من ملاحم الجيش المصرى

0 26

معلومة تهمك

من ملاحم الجيش المصرى

ملحمة الجزيرة الخضراء ( الجزء الأول)

بقلم المستشار العسكرى

معلومة تهمك

د. أحمد على عطية الله

ملحمة الجزيرة الخضراء احدى الملاحم البطولية للجيش المصرى الباسل تحت قيادة اللواء مجدى بشارة رحمه الله جرت احداثها خلال حرب الاستنزاف وهاكم تفصيلها

وصف الجزيرة:

الجزيرة الخضراء عبارة عن بروز صخرى صلب من حجر الجرانيت الوردى ذو الحبيبات السوداء فوق سطح الماء وهى مستطيلة الشكل تقريبا تقع فى مننصف الطرف الشمالى لخليج السويس تبلغ مساحتهاحوالى 200 متراً طولاً من الشمال للجنوب و95 متراً عرضا من الشرق للغرب.. ليس بها شاطى رملى متدرج، ولا يوجد عليها أى رمال ، وترتفع عن سطح الماء بحوالى 30مترا، جوانبها على هيئة جدار صخرى صلب قائم الزاوية يصعب تسلقها عدا الجزء فى الجهة الشمالية مساحته من 50 – 60 مترا منخفض ومتدرج يبدأمن أربعة أو خمسة أمتار ثم عشرة إلى إثنى عشرة متراً فحوالى خمسة عشرة مترا وكذلك الجهة الشمالية الشرقية ميولها تسمح بإعتلائها بواسطة يعض المعاونات الخاصة بالتسلق.. وأخذت الجزيرة اسمها من غابة الشعاب المرجانية الخضراء اللون الملتصقة بها من جميع الجهات وكأنها جزء منها يعكس ضوء الشمس ألوانها الخضراء على سطح الماء حول الجزيرة وقد عرفت بهذا الاسم قديما وظهرت بهذا الاسم على الخرائط الانجليزية – The Green Island.. أما الجانب الغربى أى الشاطى الغربى للجزيرة المواجه لقواتناغرب خليج السويس فيوجد به رصيف بحرى لرسو القوارب ويمكن الوصول إلي سطح الجزيرة عن طريق سلم أنشأه المهندسون العسكريون تستخدمه قوة الجزيرة فى الوصول إليها ومغادرتها، وكان الأنجليز أثناء احتلالهم لمصر قد وضعوا قوات بها واستخدموها كموقع دفاع جوى لموقعها المميز أمام مدخل قناة السويس ذلك الشريان الملاحى الهام ، وعندما استخدمت القنبلة الذرية ضد اليابان خلال الحرب العالمية الثانية خشيت انجلترا لتعرضها لمثل هذا الهجوم فقامت بتحصين تلك الجزيرة بصورة تسمح لها بتحمل مثل هذا الهجوم فقامت بتغطية الجزيرةبكتل خراسنية سميكة مركبة على أعمدة خراسنية ضخمة لتشكل دورين داخل الجزيرة ذات سقف خرسانى سميك جدا.. وقد استخدمت وحدة الدفاع الجوى المصرية على هذه الجزيرة هذه التحصينات التى زادت من حصانة ومنعة هذا الموقع الذىأخذ أهميته من وجوده بمكان متوسط بكل ما يحيط بها شمالا وشرقا وغربا فهى تبتعد عن مدخل القناة الجنوبى الواقع فى الجهة الشمالية منها بمسافة 3200 متر وتبتعد عن مدينة السويس الواقعة إلى الشمال ايضا منها بمسافة 5 كيلو متر ، وعن عيون موسى شرقا مسافة 6 كيلو متر ، وعن رأس سدر الى الجنوب الشرقى منها بحوالى 8 كيلو متر ، وعن منطقة الزيتية حوالى 5.5 كيلو متر، وعن الأدبية غربا بمسافة 5كيلو متر.

مم جعل تلك الجزيرة مؤهلة لكى تكون موقع دفاع جوى مصرى متقدم يعمل كنقطة إنذار مبكر ضد اى هجوم إسرائيلى وفى الوقت نفسه يؤدى دوره مع باقى مواقع الدفاع الجوى غربا والتى تقع جميعها تحت قيادة النقيب مجدى بشارة رئيس عمليات فوج الدفاع الجوى (تشكيل أكبر من الكتيبة وأقل من اللواء) والذى تولى مهام قائد الفوج بالانابة لإصابته أثناء العمليات واجرائه عدةعمليات جراحية أبعدته عن الجبهة فترة طويلة .. وكان هذا الفوج مسؤلاًعن الدفاع الجوى عن منطقة السويس بأكملها بما فيها مينائى الأدبية والزيتية ، ومنطقة العين السخنة بما تضمه من وحدات الجيش الثالث بأكمله.

وبيّت العدو النية لإحتلال تلك الجزيرة وسلبها من أيدى المصريين لعدة أسباب :

*الموقع الاستراتيجى العسكرى الهام لتوسطها شمال خليج السويس وقربها من المواقع الاسرائيلية فى الشرق والشمال والجنوب الشرقى.

*الازعاج المستمر لإسرائيل لما يطلقه موقع الجزيرة الخضراء من قذائف ثقيلة ضد مواقعها أمام بور توفيق ، والشط ، ورأس سدر ، وعيون موسى وما يحدثه من خسائر ضد هذه القوات بأوامر من قائد سرية الجزيرة الملازم أول محمد عبد الحميد الذى كان دائم الاشتباك الشبه يومى مع أى أهداف متحركة من دبابات ، وسيارات ، وعربات قيادة التى بمكن تميزها لاسيما وان معظم هذه الأهداف على بعد حوالى الخمسة كيلومترات فى حين أن مدى مدفعيته الثقيلة العيار يصل مداها لحوالى 15كيلو متر ومن ضمن الأهداف التى دمرت سيارة بها عدد من كبار القادة الاسرائيلين .كما شارك هذا الموقع مع باقى مواقع الفوج فى إسقاط طائرتين اسرائيليتين خلال شهر واحد الأولى سوبر بابير فى التاسعة من صباح 12 يونيه 1969م ،والأخرى سكاى هوك الساعة الواحدة ظهر يوم 13 يوليو 1969م وأسر قائدها الطيار نسيم عازر أشكنازى على يد النقيب مجدى بشارة..

*رغبة إسرائيل الشديدة فى إحتلال أرض مصرية جديدة لكسر الإرادة السياسية لمصر المتمثلة فى الزعيم جمال عبد الناصر الذى كان ينادى بضرورة الثأر وإسترداد الأرض ، وكذلك الضغط على الجيش المصرى لإيقاف عملياته خلال حرب الاستنزاف والتى تسبب للإسرائيليين خسائر يومية متواصلة، وتهدف العملية أيضا لخفض الروح المعنوية للجنود ، وللشعب المصرى وقيادته لاسيما لأختيارها الساعات الأولى من يوم 20 يوليو اى قبل ايام قليلة من الخطاب السنوى الهام للرئيس جمال عبد الناصر فى ذكرى ثورة 23يوليو.كما أختاروا ساعة الصفر للعملية لحظة ملامسة فدم أول إنسان وهو رائد الفضاء الأمريكى نيل أرمسترونج لسطح القمر بما تحمله هذه اللحظة من تعظيم للتكنولوجيا الغربية.

*كما كان من أهم الأسباب التى دعتهم إلى تدمير الوقع والاستيلاء عليه أنه كان يعمل بمثابة إنذار مبكر لباقى وحدات المدفعية الموجودة غرب الخليج وكانت تشتبك مع الطائرات الاسرائيلية مبكراً، وكان هذا الأمر يزعجهم .. كما كان بالموقع مركز إستطلاع ومراقبة للجيش الثالث

إستعدادات إسرائيل للمعركة :

عرف فيما بعد من خلال أجهزة المخابرات واعترافات قيادات اسرائيلية ان اسرائيل قامت بتدريب قواتها التى هاجمت الجزيرة بالولايات المتحدة مع قوات المارينز الأمريكية لمدة 3 شهور وتضمنت التدريبات مهاجمة مواقع مشابه وإحتلالها .

