شخصيات تاريخية: قاهر التتار وناصر الإسلام

حياة قطز بن عبد الله السلطان الملك المظفر

0 1

معلومة تهمك

شخصيات تاريخية: قاهر التتار وناصر الإسلام
تحقيق الأستاذ/محمد سعيدان من قصر هلال تونس

هو قطز بن عبد الله السلطان الملك المظفر، سيف الدين المعزي. كان أكبر مماليك المعز أيبك التركماني. وكان بطلاً شجاعاً كثير الخير، يرجع إلى دين وإسلام، وكان الناس يحبونه ويدعـون له كثيراً. وكان كثير الصلاة في الجماعة، ولا يتعاطى المسكر ولا شيئاً مما يتعاطاه الملوك. عوتب مرة في بكائه من لطشة أستاذه (أي لطمته) فقال: إنَّما بكائي من لعنته أبي وجدي، وهما خير منه. والله ما أنا إلا مسلم ابن مسلم، أنا محمود بن مودود، ابن أخت خوارزم شاه، من أولاد الملوك، وكانت مدة ملكه نحواً من سنة، رحمه الله وجزاه عن الإسلام وأهله خيراً.

توحيد الصف على قيادة واحدة:

معلومة تهمك

ذلك أنَّه لَـمَّا داهم المغول دمشق وكان على مصر نور الدين علي بن المعز، وكان صغير السن، ضعيف الشخصية، وكانت الأخطار تحيط بالأمة فعزله واختار نفسه وقال: «إنِّي ما قصدت إلا أن نجتمع على قتال التتار، ولا يتأتى ذلك بغيـر ملك، فإذا خرجنا وكسرنا هذا العدو، فالأمر لكم، أقيموا في السلطة من شئتم». وسيرة الرجل تدل على حسن نيته وصدق عزيمته، وقد أجمع علماء الأمة على عدالته وفضله وتقواه.

عفوه عند المقدرة:

ومن محاسن قطز العفو عند المقدرة وإنزال النَّاس منازلهم؛ فأول ما تولى الحكم أصدر قراراً بالعفو العام عن المماليك البحرية، وهو قرار في غاية الأهمية، وخاصة أن الحرب على الأبواب والمماليك البحرية أهل خبرة وقتال ودربة في الحروب، وعندما قدم بيبرس إلى مصر عظَّم شأنه لديه وأنزله بدار الوزارة وعرف له قدره وأقطعه «قليوب» وما حولها من القرى، وعامله كأمير من الأمراء المقدمين، بل جعله على مقدمة جيشه.

إعداده للحرب:

كانت الأخطار تحيط بدولة المماليك من كل جانب؛ فالتتار على الأبواب، والصراع بين المماليك البحرية والمماليك المعزية قائم، والصليبيون يتربصون للحظة للانقضاض على المماليك، والشام قتلته الفرقة؛ بل كان منهم من يسعى للاستيلاء على مصر، ولا سند لهم من دول الجوار. كانت العلاقة بين مصر والشام متوترة جداً وقد حاولت الشام أكثر من مرة غزو مصر ونقضوا الحلف الذي كان بين مصر والشام أيام الصالح أيوب، واستقطبوا المماليك البحرية عندهم، عندما فروا من مصر وكانوا يتربصون بمصر الدوائر في كل يوم؛ بل إنَّ الناصر أمير دمشق وحلب طلب من التتار بعد سقوط بغداد أن يعاونوه على غزو مصر. مع كل هذا سعى قطز لإذابة الخلافات والوحدة بين مصر والشام، أو – على الأقل – تحييد أمراء الشام ليخلُّوا بينه وبين التتار دون أن يطعنوه في ظهره.

ومن محاسن قطز أنَّه قبل الشروع في قتال المغول أراد أن يختبر الصليبيين على ساحل بحر الشام قبل أن يدفع بقواته إلى المغول، فتوجهت سفارة مصرية تطلب من الصليبيين السماح للجيوش الإسلامية باجتياز بلادهم، وشراء ما تحتاجه من المؤن، وتزامن ذلك مع عدم ثقة الصليبيين في المغول بعد ما ارتكبوه من المذابح والجرائم، فعرضوا عليه أن يسيروا معه نجدة، فشكرهم، واستحلفهم أن يكونوا لا له ولا عليه، وأقسم لهم أنَّه متى تبعه منهم فارس أو راجل يريد أذى عسكر المسلمين رجع وقاتلهم قبل أن يلقى التتار.

ومـن محـاسن قطـز أيضـاً أنَّه أخـذ برأي الشـيخ العز بن عبد السلام في تجريد الأمراء من أموالهم لصالح الجيش وحاجة الدولة وتساويهم مع العامة في الأموال؛ فأخذ برأيه وعمل بنصيحته. وكانت بعض ممتلكات الأمراء تكفي لإصلاح الوضع الاقتصادي، وسداد مديونية دولة من الدول. وتم تجهيز الجيش بالطريقة الشرعية. ومن محاسن قطز كذلك نقل ميدان المعركة في فلسطين ومباغتة العدو، وعدم انتظار مجيئه إلى لمصر لتحقيق عنصر المفاجأة والمحافظة على أمن مصر القومي من بوابتها الشرقية في فلسطين، والتأثير السلبي على الخصم وتوفير عنصر أمان للجيش المصري يمكِّنه من الرجوع إن حدثت هزيمة، ومناصرة إخوانهم في فلسطين وسوريا وغيرهم. فبادرهم قبل أن يبادروه وبرز إليهم وأقدم عليهم قبل أن يقدموا عليه.

طلبه للجهاد :

ومن محاسن قطز لمَّا لم يرضَ الأمراء بالخروج؛ كراهة لقاء التتار وأبَوا كلهم عليه وامتنعوا من الرحيل، فقال لهم: يا أمراء المسلمين لكم زمان تأكلون أموال بيت المال وأنتم للغزاة كارهون وأنا متوجه، فمن اختار الجهاد يصحبني، ومن لم يختر ذلك يرجع إلى بيته. فإنَّ الله مطلع عليه وخطيئة حريم المسلمين في رقاب المتأخرين، ولمَّا رأى تأخرهم، ركب فرسه وقال: أنا ألقى التتار بنفسي، فلما رأى الأمراء مسير السلطان ساروا على كره. ثمَّ سار إلى غزة ومنها إلى عكا وأمر أن يجمع الأمراء فجمعوا وحضهم على قتال التتر، وذكرهم بما وقع بأهل الأقاليم من القتل والسبي وخوفهم وقوع مثل ذلك وحثهم على استنقاذ الشام من التتر ونصرة الإسلام والمسلمين وحذرهم عقوبة الله فضجوا بالبكاء وتحالفوا على الاجتهاد في قتال التتار ودفاعهم عن البلاد.

حسن اختياره لمكان المعركة:

ومن محاسن قطز دقة تحديد مكان المعركة؛ فهو الذي اختار سهل عين جالوت وهي منطقة تقع في الوسط تقريباً بين مدينة بيسان في الشمال ونابلس في الجنوب بالقرب من «جنين» الآن. وهو سهل منبسط تحيط به التلال المتوسطة من كل جانب إلا الجانب الشمالي فهو مفتوح، كما تعلو هذه التلال الأشجار والأحراش؛ وهو ما يوفر مخبأً مناسباً للجيش الإسلامي فيسهل عمل الكمائن على الجوانب

تنبيه هام، المنشور يعبر عن رأي الكاتب ويتحمل مسؤوليته، دون ادنى مسؤولية علي الجريدة

تنبيه

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: