الحلقة الثانية والعشرون من كتاب “قلعـة النـسـور”

الفصل الثالث

0 2

معلومة تهمك

الحلقة الثانية والعشرون من
كتاب “قلعـة النـسـور”
للكاتب والمؤرخ العسكرى
د.أحمد على عطية الله

من اصدارات الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2014
(تابع ) الفصل الثالث
نسور الجو المصريون
فى حربى الأستنزاف وأكتوبر المجيدة
ثالثا: أبطال الميج 21
لواء طيار أحمد كمال المنصورى
الطيار أحمد كمال المنصورى طيار فذ أكتسب صيتا وشهرة كبيرة بين الطيارين المصريين والفنيين والجنود بالقواعد الجوية المختلفة والأسراب التى عمل بها… ليس هذا فقط بل تعدت شهرته الأجواء المصرية ليخشاه طيارو العدو ويتجنبوا منازلته .. فياترى ماالأسباب التى دعت إلى ذلك؟

“المنصورى” إسم رنان بين طيارى المقاتلات ، وفى معظم قواعدنا الجوية فى طول مصر وعرضها .. تعرفت عليه منذ عامين جمعتنا عديد من اللقاءات بمجمع النسور، والمتحف الحربى بالقلعة ،وبانوراما حرب أكتوبر بمدينة نصر ، وفى مقابر الشهداء بالخفير، وفى منزله..
وعندما حان الوقت لأكتب عنه لم تسعفنى مفردات اللغة فى إعطائه حقه ووصفه كما ينبغى ..
فهو مصرى صميم حتى النخاع وإن بدت ملامحه أوروبيه ببشرته الساطعة البياض وعينيه الزرقاوان شديدتا الصفاء ..
محب غيور على مصر وكرامتها وشرفها..
عاشق للطيران منذ أن كان بروضة الأطفال ..
شديد الأيمان والثقة بالنفس حريصا على الموت حرص غيره على الحياة..
شديد الأتزان ورباطة الجأش فى أحلك المواقف وأشدها خطورة..
مغامر.. جسور.. لا يخشى فى الحق لومة لائم ..
شائت ظروفه أن يواجه رؤساء مصر جميعهم ..
وبالطبع إنسان بتلك الصفات لم تكن حياته سهلة سلسة بل كانت سلسلة متواصلة من الأزمات ، والعقبات، والنجاحات ، والاخفاقات.. سنتعرف عليها من البداية ..
أسمه أحمد كمال عبد الحميد المنصورى وشهرته المنصورى لأن والده أصوله ببلدة شربين محافظة الدقهلية ، والمنصورى من مواليد حى مصر الجديدة بالقاهرة فى السادس من فبراير عام 1946 .. تلقى تعليمه بمراحل التعليم المختلفة بمدارس مصر الجديدة ، وشهدت مرحلة الروضة بداية حبه للطيران ففى روضة أطفال الأمير عبد المنعم بمصر الجديدة والتى كان يجاوره فى المقعد المجاور طفل يهودى إسمه صفوت شلهوب إبن تاجر أقمشة مصرى ، وخلفه مباشرة طفل فلسطينى من عائلة أبو لبن وهى من العائلات الشهيرة بنابلس بفلسطين .. وكان الطفل اليهودى يحكى للمنصورى عن جده الشاويش الطيار بسلاح الطيران الأنجليزى أبان الحرب العالمية الثانية ، ويقص عليه القصص حتى أصبح المنصورى شغوفا بالطيران وأستغل الطفل اليهودى ذلك ووعده أنه يمكن أن يجعله يركب إحدى هذه الطائرات عند جده لو تخلى له عن مصروفه اليومى وكان 5 مليمات يعطيها لزميله اليهودى يومياً على أمل أن يفى بوعده ولكنه بالطبع لم يفى به.. وعلمت والدة المنصورى بقصة إستغلاله فعاقبت إبنها عقاباً مؤلماً كى لا يسمح لأحد بأستغلاله .
كان والد المنصورى ضابطا بالجيش المصرى برتبة الصاغ(رائد) ضمن تنظيم الضباط الأحرار وفى ليلة ثورة 23 يوليو 1952 كان ضابط عظيم الكلية الحربية الملكية وأسندت إليه مهمة التحفظ على قيادات الجيش المصرى والوزراء وعلى رأسهم الفريق حيدر باشا وزير الحربية ( خال المشير عبد الحكيم عامر) وقد نفذ المهمة مما كان له جليل الأثر فى نجاح الثورة .
ولقرب المنصورى من قاعدة ألماظة الجوية التى لا تبعد عن منزله سوى عدة عشرات من الأمتار فقد شاهد من حديقة منزله وهو فى السادسة من عمره أسراب الطائرات المصرية التى أقلعت لتحلق فوق سماء القاهرة أحتفالاً وتأيداً للثورة .. وتعلقت عيناه بالسماء منذ تلك اللحظة .
أختير المنصورى عام 1954 وهو فى المرحلة الأبتدائية فى أحد الأحتفالات بأعياد الطفولة بجمعية الطفولة بالمعادى لكى يصافح اللواء محمد نجيب أول رئيس لجمهورية مصر العربية وفى الحفل وقف المنصورى كما طلب منه أمام الرئيس فى ثبات وقدم التحية العسكرية فصافحه الرئيس محمد نجيب وسأله :
* هل تعرف شعار الثورة ؟
فأجاب المصورى بثقة :
* الاتحاد والنظام والعمل
فسر اللواء محمد نجيب وكتب فى أتوجرافه هذه الكلمات:
* ياسيد أحمد المنصورى ذاكر دروسك لتكن رجلاً مفيداً لوطنك ، ووادى النيل السعيد .

معلومة تهمك

وعندما كان فى العاشرة من عمره شاهد بعينيه مع أول ضوء فى الصباح طائرات العدوان الثلاثى البريطانى الفرنسى الاسرائيلى تغير وتقصف قاعدة ألماظة القريبة من منزله عام 1956.. ومنذ ذلك الحين تولد لديه الكره الشديد للكيان الصهيونى العنصرى البغيض ، والرغبة الشديدة فى الثأر والأنتقام وزاد إصراره على أن يصبح طياراً مقاتلاً يثأر لبلاده من العدو الغاشم .
أنهى المنصورى دراسته الثانوية عام 1962 فقدم أوراقه للألتحاق بكلية الطيران وكانت سعادته غامرة حين تم قبوله طالباً بالكلية ضمن الدفعة 16 .. وحيئذ أبلغته إدارة الكلية بخبر زلزل كيانه وهو الشاب الصغير المقبل على الحياة.. بناء على تعليمات جهات أمنية عليا بالقوات المسلحة لا يتم قبوله الكلية ويقاد إلى السجن الحربى ومرت الأيام ولا تعلم أسرته عنه شيئا والمنصورى مازال سجينا حتى علمت أسرته من بعض زملائه وعلموا أنه بالسجن لدواعى أمنية بسبب إتهام عمه بالقضايا التى تخص جماعة الاخوان المسلمين ..
خرج المنصورى من محبسه بعد شهرين دون أن يفقد إيمانه أو أمله فما كان منه إلا أن تقدم ليعيد إمتحان الثانوية العامة مرة أخرى طمعا فى الحصول على مجموع أعلى يتيح له الألتحاق بإحدى الكليات العملية ، ونجح الطالب وبدلاً أن يقدم أوراقه للجامعة لم يستطع أن يتغلب لعشقه للكلية الجوية وبالفعل تم قبوله طالبا بها بالدفعة 18 وللمرة الثانية وقبيل إنهاء عامه الأول (الأعدادى) بالكلية الجوية يأتى خطاب إلى إدارة الكلية بأخلاء طرفه ولكنه لم يوقع على إخلاء طرفه وذهب حزينا إلى منزله.. وهنا تدخلت الوالدة الحنون للتخفيف عن ولدها وجلوسه حزينا بالمنزل ولكن تدخلها جاء بصورة عملية ، ولما كانت الوالدة رئيسة مجلس آباء مدرسة مصر الجديدة الثانوية وهى المدرسة التى كانت تضم بنات المشير عبد الحكيم عامر وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة فقد صاحبتهم فى سيارتهم حتى منزلهم بالجيزة والذى أنتقلوا إليه بعد ترك مسكنهم القديم فى الحلمية وإن أستمروا بنفس المرسة وفى المنزل قابلت زوجة المشير التى أحسنت إستقبالها وإستمعت إليها وأصرت على أن تشاركها طعام الغذاء وجلست معها فى إنتظار نزول المشير من غرفته بالدور الأعلى أثناء ذهابه لمقر الوزارة .. وعندما شاهدته حكت له ما حدث لولدها وكان المشير رجلاً دمث الخلق إستمع لها بإنصات حتى عندما إنفعلت قائلة :
* إبنى طالب طيار وإذ لم يعد للطيران مرة أخرى لن يحدث خيراً.
فرد عليها المشير:
* لن يحدث خيرا لمن يا ست؟
فأجابته :
* لن يحدث خيرا لى أنا شخصياً كأم لهذا البطل ( كانت تلقب نفسها ” أم البطل ” ) .
وهنا ضحك المشير وطمئنها أن كل شئ سيكون على مايرام وسيعود إبنها للطيران.
وفى اليوم التالى صدر تصديق من المشير عبد الحكيم عامر بأستمرار الطالب طيار أحمد كمال المنصورى بالكلية . . ولكنه لم يلحق بأمتحان هذا العام فكان ضمن الدفعة التالية 19 طيران .
وفى المرحلة الثانية من الدراسة بكلية الطيران ( المرحلة المتوسطة) كاد أن يفصل مرة أخرى حدث ذلك عندما أتم الطيران لعدد معين من الساعات بالطائرة الجمهورية وسمح لهم بالطيران منفردين بدون المعلم فى دائرة معينة حول مطار بلبيس وكان للمنصورى جاراً صديقاً كان زميلاً له بالمرحلة الثانوية وزميلاً بعامه الأول بالكلية الحربية التى يتلقى فيها الطيارون الدراسة النظرية قبل توجههم للطيران بالكلية بانشاص وهو صفوان الحلوانى .. ولظروف التعثر التى لاقاها المنصورى تخرج زميله من الكلية الحربية ملازما بسلاح المدرعات وخلال إحدى الأجازات عرف منه أنه بمنطقة الهايكسب فما كان من المصورى إلا أن إنطلق بطائرته الجمهورية من بلبيس صوب الهايكستب للطيران منخفضاً فوق موقع زميله بغرض التحية وفعلا فوق الموقع كانت الدبابات تقوم بتدريباتها حوله ولأمر ما أضطر المنصورى للهبوط إضطراريا على الرمال فى هذه المنطقة بعد أن توقف محرك طائرته .. وقابل زميله وتصافحا .. ووقف المنصورى بجوار طائرته التى لا يمكنها الاقلاع إلا طبقا لتجخيزات معينة غير متوفرة .. وبدأت الشمس فى الميل للغروب .. وعادت طائرات زملائه للقاعدة إلا طائرته فبدأت رحلة البحث عنها .. مع آخر ضوء شاهد المنصورى إحدى طائرات التدريب بالكلية من طراز الياك تحلق فوقه فى دورات فتيقن المنصورى أنه لا بد أن يكون أحد الضباط المعلمين بالكلية جاء لمعاونته فوقف بعيداً بعض الشئ من الطائرة معطيا إشارات الهبوط .. وبعد تردد هبطت الطائرة وتوقفت أمامه وكانت المفاجأة .. أن من هبط من الطائرة كان العقيد جمال فرغلى كبير معلمى الطيران بالكلية الجوية الذى بادره بالسؤال :
* إيه اللى حصل ؟
* الماكينة بطّلت أثناء عمل بعض الحركات البهلوانية الجوية .
* طيب إبقى قابلنى لو شوفت الأسفلت .. ( وهو تعبير يقال عند الحرمان من الأجازات).
* تمام يا أفندم .
وصعد العقيد جمال إلى كابينة طائرة المنصورى لأدارتها بعد أن طلب من تلميذه أن يدير مروحة المحرك يدوياً عكس الاتجاه بعد أن وضع بعض قطع الحجارة أمام عجلات الطائرة .
وسمح القائد لتلميذه أن يصعد للطائرة الجمهورية بعد أن دار محركها ويقودها عائدا إلى الكلية وهو خلفه بالطائرة الياك.
ومرت تلك الحادثة التى كان من الممكن أن تطيح بآمال هذا الشاب وتؤدى إلى فصله من الكلية بسلام بعد أن توسم فيه كبير المعلمين مشروع طيار موهوب لمقدرته على الهبوط الأضطرارى بمنطقة صحراوية والحفاظ على سلامته وسلامة الطائرة وكانت تلك هى البداية الحقيقية لهذا البطل .
وفى المرحلة الثالثة والنهائية من الكلية كانت قد صدرت تعليمات المشير عبد الحكيم عامر بضرورة حصول الطيارين على فرقة صاعقة بمدرسة الصاعقة من أجل المزيد من الصلابة وقوة التحمل فأجتاز المنصورى هذه الدورة الشاقة بنجاح منقطع النظير وحصل على المركز الأول ولا زال يتذكر معلم الصاعقة الذى دربه وكان الرائد أحمد رجائى عطية الذى كان فيما بعد أحد الأبطال البارزين بمجموعة العمليات الخاصة 39- قتال التى قادها البطل الفذ إبراهيم الرفاعى .
وجاء موعد التخرج .. وتخرجت دفعته الشهيرة ذات الـ 100 طيار وهى دفعة ذات عدد غير مسبوق ولم يتكرر أن تخرجت دفعة طيارين بلغ عددهم المائة أطلق عليها الدفعة المحظوظة التى جائت مع موعدها مع القدر وكان طياروها هم أتون المعارك التالية ، وكان الفضل فى تخريج هذه الدفعة يعود لكبير معلميها العقيد جمال فرغلى الذى أصبح قائدا لمطار العريش عقب ذلك.
تخرجت تلك الدفعة فى الأول من يونيو عام 1967 وحضر حفل التخرج المشير عبد الحكيم عامر وجاء ترتيب المنصورى الخامس على الدفعة والأول فى الطيران وأثناء مصافحة المشير لأوائل الدفعة عرفه المنصورى بنفسه أنه هو نفسه الطالب المفصول الذى أعاده إلى الكلية فربت المشير بفخر على كتفه وقال :
*أنتم الدفعة المحظوظة التى جائت فى موعدها مع القدر .
عقب التخرج لم يعد الطيارون إلى منازلهم بل ذهبوا إلى التشكيلات وكان موقع المنصورى ضمن مقاتلات الميج – 17 وقبل أن نتعرض لحياته العسكرية الحافلة بصور البطولة والتضحية والفداء.. نلقى نظرة سريعة على ما قاله قادته عنه فى تقاريرهم السرية والمصدق عليها من رؤسائه المباشرين ثم من كبار القادة منذ أم كان طالباً بالكلية الجوية وحتى نهاية خدمته بها :-

  • عام 1967 ملازم طيار : يعتمد عليه –طيار كفء .
    *عام 1968 ملازم طيار : يقوم بواجبه على الوجه الأكمل.
  • عام 1969: ظهر بمظهر لائق أثناء الأشتباك مع العدو.
  • عام 69 – 70 : تقدير جيد – يبذل مجهود كبير أثناء الطيران .
  • عام 70 – 71 : تقدير جيد – كفء – يعتمد عليه – منتظم فى عمله – هادئ.
  • عام 71 – 72 : تقدير جيد – عظيم الفائدة لوحدته – ذكى – متزن – مدرس كفء .
  • عام 72 – 73 : تقدير جيد جداً – شجاع ذو روح معنوية عالية تتناسب مع مستواه- ممتاز ويعتمد عليه .
  • عام 73 – 74 : ممتاز عظيم الفائدة سواء فى التدريب أو العمليات وقد أظهر فيها بطولة وأمتياز – ظهر بمظهر ممتاز كقائد سرب .
  • ومن عام 77- 82 : طيار كفء وقام ببعض واجبات قائد السرب على أكمل وجه – على خلق – محبوب من مرؤسيه – يتقدم بإستمرار ويبذل مجهوداً مشكوراً لرفع شأن وحدته – حسن التصرف لايشغل قائده بتوافه الأمور – مقاتل شجاع – كفء يعمل على رفع شأن وحدته

ولنعد للطيار الحديث التخرج بقاعدته الجوية لنشاهد معه أعجب وأغرب واعقد وأخطر المواقف .. ونعد بالتاريخ إلى يوم الخامس من شهر يونيو عام 1967 ولم يكن قد مضى سوى أربعة أيام على تخرج المنصورى ، وبالتحديد التاسعة من صباح هذا اليوم وكان قد تناول الافطار مع زملائه الطيارين وخرجوا لأداء مهامهم الروتينية وإذا به يفاجأ بسرب من أربع طائرات فوق رؤسهم وقبل أن يفيقوا من المفاجأة والحيرة لمعرفة طبيعة هذا السرب وكيف ولماذا جاء .. كان قصف هذا السرب لقاعدتهم قد بدأ ولم تكن مقاتلاتنا المتراصة فى صفوف على أرض القاعدة فى إحتياج لكثير من القصف فكان يكفى إصابة طائرة واحدة بأول الصف فتشتعل بها النيران لما تحويه من ذخائر ووقود حتى تنتقل النيران والانفجارات إلى باقى الطائرات .. ولم تمضى أكثر من خمس دقائق حتى تكشف حجم الدمار الذى حدث بالقاعدة .. وفقدت مصر سلاحها الجوى .
ولكن مصر الصلبة القوية الأبية بأبنائها البواسل بعد أن لعقت جراحها أصرت على رد الأعتبار.. وقبل مضى شهر من إنتهاء معارك 1967 قامت القوات الجوية بما جمعته من أعداد قليلة من طائرات نجت من القصف وبما أستطاعت الحصول عليه من الجزائر الشقيقة وبما أمكن الحصول عليه على عجل من الأتحاد السوفيتى بالأغارة بكل ماتملكه من طائرات على العدو الاسرائيلى بسيناء على مدى يومى 14 ، 15 يوليو ولم يكن قد مضى شهراً على إنتهاء معارك الخامس من يونيو ، وقد شارك المنصورى فى هذا الهجوم ولم يكن قد تعدى بعد 17 ساعة طيران على طائرات القتال فى الوقت الذى يلزم الطيار لكى يشارك فى المعارك 100 مائة ساعة طيران ولكنهم نسور مصر البواسل .. وهاجم المنصورى قوات العدو فى سيناء مع زملاءه بكل قوة وجرأة وعزيمة وتصميم وكانت الأوامر ضرب كل شى يتصل بالجيش الاسرائيلى على أرض سيناء فقصفوا المدرعات ، والمجنزرات ، وقطع المدفعية ، وتشوينات الذخيرة ، وعربات الامداد ، وتجمعات الجنود وكل شئ وجدوه أمامهم مما أصاب العدو بالذهول والشلل التام فقد باغتتهم القوات الجوية المصرية فى وقت نشوتهم بنصرهم المزيف ، وإعتقادهم أن الطيران المصرى قد إنتهى .. وكان من نتيجة هذا القصف الجوى المصرى أن أمر موشى ديان قواته بالأنسحاب إلى خط الممرات حيث تحتفظ هناك بالمجهود الأكبر لقواتهاالبرية محتمية بهذه المنطقة ومبتعدة عن منطقة القناة .
كانت الفترة التالية لهذه المعارك فترة شاقة على الطيارين فكانوا مكلفين بأكثر من تكليف .. عمل مظلات جوية فى الجو للتصدى لأى هجوم جوى للعدو .. الطيارين الذين ليسوا فى الجو فى حالة طوارئ بقواعدهم الجوية حالة أولى مربزطون بمقاعدهم بكبائن طائراتهم لمدة ثلاث ساعات متصلة ..أو منتبهين بجوار طائراتهم إذا كانوا حالة ثانية .. بالأضافة إلى تدريباتهم اليومية .. وفوق ذلك كله كان المنصورى يتلفى فرقة تدريبية على الطائرة الميج -21 التى برع فى قيادتها .
كانت قواعدنا الجوية خلية من النشاط والعمل الدؤب لاتنقطع عنها صوت زمجرة محركات الطائرات النفاثة .. وإلى جانب جهد الطيارين ومعاونيهم من مهندسين وفنيين الصيانة والتموين كان هناك جهد موازى من شركات التشيد والبناء التى كلفت بتشييد ملاجئ ودشم خرسانية لحماية الطائرات يبلغ حجم الملجأ الواحد حوالى 30 متر طولاً ًَ* 20 متر عرضاً * 10 أمتار إرتفاعاً من الخرسانة المسلحة السميكة التى تتحمل إنفجار أضخم قنابل العدو وذات بوابات ضخمة من الصلب تسمح بمرور الطائرة إلى الخارج .

