الحلقة الثالثة والعشرون من كتاب “قلعـة النـسـور”للد.أحمد على عطية الله

د احمد علي عطية الله يكتب :عن قلعة النسور

3 1

معلومة تهمك

الحلقة الثالثة والعشرون من كتاب “قلعـة النـسـور”للد.أحمد على عطية الله
كتب د.أحمد على عطية الله للكاتب والمؤرخ العسكرى
من اصدارات الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2014
(تابع ) الفصل الثالث
نسور الجو المصريون
فى حربى الأستنزاف وأكتوبر المجيدة
ثالثا: أبطال الميج 21
لواء طيار أحمد كمال المنصورى(تكملة)
معركة الثلاثة عشرة دقيقة
* قدت معركة جوية بطائرتي ميج – 21 ضد 6 طائرات فانتوم إسرائيلية فوق خليج السويس قبل حرب أكتوبر وتحديدا في 15 فبراير 1973، رغم الأوامر الصادرة بمنع الاشتتباك.. كنت أنا وزميلي الشهيد نقيب طيار حسن لطفي مربوطين في طائرتينا الـميج 21 في صباح 15 فبراير حالة إستعداد أولى كجزء من تدريباتنا اليومية التي تجعلنا دوماً كطيارين مقاتلين على أهبة الاستعداد حيث إننا يجب أن نكون في السماء خلال 3 دقائق من تلقينا أوامر الانطلاق ، وشاهد مدير العمليات على شاشات الرادار اختراقا من 6 طائرات فانتوم إسرائيلية قادمة من منطقة فايد بالاسماعيلية في استعراض قوة واستطلاع بالقوة ، كانوا يصورون الجيش الثاني والثالث والتى كانت متجهة نحونا
فصدرت لنا الأوامر بالإقلاع لرد تلك الطائرات، فشعرت أنا وزميلي أننا في قلب معركة حقيقية لا مجرد اشتباك أو تصدٍّى وكنت قائد التشكيل وعندما أصبحت طائرتى بجوار طائرة حسن فى إتجاه طائرات العدو وتبادنا النظرات من كابينتى طائرتينا أشرت له بيدى إشارات ذات مغزى.. فأشرت بأصبعى فى دوائر أفقية فوق رأسى وهى تعنى : ( إنها روحة بغير رجعة) ، ثم مررت بحافة كف يدى العليا على عنقى وهى تعنى : ( نحر العدو) ، و أنه حان وقت إعطاء هؤلاء الطيارون الدرس بأننا لسنا لقمة سائغة في إشارة إلى حتمية القضاء عليهم، وطلبت منه أن تكون صواريخه في حالة الاستعداد للانطلاق في أي لحظة، وقلت له :
* يجب ألا نذهب سدى.. يجب أن نأخذ منهم اثنين أو ثلاثة .
وبدأنا فى الأستماع من أجهزة اللاسلكى بالطائرة لتوجيهات الموجه الأرضى الذى ألتقطنا على أجهزة الردار لديه ..وبدأ بمنحي حقيقة موقف العدو ، فوق مياه الخليج طائراتان وخلفهما 4 طائرات على ارتفاع 4 كيلو مترات. فكانت إجابتى الحاسمة له : دخلنى عليهم
فتوجهنا إليها مباشرة وبدأ الرادار يكرر ارتفاعاتهما وموقعهما وقال لي إننا لن نلحق بهم لأن المسافة بيننا وبينهم 150 كيلو مترا. فقلت إننا سنستخدم أقصى سرعة في الطائرة، لنقطع المسافة في أقل من 10 دقائق وهو ما يعني استهلاك وقود أكثر ومالبث أن شاهدنا سرب طائرات العدو الفانتوم القادم فى إتجاهنا طائرتا إستطلاع فى الأمام وخلفهما 4 طائرات لحمايتهما وما أن شاهدونا حتى شوشا على أجهزة الأتصال لدينا بأدخال الموسيفى الجنائزية على تردد أجهزتنا لتثبيط هممنا وأنه لا بد مقضى علينا .
كانت خطط الطيارين الإسرائيليين تعتمد دائما على فارق الإمكانيات بين طائراتهم المجهزة للطيران لمدة 3 ساعات ونصف وبين طائراتنا المعدة للطيران لمدة 45 دقيقة طبقا لسعة خزان الوقود.
