القرد قصة قصيرة

وقوع القرد في الأسر

0 8

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

القرد
قصة قصيرة
محمد الشريف

لا أدري لماذا يريدون حبسي لقد تعبت من الهرب، كل بناء عشيرتي وقعوا في الأسر ولم يعد في هذه الغابة غيري، أتذكر ذلك اليوم الذي قبضوا فيه على أبي وأمي وإخوتي وقيدوهم بالسلاسل وظلوا يضربونهم بأشياء كالعصا ولكنها ليست كالعصي التي أعرفها، فكل شيء في الدنيا أصبح يسير بالموجات والإلكترونات، أحيانا أراهم يظهرون فجأة ثم يختفون، ولولا العناية الإلهية لقبضوا عليَّ منذ زمنٍ بعيد.
ظللت أهرب من الوديان إلى الجبال عبورا بالسهول والمروج الخضراء حتى وجدت أن أفضل مكان يمكنني الاختباء فيه هو الغابات نظرا لكثافة الأشجار التي تظلُّني تحت ظلِّها الكثيف فتحجب أجهزتهم الحديثة جدا عن رصدي والإيقاع بي، لا أعلم أين ذهبوا بأهلي وفصيلتي فكل ما أعرفه أنهم يحتجزونهم في مكانٍ ما أو ربما قتلوهم جميعا فهم متوحشون وغايتهم هي القضاء على أمتنا بحجة أننا قرود، حتى ولو كنا قرود أليس للقرود حقوق، إن الإنسان المتحضر يدعي أن للحيوانات حقوقا أو هكذا يدعون، ولكنهم يعاملون كل الحيوانات برفق ولين أما نحن فيقتلوننا ويأسروننا ويستبيحوا كل شيءٍ ينتمي لنا أو ننتمي له.
الليلة كل شيء في الغابة ساكن، السماء كما هي منذ آلاف السنين ليس بها جديد إلا شهب تهبط وتصعد ذهابا وإيابا من الأرض إلى السماء، ولقد فهمت أنهم استطاعوا بناء مستوطنات للطبقة الراقية منهم في الفضاء، يذهب إليها علية القوم في سفن فضاء أو في صواريخ خاصة لهم ليقضوا إجازة نهاية الأسبوع، أو ليحتفلوا في هذه المستوطنات الفضائية بأعيادهم، وبعضهم يذهب إلى هذه الأماكن للاستثمار في الثروات المعدنية الهائلة من المعادن النفيسة الموجود على الكثير من الكواكب المنتشرة في الفضاء.
أنا لا أحب حياتهم وأشتاق إلى عائلتي وقومي وسأظل متمسكا بعادات قومي الأصيلة وأفتخر بها حتى آخر لحظة من حياتي، أتذكَّر أنَّ ثلاثة من أبنائهم المراهقين أمسكوا بي منذ عامٍ، واستطاع اثنان منهم تقييدي بواسطة جهاز صغير لا أعلم ماهيته، وظلا يجرَّاني ويعبثون بي لعدة ساعات، ولكن الشاب الثالث وكان عليه سمت السكون والوقار، لم يكن يفعل كما يفعلان بي، كانا يناديانه (ماركس)، كان ماركس ينهاهما ويقول لهما: لا تفعلا به هذا فقد يكون إنسانا، ولكن المراهقين كانا ينهرانه ويقولا له: يا ماركس، ليس إنسانا إنه أحد أنواع القرود المتطورة لدرجة أنها تشبهنا في الشكل وكذلك يمكنها التحدث معنا، أنسيت ما درسناه في علم الأحياء يا ماركس؟!
فقال لهما ماركس: هل يمكنني أن أتحدث إليه قليلا، فغضبا من ذلك وقالا له سنتركه لك يا ماركس وسنذهب لاستدعاء شرطة القرود للقبض عليه، واحذر أن تفكه من المجال المغناطيسي الذي قيدناه به، وسنترك لك صاعق القرود إذا حاول الهرب فأطلق عليه موجة صاعقة سيتفحم في الحال، إنها كائنات لا قيمة لها، وأصبح وجودها عبءً ثقيلا على الطبيعة.
ذهب الشابان في ذلك اليوم وتركا ماركس معي، فاقترب مني وقال لي، قل لي يا هذا، هل أنت قرد كما يقولون؟ فقلت له أعتقد أن لك عقلا حكيما يا صديقي، أتراني قردا أم إنسانا؟ وكيف يمكن لقرد أن يتحاور ويفكِّر، أنا إنسان يا ماركس، ولكن الأطماع البشرية سلبتني إنسانيتي، قال ماركس: كذبت أيها القرد لست إنسانا ولو كنت بشرا ما وصل بك الحال إلى هذا الانحدار، وكيف تكون إنسانا وكل تصرفاتك تشير إلى حيوانيتك وضىآلة فكرك وتخلفك؟! أتعلم أشفق عليك ولقد علمت أنك آخر فصيلتك؛ لذلك ولكي لا أكون سببا في انقراض جنسك سأفك قيدك المغناطيسي وأتركك تذهب إلى بيتك، قلت له: وأي بيتٍ تقصد؟! قال لي: الغابة أيها القرد. وبعد أن فك قيدي قلت له: أريد منك معروفا لن أنساه أبدا، أخبرني أين قومي وكيف أصبح حالهم؟ قال: لقد أرسلهم علماؤنا إلى الفضاء ولم يتبق إلا النساء نستخدمهم كأرحام صناعية ليجري عليها علماء( البيوتكنولوجي) التجارب. فتجمدت أطرافي وقلت له: لماذا أرسلوهم إلى الفضاء؟! قال لي: إنها صفقة عقدها علماؤنا مع علماء الكائنات الفضائية لإجراء فحوصات على القرود الأكثر تطورا والتي يعتقد أنها آخر سلسلة في تطور الكائن البشري. ثم قال لي: لقد ازدادت شفقتي عليك لبؤسك وشقائك؛ لذلك سأدلك على الموطن الأصلي لفصيلة القرود التي تنتمي إليها، سر في اتجاه هذا النجم، وأشار ماركس إلى نجم بعيد خافت لا يكاد يُرى وكأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة، ثم قال لي: هيا اذهب بسرعة فساعتي تشير إلى أنهم قادمون.
وأنا منذ ذلك اليوم أتنقل بين الغابات ليلا متبعا لذلك النجم والذي تمر الليالي العديدة أحيانا دون أن أراه، ثم يظهر لعدة ليالٍ ويختفي أخرى، ولقد رأيته الليلة شاحبا كأن عليه صفرة الموت، فهل سأصل إلى موطن آبائي وأجدادي قبل أن يموت النجم؟ لا لا لن أيأس سأجري بأقصى طاقتي في هذه الليلة فلعلها تكون الأخيرة.
ما هذا لقد وصلت إلى مكانٍ غريب وكأنه متحف مفتوح عليه لافتة مكتوبٌ عليها بلغات عديدة ومنها لغتي، الموطن الأصلي للقرد عرابيا، الآن فهمت.

معلومة تهمك

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.