباعة من أجل أن يستعين بها على قضاء بعض حوائج المعاش.
ولحسن حظه أنّها كانتْ كثيرة، استخرجها وألقاها أرضًا ثمّ ثقبها كلّها من
أعلى ثمّ قال همسًا: «لا بأس بها فإنّها تفي بالغرض.»
لقد تعجّب الناس عبر الشاشات من فعله الغريب فقالوا: «لقد أصابته لوثة
الجنون.» أما رئيس ناسا ففهمَ ما ينوي الفتى فعله،
فقال متحفزًا: «أرجو أن تنجح في صنع سفينتك الفضائيّة أيّها الملثّم.»
وقد صدرتْ أوامر إلى طائرة فريق إنقاذ بالذهاب إلى مكان الحادث لإنزال
أريكة بحبال تحتوي على أبازيم رابطة لتحمل الطفلين إلى الطائرة.
بعد ذلك استخرجَ جاك مِن أسطوانة الدراجة الغازية الغاز الذي تعمل به بعد
أن ثقبها ثمّ أفرغها كلّها في علب الكانز عن طريق أنبوب.
ثم قام بسداد علب الكانز كلِّها بسدادة محكمة، وربطها كلّها معًا بإحكام
في أربع مجموعات، ثم ما لبثن أن ربط المجموعات في قاعدة خشبيّة كانت
ملقاة على أرض البركان.
وفهمان يحدّق في الشاشة مائلاًَ مقوس ظهره ويحفزه غيابيًا بقوله: «هيا،
هيا اِفعلها، اِفعلها أيّها الملثّم البطل.»
ومن تل أبيب كان يعقوب إسحاق يشاهد المشهد من أوله، ولقد أدرك أخيرًا ما
ينوي فعله ذاك الملثّم.
بعد أنْ انتهى جاك، لمْ يجد عناءً مطلقًا في المرحلة التالية، كان عليه
الآن أن يحضر مضخّة الهواء اللاسلكيّة (قوتها 12 فولت)كان يضخُّ بها
الهواء لإطاريّ دراجته. طرح البالون وأمرَ الطفلين بإمساكه جيدًا كي لا
يطير فامتثلا، ثمّ ربطه جيدًا في صخرة كبيرة كانتْ على سطح الجدار
المعزول حتى لا يطير، كما ربط َالطرف الآخر كذلك. قام بضخّ الهواء البارد
داخل البالون حتّى امتلأ، ثمّ قام بسدّه حتى لا يتسرب الهواء البارد.
وسرعان ما أحضر مجموعات الكانز الأربعة، وقام بنزع سداداتها واحدة تلو
الأخرى وبسرعة، وكلّما نزع واحدةً منها أشعلَ النّار فيها فكانتْ تشتعل
كموقد البوتاجاز، فاطمأنّ أنّها تعمل بامتياز. أشعلَ النارَ بوساطة أحد
الأعواد الخشبيّة التي كانت ملقاة على الأرض مِن خلال أحد ألسنة اللهب
المتأججة، ولقد لحظ تسرّب بعض الهواء مِن البالون، فأعاد ضخَّ الهواء مِن
جديد حتى امتلأ، نادى على الطفلين، وأعدّ حبلاً متينًا كان يستخدمه في
تسلْق الأشياء المرتفعة، أحضره مِن الحقيبة أيضًا، ربطَ نفسه في جهة وربط
الطفلين في الجهة الأخرى من البالون حتى يتّزن البالون ولا يتأرجح، لكن
الطفلان أثقل قليلاً، فاضطر لحمل حجر في يده -وزنه 11 كيلو جرام – في
الإطار الحديديّ الدائريّ المثبّت في أول البالون القريب مِن أرض الجدار
مدَّ يده إلى الداخل وأمالها أفقياً، ثمّ ربطَ المجموعات الأربع فيه.
قال فهمان عندها: «ها قد فعلها، ها قد فعلها.»، أما رئيس ناسا فقال: «لقد
صنع مركبة فضائيّة، فأرجو أن ينجح في صناعة كوابحها.»
وصلتْ الطائرة أخيرًا، وأرسل قائدها تقريرًا إلى مبنى الطائرات أنّه لن
يستطيعَ التحليق عِن قرْبٍ بعد أن ارتفعتْ ألسنة اللهبِ منذ قليل،
وتبعًا، فإنّ الدرج لن يبلغ الطفلين، وجاءت الرد له فورًا بعدم المغامرة
والانتظار لعلّ البركان يهدأ. تلاها إشارة أخرى معللًا للطائرة بعدم
المغامرة لأن هناك فتىً ملثمًا قد صنع مِنطادًا طائرًا، ولذلك يجب عليه
الترقب.
بدأ الهواء البارد يسخن تدريجيّاً بفعل مواقد الكانز، ثُمّ بدأ البالون
يرتفع محلقًا عاليًا، وعندما اطمأنَّ جاك أنّ المنطاد ارتفع عن ألسنة
اللهب ولا خطورة منه بدأ يوجّه البالون حتى ساقته الرياح للحركة
الأفقيّة؛ فتغيّر مِن الوضعيّة الرأسيّة إلى الوضعيّة الأفقيّة.ثم مدَّ
يدُه وقام بنزْع مجموعةً من المجموعات الأربع، فبدأ المنطادُ يهبط
مائلاً.
بدأ المشاهدون يتفاءلون وكلّهم في ذهولٍ وترقّبٍ، يأملون أن ينجح الملثم
في عملية الهبوط.أما يعقوب إسحاق فحمد الله على نجاة الطفل وأطلق أخيرًا
أنفاسه التي كانت محبوسة.
ولمّا غادر المكان أفقياً أيضًا نزعَ المجموعة الثانية؛ فخفَّ اللهب
كثيرًا ممّا تسبّبَ في هبوط البالون تدريجيّاً، لكنّه ما زال يحلّق؛ فنزع
الثالثة ثُمّ الرابعة فاصطدموا جميعًا بالأرض دون أذى. انشقّتْ الأرضُ
المثلثيّة بعدها مباشرة وابتلعتْ الأرضُ الدراجةَ.
نظر خلفه ليجد دراجته التي يعشقها تنفجر، حمد الربَّ على نجاة الطفليْن،
ثُمّ ترك المشهد كلّه هروبًا من أن يعرفه أحد.
بدأ البركان يهدأ بعدما أفرغتْ الأرض غيظها وغضبها، والحِمم الباردة تغطي
مساحات شاسعة على أرض كاليفورنيا وخاصة المنطقة المحيطة بجامعة بيركلي.
ورغم موت آلاف الضحايا في البركان الغاضب إلاََ أنَّ مشهد جاك ارتكزَّ في
عقول وقلوب العالم كلِّه وخاصة الأمريكيين.
وظلّتْ وسائل الإعلام تقصُّ وتروي وتستفيض في وصف فتى البركان الملثّم،
وخاصة أنّ الطفلين أحدهما يهوديّ والأخر فلسطينيّ .
وظلتْ على مدار أيّام وشهور يعرضون صورة الدراجة وهي تطير ، وصورة
الملثّم وهو طائر في الهواء ببالون صنعه ببراعة شديدة ، وصورة الدراجة
وهي تتهاوى في البركان، وأشاروا إلى وجهه مليارات المرات متسائلين: «تُرى
مَن أنت أيها الملثّم المجهول؟»
ولقد شاهد جاك تعليقات وسائل الإعلام على صنعه فلم يكترثْ لهم وإنما قال
مستبقيًا نفسه:«الحمد للرب على نجاة الطفلين.»
بقلمي: إبراهيم أمين مرمن

معلومة تهمك

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.