وتكونت القوات الاسرائيلية المعدة لأقتحام الجزيرة من التالى:

* كتيبة صاعقة بحرية قوامها 400 فرد على أعلى مستوى من التدريب القتالى والمستوى البدنى على غرار قوات المارينز الأمريكية .

* سرية ضفادع بشرية من 90 فرد مهمتهم التسلل للجزيرة ومباغتة قوة الجزيرة وتمهيد الطريق أمام القوة المهاجمة لتجنب القتال المتلاحم والمباشر مع قوة الجزيرة بغرض تقليل خسائرهم البشرية لأدنى حد .

*قوات بحرية لمحاصرة الجزيرة حصاراً بحرياً دقيقاً لمنع تدخل القوات المصرية وتقديم أى نجدة للجزيرة ، وكذلك نقل القوات المهاجمة إلى الجزيرة وتتكون تلك القوات البحرية الاسرائيلية من:

= 4 طراد بحرى + 4 لنش كبير يعتليها 60 بحاراً ومحملة بـ قواذف صواريخ ، وهاونات ، ورشاشات ثقيلة، وقنابل حارقة ، وقنابل فسفورية التى أستخدمت أول مرة فى التاريخ، ووسائل لاضاءة أرض المعركة ، وكانت تلك القوة محددة لحصار الجزيرة، وقصفها فى بدء الهجوم .

= 6 لنش كبير + 4 لنش متوسط + 20 قارب مطاطى عدد أطقمها حوالى 30 بحاراً كانت مخصصة لنقل القوات المهاجمة للجزيرة.

* كان تسليح القوات الاسرائيلية المخصصة للهجوم على الجزيرة يتضمن بنادق ألية، ورشاشات عوزى ، وكميات هائلة من القنابل اليدوية ، والحارقة، والفسفورية ، والهاونات.

= دعم جوى مخصص للتدخل وقت الحاجة .

= سرية صاعقة قوامها 90 فرداً فى حالة إنتظار بالقرب من الموقع للتدخل السريع عند الحاجة .

القوات المصرية بموقع الجزيرة:

• 3 ضباط + 65صف ضابط وجندى من قوات الدفاع الجوى .

• ضابط إشارة من قيادة الجيش الثالث.

• ضابط بحرى من القاعدة البحرية بالسويس ومعه 3 أفراد بحرية مهمتهم مقاومة الضفادع البشرية بإلقاء العبوات الناسفة فى الماء والتى تنفجر تحت سطح الماء.

• 4 مدافع مضادة للطائرات ثقيلة العيار 85 ملم.

• 6 رشاشات متوسطة مضادة للطائرات أعيرة مختلفة فردى، وثنائى ،ورباعى.

• 9 رشاشات مضادة للطائرات فردية.

• اسلحة شخصية عبارة عن بنادق آلية ، ورشاشات ، وقنابل يدوية ، وقاذفات لهب ، ومدفع هاون مزود بطلقات مضيئة .

إكتشاف نية العدو فى الهجوم:

قامت إسرائيل بثلاث أعمال بينت نيتها فى إقتحام الجزيرة .

• قامت إسرائيل بإستطلاع الجزيرة بواسطة الطيران المنخفض جداً على مدى ثلاث أيام متتالية سابقة على التنفيذ وهى أيام17 و 18 و19 يوليو 1969م قاموا خلالها بـ 5 عمليات إستطلاع كانت طائراتهم تأتى من جهة الشرق من داخل سيناء لتمر فوق الجزيرة ثم تكمل طيرانها إلى الضفة الغربية للخليج وتدور دورة وتعود مرة أخرى فى اتجاه الشرق لتمر مرة أخرى فوق الجزيرة على ارتفاع منخفض جدا تقوم بمسح الجزيرة مسحاً.

• قامت إسرائيل بتسريب خبر غير صحيح عبر أجهزة اتصالها بشفرة قديمة معلومة لقواتنا مفادها نيتهم فى الهجوم على موقع مصرى بعيد عن الجزيرة يسمى بموقع خفر السواحل ويبعد عنهم بحوالى 11 كيلومتر هى عرض الخليج تحدد له يوم 24 يوليو 1969م وذلك للتمويه على القوات المصرية بنيتهم الحقيقية.

• رصدت أجهزت الردار بموقع الجزيرة هبوط من 40-50 طائرة هليوكوبتر على دفعات بعيون موسى فى مواجهة الجزيرة ظهر اليوم الذى بدأت العملية فبيل إنتصاف ليله .. ومن المؤكد أنها كانت تنقل القوات الاسرائيلية المكلفة بتنفيذ العملية.

بالاضافة إلى ذلك قامت أجهزة المخابرات والاستطلاع المصرية الخاصة بالجيش الثالث الميدانى بإبلاغ قيادة قوات الدفاع الجوى عن الجزيرة بنية العدو من مهاجمة الجزيرة تلك الليلة .

إستعداد الموقع لصد هجوم العدو المتوقع

قام النقيب مجدى بشارة قائد الفوج بالإنابة (عن المقدم حمدى نويصر الذى كان قد أصيب وأجرى عمليات جراحية)من موقعه بمركز عمليات الفوج بالقرب من السويس بتقدير الموقف ووضع الخطة اللازمة لصمود الموقع ضد الهجوم الاسرائيلى المحتمل على الجزيرة واتخذ فى سبيل ذلك عدة إجراءات وهى أقصى ما كان من الممكن عمله فى ذلك الوقت :

* ارسل إلى الجزيرة دعما مكونا من 30 جندياً محملين بكميات كبيرة من الأسلحة والذخائر والقنابل اليدوية تحسبا لمعركة طويلة لتقديره الشخصى .

* قام بمبادرة شخصية منه بتنسيق تعاون مع قائد وحدة المشاة المجاورة له فأخذ منه 4 قواذف لهب ليستعين بها فى صد هجوم الزوارق المغيرة المحملة بجنود الاقتحام الاسرائيلين وقاذف اللهب عبارة عن خزان مواد ملتهبة يحملهالجندى خلف ظهرهمتصل بخرطوم ينتهى بماسورة بندقية يقوم بقذف سائل النابالم المشتعل بدرجة حرارة عالية لعدة أمتار فى اتجاه الهدف محدثا به تدميراً شديداً ، فذهب جنود المشاة من حاملى قواذف اللهب من سلاح المشاة إلى موقع الجزيرة .

*طلب النقيب مجدى من الرائد صلاح قائد قاعدة بحرية قريبة من السويس تجهيز جماعة من عنده لوضعها على الجزيرة لاطلاق عبوات ناسفة تحت السطح للتعامل مع الضفادع البشرية الاسرائيلية التى ستهاجم الجزيرة مساء اليوم أثناء وجودها تحت سطح الماء فاستجاب له قائد القاعدة البحرية وأرسل مجموعة من مستخدمى هذه العبوات مع ضابط بحرى هو الملازم أول محمد إبراهيم ، وذلك بتنسيق شخصى بحت بدوان أوامر عليا.

 

وبالفعل كانت جميع هذه الإستعدادات قد تمت على ظهر الجزيرة فى تمام الرابعة عصرا ، وأصبحت منذ ذلك التوقيت مستعدة لملاقات العدو الذى لاتعرف عدده ، ولا عتاده ، ولاتوقيت ، ولاكيفية ولا إتجاه هجومه .. ولكن ماتعرفه ومتأكدة منه هو إيمانها بقضيتها ، وتمسكها بحقها وجزيرتها معتمدة على ثقتها بالله وبنفسها..وأصبح على ظهر الجزيرة 5 ضباط .. 3ضابط دفاع جوى ، وضابط بحرية، وضابط إشارة ..

ولم تكن تدرى القيادة الاسرائيليةوقتئذ أن للمصريين أعين مفتوحة ، واجهزة رصد وتصنت تعمل ليل نهار ، ولم تكن تعى وتدرك أن جراح النكسة والهزيمة تجدد من حيويتنا ، وتبعث فينا روحاً من التحدى ورغبة عارمة فى الانتقام وتحرير الأرض.

والبقية فى الأجزاء التالية

من كتابى ملحمة الجزيرة الخضراء الصادر عام 2017

تنبيه هام، المنشور يعبر عن رأي الكاتب ويتحمل مسؤوليته، دون ادنى مسؤولية علي الجريدة

تنبيه

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: