الإرادة في رمضان

0 39

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

الإرادة في رمضان

كتبته: وجدان عوض
باحثة في علم النفس والدراسات الإسلامية

علمنا اباؤنا الصيام منذ الصغر ولم نكن في سن التكليف بالعبادات ولكن تطبيقا لقول التعليم في الصغر كالنقش على الحجر، أي يكون ثابت قوي لا يستطيع احد أن يمحيه بسهولة، ونحن بدورنا قمنا بتعليم أولادنا تعليم الصيام وهم صغار سواء كان الجو حارا او باردا.
ففي الصيام تعلمنا ان نفطم أنفسنا عن ما لذ وطاب من الطعام والشراب والشهوات الجسدية والنفسية وهي في متناول يدنا و امام اعيننا، ويستمر ذلك شهرا كاملا من طلوع الشمس إلى مغربها.
هذا يجعل الصائم يخرج من صومه ذوارادة قوية حازمة، فإن الله سبحانه وتعالى منع الحلال والمباح أثناء الصيام وهو المأكل والمشرب والشهوات المباحة لا ليعذبنا ولكن ليهذبنا ويقوي به ارادتنا، فإذا تمرن الإنسان على ترك ما هو ضروري للحياة أثناء الصيام سهل عليه ترك المعاصي والذنوب والتي هي في الأساس ليست من الضروريات للحياة والتي تكون مؤذية وجالبة للهم والغم والنكبات.
فيا أيها الصائم اذا تركت الطعام والشراب والشهوات المباحة أثناء الصيام تنفيذا لأمر الله تعالى راجيا عفوا رحمته ورضاه فالاولى لك ترك المعاصي والآثام في رمضان وفي غيره امتثالا لأمر الله ايضا ،فانت بهذه الإرادة تكون أشد صبرا وعزيمة على ترك كل ماهو قبيح ومجانبه الحرام ،وتلك حكمة من حكم الله في تشريع الصوم.

معلومة تهمك

يقول النبي صلى الله عليه وسلم “من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه”
ويقول عمر ابن الخطاب رضي الله عنه “ليس الصيام من الطعام والشراب وحده ولكنه من الكذب والباطل واللغو والحلف”
الصيام فريضة ربانية أوجبها الله سبحانه وتعالى على عباده في كل زمان ومكان بداية من نوح عليه السلام الى خاتم المرسلين فقد اتفقت الشرائع السماوية كافة على عبادة الصيام قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) ( البقرة – 183).
وقال تعالي “رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ۖ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ۗ وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ” ( ال عمران- 41)
فقد أمر الله سبحانه وتعالى سيدنا زكريا ألا يكلم الناس ثلاث ليال مع أنه سوي صحيح يستطيع الكلام ، فالامتناع عن الكلام رغم المقدرة عليه أمر صعب فقد يسمع الانسان كلاما أمامه يستدعي الرد عليه ولكن تنفيذا لأمر الله يكتم ذلك ولا يتكلم.
وقال تعالي : “فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا” ( مريم – 26)
أي أن السيدة مريم نذرت للرحمن صوما أي إمساكا عن الكلام في شأن الولد وغيره فقد كانت السيدة مريم في موقف صعب للغاية حيث أتت لقومها بولد ولم تكن متزوجة فكيف تصوم عن الكلام وقد تتعرض لاستفزازات كثيرة وأسئلة تتطلب الرد عليها و من المؤكد انها تعرضت لاتهامات وكلام جارح ومهين يستدعي الرد ولكن امتثالا لأمر الله قالت لن اكلم اليوم انسيا.

يستلزم هذا ارادة وعزيمة قوية ، فالصيام أعظم مرب للإرادة وكابح جماح الأهواء .
فالإرادة معناها أن تريد شيئا وتقرر اختياره وتصر على تنفيذه حتى تنجح في الوصول إليه في النهاية.
بالاراده يكون الإنسان حر في حياته بحيث لا تستعبده شهوة ولا تقهره عاطفة ولا يتحكم في مصيره إنسان وهكذا يكون سيد نفسه.

والصوم يقوي الإرادة من ناحيتين اولا: الصوم يحد من طغيان الجسد على الروح، والمادية على الإنسانية ، والعبودية على الحرية، وترويض الإنسان على قول (لا) في الوقت والمكان المناسبين , ثانيا: تغيير العادات التي تعود عليها الإنسان، حيث طوال العام يسير على نهج معين في الماكل والمشرب وكل نواحي الحياة، لياتي الصيام شهر في العام ليغير هذه العادات إلى التزام الفرد ب مواعيد الأكل والشرب والنهي عن الاقتراب من الشهوات أثناء الصيام ،فتغيير هذه العادات فرصة لتغيير عادات سلبية ومضرة في غير الصيام أيضا ،كالتدخين وتعاطي المواد المخدرة فمن يستطيع منع التدخين طوال نهار رمضان أو منع تعاطي المواد المخدرة طوال نهار رمضان يستطيع بعد انتهاء الشهر ان يكون هيأ نفسه وجسده الامتناع عن هذه العادات والمواد المضر ة.
فمن خصائص الصيام أنه يربى في النفس قوة الإرادة والصبر على الشهوات المباحة، وإذا علمنا أن أكثر الفساد والاضطراب في حياة الناس إنما يأتي من ضعف الإنسان أمام شهواته وأهوائه أدركنا ما للصوم من أثر بعيد في حركة الإصلاح والتطهير وتكوين المجتمع المثالي.

فلا يزال الصائم يروض نفسه علي الصبر حتي تصير عادة ، فالصوم عبادة خفية لا يطلع عليها إلا الله تعالى ، فالصائم يدع طعامه وشرابه وشهوته امتثالا لأمر الله سبحانه وتعالى ، فلا رياء في الصوم ولذلك قال الله تعالى في الحديث القدسي” كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به”
فالصوم في رمضان هو إبراز لاستقلال الإرادة وتحرر الصائم من قيود الشهوات والعتق من الغرائز ومكايدها، والتحرر من الخضوع لأي قوة من دون الله سبحانه وتعالى مهما بلغت.

معلومة تهمك

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.