إنتقل المنصورى إلى تشكيلات الميج – 21 بعد أن أثبت كفائته عليها وتنقل بين قواعدنا الجوية فى كل أرجاء مصر حتى أنه إنتقل 6 مرات خلال عام واحد.
وبدأ الأتحاد السوفيتى إمداد مصر بالأسلحة وبالطائرات ولكن بشروط مجحفة وكانت القيادة مضطرة للقبول فبعد أن كان الروس فى الماضى يسارعوا لتلبية إحتياجات مصر من السلاح بشروط ميسرة وتسديد السعر بالأجل ومن محصول مصر من الأقطان إذا بهم يطالبون:
* بتسديد واردات مصر من السلاح نقداً وقامت السعودية والجزائر بالتعاون فى هذا البند .
* كما أشترط الروس أن توقف مصر برامجها فى تصنيع الأسلحة ، وكان أهم هذه البرامج إنتاج طرازين من الطائرات النفاثة القاهرة 200 والقاهرة 300 وقد أجريت عليهما تجارب طيران ناجحة حتى أن المنصورى قبيل تخرجه طار فى تدريبات الطيران على القاهرة 200، هذا إلى جانب تصنيع مصر لثلاثة طرز من الصواريخ أرض أرض كانت فى المرحلة النهائية من الأنتاج وهى مرحلة وضع أجهزة التوجيه ، وقام الفريق محمد فوزى بتنفيذ هذا البند .
* وكان الشرط الثالث أن تأتى الطائرات الروسية الجديدة بأطقمها من الطيارين ، وكذلك تأتى بطاريات الصواريخ المضادة للطائرات بأطقم روسية . حتى بلغ عدد الخبراء الروس العسكريين فى مصر 18 ألف خبير روسى .
ومن العجيب أنه عقب حرب يونيو 1967 تلقت إسرائيل 2مليون مهاجر روسى بشرط أن يقضوا عامهم الأول مجندين بجيش الدفاع الاسرائيلى ولا يخفى الأصل الروسى لرئيسة الوزراء الأسرايلية جولدا مائير التى علقت على تواجد الخبراء الروس كطيارين فى مصر بقولها :
* نعلم أن إخواننا السوفيت بمصر ، وأنا من أصل روسى ، ولكن إذا أراد إخواننا السوفيت معرفة آخر وأفضل فنون القتال الجوى فنحن على إستعداد .
إلى هذا الحد بلغ الغرور بالكيان الصهيونى للدرجة التى جعلته يتحدى الآلة العسكرية للقوة العظمى الثانية فى العالم .
كان المنصورى يشعر بالألم من تواجد السوفيت فى الطائرات الجديدة التى إشترتها مصر منهم حديثاً فى حين يستعمل الطيارون المصريون الطائرات الأقدم والأقل كفاءة ، كما لم يخلو الأمر عند زيارة قادة القوات الجوية السوفيت للقواعد الجوية المصرية من سيل من التوبيخ والاتهامات للطيارين المصريين كإتهامهم بعدم الكفاءة وعدم المقدرة على إستيعاب الأسلحة الحديثة … الأمر الذى جعله يطلب الكلمة أثناء زيارة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر لقاعدتهم بإنشاص وكان لا يزال ضابطاً صغيراً برتبة ملازم أول فقال بإنفعال الشاب المخلص والغيور على وطنه :
* يا فندم موش عايزين طيارين روس .. وإلا نروح نتحجب ونلبس طرح ونقعد فى بيوتنا أحسن .
وبقدر شدة النقد اللاذع كانت شدة العقاب .. شهور قضاها بالسجن الحربى ، وما كان ليخرج لولا تولى الرئيس السادات الحكم بعد وفاة عبد الناصر وعلم أن هناك عدداً من الطيارين بالسجن فأمر بالأفراج عنهم للأستفادة من مجهوداتهم فى المعركة المرتقبة .