وكانوا يعتمدون على إدخالنا في لعبة طويلة من المناورات حتى ينفد الوقود، ورغم فارق الإمكانيات بيننا، فطائرتنا “الميج” كانتا توفر لنا 4 صواريخ و45 دقيقة طيرانا و400 طلقة، بينما طائراتهم الست الفانتوم كانت تعني 48 صاروخا وأكثر من 3 ساعات طيران و4000 طلقة و12 طيارا. كانوا متفوقين بكل معايير القوة، وكنا متفوقين بكل معاني الغل والاعتماد على تأييد المولى عز وجل.. انطلقنا لنشتبك معهم في أطول معركة جوية بلغت 13 دقيقة ، وقررت إرباكهم من اللحظة الأولى وخطف واحد منهم بأسرع وقت فى خلال أول 30 ثانية فى هجوم سريع خاطف فاشتبكنا مع طائرتين وكان يبدو على طياريهما الاستهانة بنا، حيث بدأوا في مناورة لتضييع الوقت كالعادة، فبادرت بضرب أول صاروخ على قائد التشكيل فأصاب جناح الطائرة فسارعت بضرب الصاروخ الثاني فانفجرت الطائرة في أقل من 30 ثانية وسقطت في مياه الخليج بمن فيها لتصاب بقية الطائرات بحالة من الهياج، وبدأوا في ضرب الصواريخ علينا بطريقة عشوائية، ولكن الطائرة الميج ورغم قلة الإمكانيات تمتاز برشاقة الطيران عن الفانتوم، فظللنا في مناورة لمدة 13 دقيقة في سعي منهم لإسقاطنا في البحر أو تفجيرنا ولكننا لم نعطهم الفرصة بفضل المناورات بالدورانات الحادة وأستخدام تقنية الدوج فايت ( قتال الكلاب) بمحاولة كل طيار على أن يمسك بذيل الطائرة المعادية التى أمامه ليجعلها فى مجال أجهزة تنشين صواريخه أو طلقات رشاشه .. وطالت فترة المناورات وفوجئت بصوت زميلى حسن لطفى أثناء القتال فى جهاز الأتصال :
• الصواريخ والذخيرة خلصت معايا يا أفندم .. أعمل إيه؟
فكان ردى السريع والمباشر والحاسم له:
• أدخل فيهم بطائرتك .
وهنا ألتقط الطيارون الاسرائيليون تلك المحادثة فأقتنعوا أنهم أمام طيارين مجانين فأئروا السلامة وفاجأونا بالانسحاب في اتجاه سيناء.. وكنا فوق الخليج ، فقررنا العودة خوفا من وجود كمين، كما أن ما تبقى معنا من وقود لم يعد يكفي حتى للعودة إلى القاعدة. كان في كل طائرة نحو 300 لتر وقود وهو ما يعني دقيقتي طيران.. فأخبرته بضرورة الهبوط على الطريق الساحلي وهو ما حدث.
وكانت الأوامر أنه لو نفد الوقود منا فعلى الطيار أن يقفز من الطائرة بالمظلة وتركها، و ممنوع أن تنزل الطائرة على طريق غير ممر هبوطها في المطار أو القاعدة الجوية ، ولكن كانت لي سابقة في الهبوط بطائرتي الـميج -21 بقاعدة بنى سويف عام 1968 هبوطا إضطرارياً بمحرك متوقف على الممر الرئيسى دون أن يحدث للطائرة أي شيء حتى أن اللواء مدكور أبو العز قائد القوات الجوية وقتها كرمني ومنحني درعا ذكر فيه أنني تفانيت في الحفاظ على طائرتي وكانت سابقة وقتها، فأنا كطيار كنت أعلم كم يكلفنا الحصول على طائرة التى يبلغ ثمنها وقتها 50 مليون دولار ، ولذا لم أكن على استعداد لفقد طائرتي أو القفز منها وتركها تنفجر لأنى أقسمت أمام رئيس الجمهورية :
* سلاحى لا أتركه قط حتى أذوق الموت .
كما أننى أضطررت أيضا للهبوط إضطراريا بقاعدة دروا بجنوب مصر عام 1971 حيث كنت أحد الطيارين المنتدبين لتدريب طيارى القتال وكان معى زميلى الطيار شريف عرب رحمه الله .. وكان قائد القاعدة هو العقيد جمال فرغلى معلمى السابق بكلية الطيران .. كنت قد كلفت بعمل صيانة لأحدى الطائرات بقاعدة ألماظة وفور إصلاحها أخذت الطائرة فى رحلة العودة إلى قاعدتى ولكن لسوء الحظ بعد الأقلاع مباشرة وأنا لازلت على إرتفاع منخفض فوق منطقة ألماظة أعترض الطائرت سربا من الطيور المهاجرة أصطدم أحدها بباب غرفة حفظ عجلة الطائرة الجانبية فعطلتها .. أكملت رحلتى الطويلة إلى القاعدة وأبلغت فى أجهزةاللاسلكى قائد القاعدة بالموقف وعلم إصرارى على الهبوط إضطراريا بالطائرة .. فطلب من الطيار شريف عرب مهمة الأشراف على هبوطى قائلاً له :
• أتفضل نزل أخوك المنصورى يا عرب .
وبدأت التنسيق مع شريف .. حيث طلبت منه إغراق الممر بسائل رغوى لمنع إشتعال و إنفجار الطائرة عند حدوث الشرار الناتج عن إحتكاك باطن جسم الطائرة بالممر .. وطلبت منه تجهيز ثلاث عربات إطفاء موزعة بجوار أول ووسط وآخر الممر وعندما بدأت عملية الهبوط حافظت على الأحتفاظ بعجلة الطائرة الجانبية الأخرى مرفوعة داخل حجرتها ، وأنزلت العجلة الأمامية لكى أحافظ على مقدمة الطائرة مرفوعة خشية أن تصطدم المدافع الموجود بمقدمة الطائرة بالأرض ويؤدى إلى إنقلاب الطائرة رأسا على عقب .. وبالفعل هبطت بالطائرة وسط كمية كبيرةمن الشرر أحاطت بالطائرة من كل جانب وعندما توقفت كانت سيارات الاطفاء تغمر الطائرة بالسائل الرغوى .. ونجحت العملية ..
نعود لخليج السويس ..أشرت لحسن زميلي أن يتبعني ويفعل مثلي على أن يطير على مسافة أعلى مني للهبوط على طريق الزعفرانة.
و ما حدث أننا بدأنا في الهبوط كطيران شراعي لأن المحركات توقفت بعد نفاد الوقود، وقلت لحسن أفعل مثلما ترانى أفعل .. وبالفعل لمست الطريق على بعد 100 متر من رمال منطقة فنار الزعفرانة على الطريق الذي لم يكن ممهدا وفوجئت بسيارة نقل في مواجهتي ولما فوجئ سائقها بالطائرة قادمة فى إتجاهه بسرعة عالية فقد كانت سرعة الطائرة عند هبوطها 400 كيلو متر فى الساعة فقفز منها سائقها ومن معه وتركوها مفتوحة الأبواب فى منتصف الطريق تماما بما لا يدع لى أى فرصة أومجال لتفادى الأصطدام به وفى جزء من الثانية هدانى تفكيرى للإنحراف بالطائرة جهة اليمين فى الرمال ورفعت عجل الطائرة لتزحف على بطنها فيما يعرف بـالـ “بلى لاندنج” لتتوقف الطائرة على الرمال بعد أن أثارت عاصفة شديدة من الرمال .. بينما تعجل حسن زميلي الهبوط ونزل على سطح البحر قبل السا حل بنحو 100 متر ونتيجة اصطدامه بالشعاب المرجانية انفجرت به الطائرة وأستشهد..
عندما إستقرت طائرتى على الرمال ظهرت عقبة جديدة وهى فتح كابينة الطائرة حيث كان من يقوم بهذا العمل فى القاعدة أحد الفنين حيث كان دائماً بوجهه الأسمر آخر من تقع عليه عيناى بعد أن يحكم إغلاق كابينة الطائرة قبل الاقلاع ، وأول من تقع عليه عيناى عندما أهبط بالمطار ليقوم بفتح الكابينة لأتمكن من الخروج .. ولكن فى هذه الصحراء القاحلة من سيقوم بهذا الدور .. لا أحد .
بفضل الله تمكنت بجهد جبار لا أعلم مصدره من فتح الكابينة والخروج من الطائرة ..
قبل مغادرتي الطائرة أخذت الكاميرا مصورا عليها ما حدث فى المعركة في جيبي ، واحتفظت بها حتى أصل لمقر القيادة، وفجأة ترامى إلى سمعى صوت أزيز طائرة هليوكوبتر للعدو قادمة من جهة البحر للبحث على الطيارين الأسرائيلين الذبن سقطت طائرتهم والحصول على الأجزاء الهامة من طائرتهم وإحضار أى شئ يجدونه فى منطقة المعركة فتأكدت أنى أمام خطر الأسر ولم ينقذنى سوى طلقات الدفاعات الأرضية من وحدة عسكرية مصرية قريبة .. وأفلت من خطر لألقى خطراً جديداً فى إنتظارى فعندما هبطت على الأرض فوجئت ببعض الجنود المصريين البسطاء الذين أجتذبتهم العاصفة الرملية التى أثارها الهبوط الاضطرارى للطائرة على الرمال يلتفون حولي ، ودون أن يعرفوا هويتي قال أحدهم 😘 طيار يهودى
وقام الآخر بضربي على ظهري بدبشك البندقية طبقا للأوامر الصادرة وقتها لجنود الجيش المصري بضرب كل شيء أو أي شخص يهبط لهم من السماء، خوفاً من أن يكونوا إسرائيليين، ولم يصدقوا أنني طيار مصري لأن ملامحي كانت أوروبية ، ولولا مجيء صديقى ضابط المدرعات صفوان الحلوانى الذى تصادف وجود وحدته بالمنطقة لما أفلت من بين أيديهم حتى أنني نظرت للسماء وقتها وقلت :
• يا رب.. هل أفلت من صواريخ طائرات الفانتوم الإسرائيلية ، ومن القفز بطائرتى فى مياه البحر الأحمر فتلتهمنى أسماك القرش ، ومن انفجار طائرتي أثناء الهبوط ، وكذلك هليوكوبتر العدو لأقتل على يد جنود مصريون؟!
المهم نقلوني للمستشفى للعلاج بالطائرة الهليوكوبتر ، ووقتها أمر اللواء محمد حسني مبارك، الذي كان يشغل منصب قائد القوات الجوية ، بتغطية الطائرة بالشباك لحين سحبها من موقعها خوفا عليها من عودة الطيران الإسرائيلي الذي سجلت غرف المراقبة عودته للبحث عن جثث الطيارين الإسرائيليين والطائرة التي اشتبكت وانفحرت ولكنهم لم يعثروا على شيء على مدى ثلاثة أيام بلياليها .
طلب الرئيس السادات اللقاء بالطيارين الذين اشتركوا بمعركة خليج السويس فنقلونى بصعوبة إليه فى وجود الفريق أول (حينها) أحمد إسماعيل على وزير الحربية ، بالإضافة إلى قائد القوات الجوية.. فأمر بمنحى أحد النياشين لشجاعتى فى القتال ، ونشرت الصحف المصرية تفاصيل المعركة .
وجد الأطباء أنني أصبت في الفقرات القطنية من العمود الفقري بنسبة عجز 30% مكثت في المستشفى للعلاج 3 أشهر، وقتها دعوت الله وطلبت منه ألا يتركني كسيحاً، لأنني أريد مواصلة الحرب.
وبإرادة الله عدت للطيران في شهر مايو، ليكن لى شرف المشاركة في حرب أكتوبر 73. كنت دائما ما أنظر للسماء وأكلم الله وأقول له:
• أنا ملقح نفسي عليك أموت أو أعيش لا يهم .. المهم أن تستعيد مصر كرامتها.
أذكر أننا كنا نكتب على صواريخ الطائرة والقنابل، قبل وضعها كلمات :
• «باسم الله مطرح ماتسرى تهرى» حتى تصيب الهدف الذي طرنا من أجله.
• ” إلى إسرائيل مع حبى وتقديرى ”
كان يجب أن أكون بلا قلب، لأنني كنت أردد لهم دوماً بأنني سأقتل العدو، ولن أسمح لهم بقتلي لأن مصر تحتاجني وأعلم مدى ندرة الطيارين المقاتلين، فكيف أموت وأترك بلدي؟!
قبل الحرب بعشرة أيام بدأت القيادة في القوات الجوية المرور علينا في قواعدنا الجوية، كنت في قاعدة بني سويف، وسمعت القائد محمد حسني مبارك وهو يؤكد لنا أننا في أقصى حالات الاستعداد، وأننا بتنا في مواجهة متحفزة مع العدو، ولكن لم يقل لنا أي شيء عن الحرب، وقبل ساعة الصفر بنحو ساعة يوم السادس من أكتوبر جاء قائد اللواء وجلس معنا وحاول إجبارنا على تناول الطعام رغم رغبتنا في الصيام وقتها، وهو أمر مستحيل بالنسبة للطيار المقاتل خوفاً من حدوث هبوط في نسبة السكر لأن الطيار المقاتل يحتاج إلى 6 آلاف سعر حرارى فى اليوم .
ثم جمعنا في دشم تحت الأرض، وكنا سربين بكل سرب نحو 25 طائرة، وقال لنا إن لحظة الأخذ بالثأر قد حانت، وإنه يجب علينا أن نكون مستعدين للانطلاق بطائراتنا منذ الساعة الثانية إلا الربع، ومن دون إثارة أي ضوضاء، حتى الدشم صدرت لنا الأوامر بفتحها بأيدينا من دون ماكينات حتى لا نلفت الأنظار، كنا ننظر لبعضنا دون أن نعلم من سيذهب ولن يعود ومن سيعود، وكان كل واحد منا قد كتب وصيته لأهله ورسالة وداع وتركها في القيادة. كانت العيون مليئة بالكلمات، ولكن لا أحد يجرؤ على التحدث.
كنا نمتلئ بمشاعر الغل التي ضاعفت قوتنا، ولذا أتعجب ممن يقول إن الحرب كان متفقا عليها بين مصر وأمريكا، كيف وأول شهيد طيار كان عاطف السادات شقيق الرئيس محمد أنور السادات؟
ولا يعنيني من يقول إنها كانت حرب تحرير أو حرب تحريك..
ولا يعنينى من يقلل من جهد وتضحية الطيارين فى هذه الحرب لخلاف بينه وبين القيادة السياسية .
ولكن ما يعنيني أننا انتقمنا وأعدنا الأرض ، وعبرنا الهزيمة .
الكثيرون يسمعون عن الضربة الجوية التي فتحت باب النصر في أكتوبر ولكنهم لا يعرفون ما حدث؟
* في اللحظة الحاسمة يوم السادس من أكتوبر انطلقت 220 طائرة كان جزء منها مهمته إلقاء القنابل وهي القاذفات من طراز السوخوى ، وطائرات أخرى مقاتلة من بينها طائرتي الـ ميج – 21 مهمتها حماية الطائرات القاذفة لحين بلوغها الهدف وتدميره ثم العودة مرة أخرى، كان الوقت المحدد لنا هو 20 دقيقة لتنفيذ المهمة. وكان تشكيلى هو أول تشكيل ينطلق من قاعدة بنى سويف فى هذا اليوم وهو نشكيل تنظيف المجال للقادفات السوخوى .
مشكلة الطائرة “السوخوى” أنها كانت بطيئة في الجو لأنها محملة بنحو بأطنان من القنابل والمتفجرات، ولكننا كنا نعلم طريقنا ولم تعترضنا طائرات العدو الذي ضربنا له أجهزة الإرسال والاتصال في شمال ، ووسط ، وجنوب سيناء .. ودمرنا الأهداف المحددة لنا وفي اثنتين وعشرين دقيقة كنا قد عدنا لتبدأ بعدها شبكة الصواريخ في الضرب، وتدمير أي طائرة غير مصرية في حال اختراقها المجال الجوي المصري .
* وفى اليوم الثانى من أيام الحرب يوم 7 أكتوبر تعرضت قاعدتنا لهجوم بعدد كبير من طائرات الفانتوم الاسرائيلية بلغ عددها 40 طائرة ومن المعروف أن مثل هذا العدد كان يلزمه فى حالة الدفاع 80 طائرة فى حين أن عدد طائرتنا التى كانت موجودة بالقاعدة فى ذلك الوقت 16 طائرة فقط .. أذكر أن من أبلغ القاعدة بهذا الهجوم زميلى الطيار محمد النشرتى الذى كان يقوم بعمل مظلة جوية فوق المنطقة وطارد الفانتوم الاسرائيلية ليلحق بها فوق القاعدة .. وبمجرد تلقينا الأنذار : فضة .. فضة .. فضة ( أى هجوم جوى للعدو علينا )
أنطلقت جميع مقاتلاتنا ( تيك أوف موتسيكلات ) وأتذكر أنى كنت حالة ثالثة وأقلعت عكس إتجاه الممر قبل أكتمال إقلاع طائرات الحالة الأولى .. وكنا فوق القاعدة فى الوقت المناسب .. واشتبكنا مع الفانتوم الذى عمل على التخلص من حمولته فى أى مكان والفرار بأسرع ما يستطيع .. وتمكنا من صد الهجوم وإسقاط 4 طائرات فانتوم .. كما تمكنت جميع قواعدنا من التصدى لهجوم طائرات العدو فى ذلك اليوم بنفس المقدرة وفشل هجوم إسرائيل الجوى علينا فشلاً ذريعاً لوجود دشماً تحمى الطائرات .
* أما أيام 8، 9 ، 10 أكتوبر توالت الأشتباكات والمعارك .
* أما من يوم 11- 16 أكتوبر فكانت أشتباكات يومية كنت خلالها أقوم بأعمال مظلات جوية وكلما سمعت عن إشتباك فى منطقة مجاورة أسرعت وشاركت فيه .
* بدءاً من يوم 17 أكتوبر بدأنا فى ضرب ثغرة الدفرسوار .
* يوم 18 أكتوبر كنت قائدأ لتشكيل فى مهمة قتال على المحور الأوسط بسيناء وأثناء عودتنا كان الوقود على وشك النفاذ فأعطيت تعليماتى بالهبوط بقاعدة فايد أقرب مكان على الضفة الغربية للقناة ولما كان رقم 4 فى السرب وقوده أقل منى فكانت خطتى أن أعمل مرور فوق الممر ( باس) وأدور ويهبط رقم 4 أولا .. وأثناء عمل الباس فوجئت بوجود طائرة نقل عسكرية إسرائيلية بالمطار من طراز سى 130 وعليها نجمة داود السداسية الزرقاء فأعطيت أوامر حازمة بالتوجه إلى مطار القطامية دون أن أذكر لطيارى السرب بما شاهدته .. وأنقذت الطائرات الأربع وحافظت على زملائى الطيارين لأنه كان سيتم أسرنا لوهبطنا بمطار فايد بواسطة الاسرائيلين .
* كنت آخر من هبط من السماء يوم 24 أكتوبر عام 1973، رغم سريان قرار وقف إطلاق النار منذ يوم 22 أكتوبر..
– الإسرائيليون لا يحترمون عهودهم ، ورغم قبولهم قرار وقف إطلاق النار فإنهم حاولوا بعد التزام مصر به الحصول على أي مكاسب جديدة ، ولكننا لم نسمح لهم بذلك فكنا نتصدى لهم، كانوا يضغطون بشدة لدخول السويس عبر الدفرسوار وكانوا قد حصلوا على سلاح جديد من أمريكا ومن جنوب إفريقيا، فكنا نطير لصد الهجوم الشرس على الجيش الثالث وبقايا الجيش الثاني غرب القنال، وكنا نحلق في السماء في طلعات انتحارية لمواجهة أي عدد من الطائرات بهدف حماية قواتنا.
ففي يوم 24 أكتوبر، صدرت لنا الأوامر بالطيران لتخفيف الضغط على القوات الموجودة في جبل عوبيد بالقرب من السويس ، وطريق الدفرسوار، كنا أربع طائرات، وكان هناك نحو 20 طائرة ميراج إسرائيلية، دخلنا وسط هذا العدد وكان معي زميلي الشهيد سليمان ضيف الله قائداً لتشكيل من أربع طائرات ، يومها أسقطنا 6 طائرات إسرائيلية.
أذكر أنني شاهدت طائرة سليمان وقد أصاب جناحها صاروخ أشعل النار في جزء منها فطلبت منه أن يقفز قبل أن تنفجر به في غضون 30 ثانية، ولكنه قال لي إن في مرماه طائرة إسرائيلية، وقال لي عبر اللاسلكي في صوت لا أنساه :
* ” ودينى ما سايبه ”
طياراً يحلف حلفانا غليظاً بإسم الله فى آخر لحظات عمره على ألا يترك العدو دون قتله غير مبال لأى شى حتى حياته كانت رخيصة جداً .. الشهادة كانت أحب إلى نفسه من دونها ..
ثم أطلق عليه صاروخا ففجرها، ثم قفز من الطائرة التي انفجرت بعدها بثوان قليلة ، ولكن طيار إسرائيلى جبان أطلق عليه النار من مدافع الطائرة رغم أن ذلك ممنوع قانوناً طبقاً لأتفاقية جنيف بعدم قتل الأعزل من السلاح ، وبعد الهبوط وجدته وقد بترت ساقه وخرجت أحشاؤه ، كان لايزال على قيد الحياة ، فلقنته الشهادة ومات بين يدي ، كان سليمان قد رزق بطفل لم يره إلا مرة واحدة بعد ولادته ، ولم يره ثانياً وأستشهد .
أصيبت طائرتى فى هذا اليوم إصابة جسيمة فقفزت منها قبل أن تنفجر وهبطت فى منطقة الثغرة لقنت زميلى الشهادة وبالقرب منى هبط طيار إسرائيلى أحاط بنا جنود كتيبة مشاة كويتية كانت قريبة ولسبب بشرتى تعرضت للضرب والاصابة من هؤلاء الجنود فى حين لم يعتدوا على الطيار الاسرائيلى ذو البشرة السمراء لكونه يهودياً عراقياً .
بذلنا جهدا كطيارين فوق طاقة البشر وكنا نتنافس على المزيد من الطلعات .. فأذكر أنى خلال 17 يوما هى مدة القتال فى حرب أكتوبر قمت بعدد 52 طلعة قتال ( أكثر من 3 طلعات فى اليوم الواحد فى حين أن المعدل العالمى طلعة واحدة فى اليوم واليوم التالى خالى أى بدون طيران ) أذكر إننا كنا نهبط بالطائرات لتمون ويعاد تسليحها ثم نقلع بها مرة أخرى وهكذا.
لا أنسى أبدا المواقف الأنسانية التى مررنا بها خلال الحرب مع المواطنين البسطاء من الفلاحين المجاورين لقاعدتنا وبعد أول يوم قتال فؤجنا بفلاحة بسيطة تحمل لنا وعاء فخار مملؤ باللبن لتسقى الطيارين بعد أن علمت بما فعلناه على الجانب الآخر من القناة.. تأتى لنا بغذاء أسرتها لتقدمه لنا عن طيب خاطر .. وإبنتها الصبية الصغيرة أصرت على إعطائى هدية وفتحت صرة من القماش لتعطى لى نصف قرش ( تعريفة) وبضع مليمات كانت تدخرهم ..
وعندما أحتدم القتال الجوى وتهاوت طائرات العدو فوق مزارع الفلاحين بأعداد كبيرة كنت أشاهد الفلاحين يقتطعوا أجزاء من جسم الطائرات المصنوع من الألومنيوم ليستخدموها كهوائى لأجهزة التليفزيون لتقوية إرسالها .. فأصبحت أشلاء القانتوم والسكاى هوك والميراج موزعة فى كل منزل من منازل القرى الريفية .
• تدرجت أثناء خدمتى بجميع المناصب القتالية حتى كان آخر منصبين لى قبل تركى الخدمة العسكرية : قائد لواء مقاتلات ، و قائداً لعمليات المنطقة الجوية الشرقية .
* أوصيت أولادى وأحفادى بدفن متعلقاتى معى فى قبرى لتكون شفيعاً لى عند رب العالمين يوم البعث .
أريد أن ألقى لله الذي لم يقدر لي الشهادة رغم انتظاري لها، بثروتي الحقيقية في الحياة، فأنا وزملائي حاربنا لوجه الله وومن أجل مصرعرضنا .. مصر أمنا.. مصر شرفنا ..
ولأننا كنا نحرص على الموت قدر حرص الآخرين على الحياة طلبت من الله عز وجل أن يمنحنا تخفيضاً 30% ( ثلاثون فى المشة ) فى دخول الجنة بإذن ورحمة الله ..
هو ده أحمد .. الله
المنصورى.. بإذان الله

تنبيه هام، المنشور يعبر عن رأي الكاتب ويتحمل مسؤوليته، دون ادنى مسؤولية علي الجريدة

تنبيه

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

3 تعليقات
  1. […] الحلقة الثالثة والعشرون من كتاب “قلعـة النـسـور&#8221… […]

  2. […] الحلقة الثالثة والعشرون من كتاب “قلعـة النـسـور&#8221… […]

  3. […] الحلقة الثالثة والعشرون من كتاب “قلعـة النـسـور&#8221… […]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: