” شــكســـبيرWilliam Shakespeare ” خلف الأحداث تقبع أسوأ الحقائق

الفن

0 8

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

” شــكســـبيرWilliam Shakespeare ”
خلف الأحداث تقبع أسوأ الحقائق
بقلم الأديب المصرى د.طارق رضوان جمعه
ماذا لو استطعنا إعادة الحياة لشخصيات شكسبير لتروى لنا حقيقة ما حدث لهم؟وماذا لو التقى شكسبير مع شهرزاد لنمزج الفن الروائى والكتابة المسرحية معاً، لنحتفل بلقاء الشرق والغرب الأدبى؟ هذا بالفعل ما حدث فى مسرحية “شكسبير يلتقي شهرزاد” ، فإن الشخصية الرئيسية النسائية لم تروي قصصها الشهيرة فحسب ، بل فتحت أيضاً بوابة الخيال من خلال استعادة “القصة المفقودة: الليلة التي قابلت فيها وليام شكسبير”. كانت تلك الليلة عندما التقوا واستكشفوا الأعمال الفنية لبعضهم البعض. كان مثل رحلة أخذت الجمهور من شهريار إلى ماكبث إلى قصص ألف ليلة وليلة وصولا إلى عالمنا اليوم. وهناك ميزة خاصة جدًا في المسرحية تتمثل في أن معظم الأحداث حدثت بين المتفرجين. وكذلك ضوء الشموع وعرض الدمى جعل المسرحية أكثر إبهارا.
كما ظهرت مسرحية “هذيانات شكسبير” تقدم نفسها كإعادة قراءة للتاريخ وإنصاف للذين هضم حقهم على يد شكسبير الذي يظهر في آخر المسرحية ويعترف بكل الجرائم التي ارتكبها؛ “فالتاريخ أضحوكة لمن يصدقه ودليل لمن يحلم به”. وعلى خشبة المسرح تعود جميع الشخصيات إلى الحياة كي تروي القصة الحقيقة دون تزييف، كل يعترف بأخطائه كأنهم وصلوا إلى يوم “الدينونة”. كل يقوم من رقدته بعد أن يصدر صوت مرعب تصعق منه شخصية وتقوم أخرى كي تروي ما حدث. فهذه “جوليت” القاضية وهي تعترف بأخطائها: “ما بك يا أحكامي المعلقة؟ لماذا تجلدينني بأسواطك اللاذعة، صدقيني لقد غرر الحب بي فأذعنت له ولرغباته…”. وشكسبير يعترف بأنه لم يجد سيف فارس يقطع يده، أو من يطعن صدره بخنجر كي يمنعه من تزوير وتشويه صورة الأبرياء من أجل مجد أدبي يرى أنه كاذب.
قلب الحقائق وتزوير التاريخ
ما قام شكسبير بفعله بتحويله لـ”روميو” المحقق الوحشي، و”جوليت” القاضية الفاسدة إلى قصة حب رومانسية ترددها الأجيال، وكي يزرع الشك والكراهية، شرع في كتابة مسرحية “عطيل” وبدل معشوقته “ديدمونة” بـ”أوفيليا”، والعكس فعله مع “هاملت”، وجعل من “عطيل” همجياً في شكه مما دفعه إلى قتل حبيبته، فيما كتب مسرحية “هاملت” وبدل حبيبته من “أوفيليا” إلى “ديدمونة” وجعل من “هاملت” قاتلاً لأبيه. أما “شايلوك” المدعي العام المرتشي في هذه المسرحية فحوله في مسرحية “تاجر البندقية” إلى مراب، وشخصية “بتريشيوا” حاجب المحكمة المسكين حوله في مسرحية “ترويض النمرة” إلى شخصية تستطيع ترويض “كاثرين” المتمردة. أما شخصية “جرترود” المحامية النزيهة التي حاولت رفع التهمة الباطلة عن العشاق الأربعة فقد حولها في مسرحية “هاملت” إلى أم لهاملت تعاني من اضطراب في شخصيتها ما بين السعادة والحزن. أما “ياغو” مساعد المحقق “رميو” الذي باع ضميره وشهد شهادة زور في المحكمة بأن العشاق الأربعة قد مارسوا الرذيلة فقد حوله إلى شخصية حاقدة خبيثة في مسرحية “عطيل”.
ورغم الرؤية الجديدة التي تقدمها المسرحية فإنها لم تستطع التخلص من عالم شكسبير الأدبي وصراعات الزمن الذي كتبت فيه. ومن ذلك فكرة طغيان الجماعة على الفرد، فإذا كان هناك خيار ما بين التضحية بالنفس أو الجماعة، فعلى الفرد أن يختار المجموع، تلك الفكرة التي استمرت لقرون طويلة حتى جاء عصر النهضة وأعاد للفرد مكانته، الأمر الذي وثقت له فلسفة ديكارت الذي وصل إلى الوجود من خلال نفسه: “أنا أفكر إذاً أنا موجود”. فتلك الأنا كانت غائبة قبله. لذا قبل عصر النهضة لن نجد لوحة أو نحتاً عليه توقيع فنان؛ لأنه لم يكن هناك مكان لتلك الفردية، فالتوقيع الفني يعني أن هناك “أنا” وهناك “آخرين”. وهذا اللون من الصراع موجود داخل مسرحية “هذيانات شكسبير” ولم يستطع المؤلف التخلص من ربقته. ففي المسرحية يحاول “شايلوك” المدعي العام أو محامي الشيطان، أن يقنع المحامية “جرترود” المدافعة عن العشاق الأربعة (عطيل أوفيليا، هاملت ديدمونة) بأن تترك هذه القضية لأن الصالح العام يقتضي ذلك ومصلحة الدولة/ الجماعة فوق كل شيء: “تعلمين سيدتي أن القانون ما وجد بداية إلا لحماية الصالح العام ومن ثم الصالح الخاص، والدولة بأركانها الثلاثة مستفيدة منه، والصالح العام في قضيتنا سيدة جرتورد هو إدانة العاشقين الأربعة…”.
قدمت مسرحية “هذيانات شكسبير” صورة حية ذات مدلولات سياسية غير مباشرة عن آلية كتابة التاريخ وكيف يتم العبث به لصالح مجموعات معينة من أجل خلق وعي زائف. كما أن المسرحية اتخذت من أدب شكسبير قناعاً كي تعبر به عن قناعاتها إزاء ما يدور في اللحظة الآنية من التاريخ العربي.
قدّم شكسبير من خلال )مأساة عُطيل(، تحليلًا عميقًا لآلية الإيقاع بقائد عظيم أسود البشرة اسمه (عُطيل)، ضحية الغيرة على زوجته البيضاء المخلصة واسمها (دِزدمونة)، من خلال الشرّ الذي مارسه مساعده (إياغو)، حيث صوّر شكسبير “لذّة الشرّ” في الطبيعة البشرية في شخصيته، فاستغل “إياغو” نقاط الضعف لدى سيده “الشرقي” الغريب عن المجتمع الذي عاش فيه، فكان عُطيل ينتمي إلى ثقافة شرقية تختلف اختلافًا كليًا في معالجتها لمواضيع الحبّ والغيرة والخيانة والشرف عن نظيرتها الغربية. وما قدّمه شكسبير في ذلك العمل العظيم بات يُعرف الآن بالتشخيص النفسي بِ “اضطراب الغيرة المرضية” أو وهم الخيانة وأيضًا “متلازمة عُطيل”.. فقام بطل أهم أعمال شكسبير الفارس المقدام (عُطيل) بقتل زوجته وحبيبته (دِزديمونة) بنهاية درامية غير متوقعة بعد كل الحبّ والإخلاص الذي جمعهما، والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: كم عُطيل وكم عُطيلة تملأ فضاء المجتمع العربي منذ ذلك التاريخ إلى الآن؟!
ونحن وإن أسقطنا ما بدر من عُطيل (الذكر) على جميع ذكور الماضي والحاضر، لن يستنكر المجتمع الذكوري ما أقدم على فعله؛ لأن ذكورة الرجل لا تكتمل إلاّ إذا قام بإسكات “الأفواه” التي تشير بأصابع الاتهام إلى سلوك زوجته أو حبيبته، حتى لو كانت مظلومة، ويُقدم على قتلها مُجبرًا حتى لو كان غير راغبًا ولا مقتنعًا، قتل المرأة في العصر الحديث لا يكون دائمًا بتصفيتها جسديًا، ربما ذلك يُنهي حياتها مرة واحدة وللأبد ويخلصها من عذاب يومي أكثر قساوة، أما قتلها يوميًا هو العقاب الأشرس لها عندما يتم التضييق عليها ومنعها من الخروج وملاحقتها وتعنيفها.
أما المرأة فربما لا تقتل زوجها بداعي الشرف؛ وإنما بداعي شرخ الكرامة وإهانة أنوثتها، وقد تنتقم بطرق أسوأ بداعي الحبّ المأزوم لا بداعي الشرف المزعوم..
عُطيل ومثله كثيرون في العصر الحاضر لم يجمع الدلائل الكافية لإثبات إدانة زوجته بتهمة الخيانة “المدبّرة” لها. عندما تتناسب مشاعر الغيرة مع حجم ما يُثيرها من قبل المرأة أو الرجل لا يتم استنكارها إطلاقًا، هذا في حال كانت الدلائل واضحة للعيان، ولا تعتمد على الإحساس أو الشائعة ووشاية الخبثاء، والأهم أن لا تخضع للتكهّن والتأويل.
وتعلن الليدي ماكبث ندمها فتقول :” هذه يد، على صغرها، لا تطهرها جميع العطور” .ويختمها ماكبث بالقول: ” وهل تغسل البحار العظيمة كلها هذا الدم ؟! “. وحين تنظر إلى يوليوس قيصر وهو يخطب بأعضاء البرلمان ترى كيف كان أعضاء البرلمان منذ غابر الزمان دمية بيد السلطان؟!
وماكبث مسرحية لشكسبير من التراجيديات الشهيرة للأديب الإنكليزي، تحكي قصة القائد الأسكتلندي ماكبث عندما يغتال ملك إسكتلندا ليحل محله على العرش. وتعد أقصر تراجيديات شكسبير، وكانت قد أنتجت مرارًا كأعمال سينمائية وتلفزيونية ومسرحية.
وفي نظر كثيرين تعد ماكبث من أفضل ما كتبه شكسبير كونها في نظرهم تظهر شخصية ماكبث مرتبطة بالإنسان وتظهر بوضوح نوازع النفس البشرية، وكذلك تبين كيف إن الشر نابع من داخل الإنسان وليس قادم إليه من الخارج.
كما تعد تاجر البندقية من أفضل مسرحيات وليام شكسبير وأشهرها. تدور أحداثها في مدينة البندقية الإيطالية، وتتناول العداء التاريخي بين المسيحية واليهود بصورة تاجر إيطالي مسيحي ومقرض مال يهودي حصل على ثروته من الربا والمال الحرام.
وصف بعض النقاد هذه المسرحية بأنها معضلة بحد ذاتها، وفي نفس الوقت تعبر عن براعة لا مثيل لها يمتلكها الكاتب كونه استطاع أن يجمع بين الكوميديا والتراجيديا والرومنسية في أسلوب درامي مشوق، فضلًا عن التعاطي الغامض مع الاختلافات الدينية في المجتمع.
وتعتبر هاملت من أطول مسرحيات شكسبير وحصلت على انتشار واسع بفضل عدد مرات الطباعة والنشر والتمثيل والإنتاج السينمائي. وتحكي قصة هاملت ملك الدنمارك الذي يسعى للانتقام لمقتل والده الذي كان الملك، ويحصل ذلك في سلسة من الأحداث التراجيدية المترابطة.
لعل شخصية هاملت ذاتها هي ما يجعل المسرحية واحدة من أفضل مسرحيات الأدب الإنكليزي، وهذا بسبب فلسفة هاملت وطريقة تفكيره وآراءه التي تعرض على مدار مشاهد المسرحية، حيث تظهر عبقريته وفلسفته البارعة حتى في المواقف التي يتظاهر فيها بالجنون.
أيضًا من المسرحيات التراجيدية لشكسبير “عطيل “ومسرح أحداثها في البندقية وقبرص، من خلال قصة أربعة شخصيات عطيل الجنرال المغربي في الجيش وزوجته ومساعده وحامل الراية، يناقش الكاتب قضايا النفاق والخيانة والعنصرية والحب والغيرة في إطار درامي تراجيدي. وقد قدمت المسرحية في أعمال مختلفة بين السينما والمسرح، وعلى الرغم من وجود شخصية ذات أصول عربية بين شخصيات المسرحية إلا إن الكاتب لم يتطرق إلى العرب بالرغم مما كان يشاع عنهم في أوروبا بتلك الفترة.
ما يجعل هذه المسرحية من أفضل مسرحيات وليام شكسبير هو انتماءها للمسرح الأخلاقي وغلبة الخير للشر وتعد من أواخر مسرحيات شكسبير التي تتطرق لمواضيع الإرادة الإنسانية وقدرة الفرد. تقع المسرحية في خمسة فصول، ومجمل الرسالة التي سعى شكسبير لإيصالها للقارئ أو مشاهد المسرحية هي إنه على الإنسان أن يتسلح بالعلم والإرادة القوية ليستطيع مواجهة قوى الشر في الحياة المتمثلة في الطمع والجشع وغير ذلك من الأفعال اللاأخلاقية.
و”يوليوس قيصر” من التراجيديات وواحدة من أفضل مسرحيات وليام شكسبير التي ترجمت لمعظم لغات العالم شأنها شأن معظم أعماله الأخرى. وهي مستمده من سيرة حياة يوليوس قيصر وماركوس أنطونيوس، تصور المسرحية النهاية المأساوية للملك الروماني نتيجة المؤامرات والمكيدات التي تحاك ضده وتنتهي بمأساته، وهي تقع في خمسة فصول وكذلك تحولت إلى أعمال سينمائية شهيرة.
وختاماً،هل تعلم أن وليم شكسبير كتب ما يقرب من 30 مسرحية متنوعة ما بين ” الرومانسية، والتاريخية، والمأساوية، والكوميدية”. هل تعلم أنه على الرغم من النجاح الكبير الذي حققه وليم شكسبير إلا إنه لم ينشر له طوال حياته سوى 8 مسرحيات فقط وأول نسخة تمت طباعتها لأعماله كانت في عام 1623.
يعتبر مسرح شكسبير دنيا كاملة بما في الدنيا من مشاعر الحب والكراهية ؛ والطموح والزهد ؛ والوفاء والغدر . ومن هنا فأننا يمكن ان نسمي مجلد الأعمال الكاملة لشكسبير بأسم القاموس السياسي والاجتماعي والنفسي للشعب الانجليزي .
التعليقات

معلومة تهمك

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.