أثناء إستعداد قواتنا الجوية فى تدريباتها المستمرة صدرت تعليمات من عبد الناصر بناء على توصية من قائد القوات الجوية بتجنب المقاتلات المصرية الأشتباك مع الطائرات الاسرائيلية التى تخترق مجالنا الجوى لعمق 30 كيلومتر مالم تبادر بالهجوم على قواتنا ، أو تتعدى هذا العمق وذلك من أجل الحفاظ على طائراتنا وطيارينا لفرق الأمكانيات فى صالح طائرات العدو الغربية ، وربما للتعتيم على الطيار الأسرائيلى من معرفة مدى ما وصل إليه الطيار المصرى من قدرات قتالية ومهارات عند الأشتباك. والتزم طيارونا على مضض بهذا الأمر .. غير أنه فى إحدى هذه الأختراقات أقتربت طائرتان إسرائيليتان من إحدى القواعد التى كان يتواجد بها طيارون روس .. ومن أجل إثبات جدارتهم أقلعت 8 طائرات روسية بطيارين روس فى مطاردة لهاتين الطائرتين فى إتجاه الزعفرانة على البحر الأحمر جنوب مدينة السويس . . وهناك كانت المفاجأة من كمين لطائرات العدو كانت تطير على إرتفاع منخفض فى تلك المنطقة تصدوا للطائرات الروسية فأسقطوا خلال معركة سريعة لم تستغرق سوى عدة دقائق 5طائرات روسية قتل طياريها قبل أن يتمكنوا من الهبوط بالمظلة فى حين أصيبت الطائرة السادسة وبالكاد تمكنت من العودة إلى قاعدتها وبمجرد نزول طيارها منها ومشاهدته الاصابة الجسيمة بذيل طائرته والمذبحة التى حدثت لزملائه الطيارين أصيب بسكتة قلبية ومات .. وكانت صدمة شديدة للقيادة الروسية .. التى لم تجرؤ بعد هذه الحادثة من التقليل من شأن الطيارين المصريين .
وتوالت الأحداث .. فقبل عبد الناصر مبادرة وزير الخارجية الأمريكى روجرز بوقف حرب الأستنزاف التى كانت على أشدها من أجل إستكمال تشييد حائط صواريخ الدفاع الجوى من طراز سام ، وإستكمال قواتنا التدريب على الخطط القتالية الخاصة بالعبور .
توفى الريس جمال عبد الناصر يصورة فجائية فى سبتمبر عام 1971.
تولى الرئيس السادات الحكم متعهداً بالسير على خطى عبد الناصر .
عقب مبادرة روجرز ووقف إطلاق النار عام 1971 أستمرت التعليمات بعدم التعرض لطائرات العدو حتى عمق 30 كيلو وكان طيارونا يملؤهم الغيظ كلما ورد إلى علمهم إختراق طائرات العدو لسمائتا وبالطبع كام أكثرهم ألما وحزنا المنصورى الذى أخذ يتحين الفرصة لمنازلة طائرات العدو وتلقينهم الدرس المناسب حتى حانت له الفرصة يوم 15 فبراير من عام 1973 ونتركه يروى لنا تفاصيل تلك المعركة المثيرة :
(يتبع)

الحلقة الثانية والعشرون من كتاب “قلعـة النـسـور”
الحلقة الثانية والعشرون من كتاب “قلعـة النـسـور”

تنبيه هام، المنشور يعبر عن رأي الكاتب ويتحمل مسؤوليته، دون ادنى مسؤولية علي الجريدة

تنبيه

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: