مقطع من رواية  أبواق إسرافيل

0 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

مقطع من رواية  أبواق إسرافيل

إبراهيم أمين مؤمن
لم تمضِ بعد سوى بضعة أشهرٍ على سفر فهمان، وفطين في همٍّ متواصل ليل نهار، فالحرمان يهزّه ويفكك أوصاله على الدوام، ويشعل قلبه حرقةً واشتياقًا. حتى أنّ عيناه ذبلتْ، وبدأ يفقد بعض قواه المعهودة.
وكثيرًا ما كان يجرفه الشوق إلى ولده فيتخذ قرارًا بالسفر إليه، بيد أنَّ أعباء مصاريفه كانت بمنزلة قيدٍ يمنعه ويغلّ قدميه.
ولمْ يكن الحرمان هو الضارب على نفسه فقط، بل الفاقة والذلة التي أحاطت بالعرب، والخنوع الكاسح من الأنظمة العربيّة لنظيرتها الغربيّة مما يهدر كرامتهم وكرامة شعوبهم؛ فضلاً عن الكارثة الكبرى التي تتمثل في تسهيل الدعم اللوجستيّ والنفسيّ لانخراط المنظمة الصهيونيّة لتنخر في جسد دولة فلسطين. وهنا، هنا في الوادي الجديد تتجسّد كلّ مظاهر الفاقة والذلة أمام عينيه.
كثُرتْ صناديقُ القمامة، وأصبحتْ تنتشر في جميع أنحاء الوادي الجديد؛ لأنّها غدتْ الطعام الرئيس للغالبية العظمى من أهلها. والصناديق رغم كثرتها فإنها لا تكفي حاجة أهلها من الغذاء؛ فتسبّب ذلك في نشوب معارك فيما بينهم.
فاضطر النظام الحاكم وضْْع عساكر عليها حفاظًا على الأمن القوميّ من جهة، ومن جهة أخرى كي لا يعتاد الشعبَ على البذخ والإسراف بحسب زعمه. وللأسف حتى هذه جرت فيها الرشوة أيضًا؛ فتحصّل من غذائها من لا يستحق وحُرم منها من يستحقه.
ومن المضحكات المبكيات أنّ القطط والكلاب المحلّية أصابها الهزال من الجوع، فقتل بعضهم بعضًا أثناء تسللها خلسة من أجل الحصول على طعام هذه الصناديق. ومن بعيد، نشاهد كلبًا ثمينًا وقطة ثمينة أُستوردا من أمريكا وسويسرا، ينظران إلى صناديق القمامة، وبينما هم على ذلك؛ إذ ألقى مالكهما قطعًا من اللحم البقريّ الطازج لهما.
فجرى إليها أحد أطفال الفقراء ليحوزها، فرآه مالك الكلب والقطة فأقبل عليه غاضبًا وكاد يقتله لاتهامه بسرقة أموال الناس لولا أن أسرع أبوه وانتشله من أنيابه وفرّ به.
تناول الكلب الأجنبيّ قطع اللحم وأسرع بها إلى والد الطفل وألقاها بين يديه، نظر إليه كلبٌ محليّ فحقد على الطفل فأراد أن يتسلّل خلسة ويأخذها منه.
وهذه الصناديق تمتلئ دومًا ببقايا طعام الأغنياء التي أخذت تتضخّم ثرواتهم بطريقة مذهلة، وتمتلئ أيضًا من وحدات الكتائب العسكريّة المصريّة، بينما نجد صورة مشرقة تطلّ من بعيد، إنهم فئة استثنائية من أعضاء المجلس العسكريّ، يعملون لصالح الشعب في الخفاء.
فقد كانوا يعطون بعض الجنود طعامًا طازجًا ويقول وزير الدفاع لهم: «اِذهبوا إلى صناديق القمامة بهذا الطعام وأعطوه لمن تجدونه هناك من أفراد الشعب.»
لم تكن كلّ هذه الصور القاتمة لتمرّ على فطين دون أن ينفعل معها ويتفاعل ويؤدّي دوره فيها كرجل وطنيّ من أبناء هذا الشعب.
لم يستطع فطين أن يفعل شيئًا تجاه ما يرى، كلّ ما استطاع أن يفعله هو الذهاب إلى الصناديق بالمال الذي يحصل عليه ليلقيه فوق رءوسهم. ولقد حصل على مالٍ كثير بعد أن رفْع سعر التذكرة التي يشتريها الأغنياء بطريقة مبالغة جدًا، ومع هذا لم يُحجموا عن الإتيان إلى السيرك ومشاهدة العرض.
وفي هذه المحطة الهامة من حياة فطين وقعت الواقعة التي ليس لها من دون الله كاشفة؛ إذْ تسرّب خبر فطين إلى نظام أمن الدولة بأنّه يساعد الفقراء؛ فوضعوه تحت المجهر حتى لا يمثل خطرًا على النظام -فمن المعروف أنّ الخوف قد سيطر على الشعب فشلّ أركانه، وفطين قد يشجعهم يومًا من أجل المطالبة بحقوقهم المهضومة- وأمن الدولة ترى أن فطين توافرت فيه كل سُبل القيادة.

معلومة تهمك

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.