وفاءا للنيل (2) … الأصل

0 32

معلومة تهمك

وفاءا للنيل (2) … الأصل
د. أحمد خالد عبد الحميد

يعتبر نهر النيل حديث النشأة بالمقارنة بعمر نشأة كوكب الأرض وتطور قاراته. فقد تطور كلا من مجرى نهر النيل الرئيسي وفروعه بفعل الأنشطة البركانية والتكتونية وتتابع عمليات النحر والترسيب، الى جانب تغيرات منسوب مياه البحار وتغير المناخ والغطاء النباتي عبر العصور. كما أن تغيير البشر لأنماط استخدام الأراضي على مر القرون وتزايد انشاء السدود خلال المئة سنة الأخيرة كان لهم تأثير بالغ على دورة النهر الطبيعية ومعدل ترسيبه في حوض النيل.

يقول الجغرافي القدير جمال حمدان في مستهل الفصل الثاني من الجزء الأول لموسوعته الشهيرة “شخصية مصر”: “وعلى حداثته هذه، فان للنيل في مصر، كما في خارجها، تاريخا طبيعيا معقدا بالغ التركيب، ولا نقول الغرابة والشذوذ. فالنيل الأعظم بامتداده الهائل من العروض الاستوائية حتى البحر المتوسط، بل من أطراف نصف الكرة الجنوبي حتى قلب العالم القديم، لم ينشأ دفعة واحدة كنظام نهري واحد، وانما تكون أصلا من مجموعة من النظم النهرية الاقليمية، بدأ كل منها منفصلا مستقلا عن الباقي، وربما في عصور جيولوجية وظروف طبيعية مختلفة كذلك، ثم اتصلت تلك النظم ببعضها البعض وتلاحمت وتوحدت في نظام نهري واحد مركب لا بسيط، بالغ الضخامة كما هو شديد الخصوصية، بحيث لا يكاد يدانيه نهر في اتساعه وأبعاده، كما يوشك هو ألا يخضع للقوانين الحاكمة التي تضبط تركيب الأنهار العادية ولا للتصانيف الفيزيوغرافية التي تقع فيها الأنهار عادة. النيل اذن نهر فريد لا مثيل له جيولوجيا مثلما هو تاريخيا، نهر بصورته الراهنة بالغ الحداثة في قارة بالغة القدم، نهر شديد الحداثة جيولوجيا بقدر ما هو مفرط القدم تاريخيا.”

معلومة تهمك

أدى انقطاع الاتصال بين المحيط الأطلنطي والبحر المتوسط في نهاية عصر الميوسين (منذ حوالي 6.5 مليون سنة) الى حدوث أزمة الملوحة المسينية كأحد أعظم التغيرات البيئية المسجلة في تاريخ الأرض، حيث تحول حوض البحر المتوسط لصحراء ملحية بعد تبخر مياهه مما أثر بشكل بالغ على أنظمة الأنهار الكبرى بالإقليم بما فيها نهر النيل. تشكل وادي النيل الأول من أسوان الحالية وحتى مصبه بطول 1100 كم وعمق 1.9 كم. لقد كان نهر النيل الأول مستقلا بذاته كسائر أجزاء نظام النيل الحالية ولم يكن له أي اتصال بها، وكان في أقصى امتداده ينبع من جيرة سبلوقة ويصب في جيرة القاهرة. وهذا يعني بوضوح أن أصل النيل محلي وقديم في مصر. خلال عصر البليوسين، نتج عن زيادة منسوب البحر تكون خليج ضيق بحري خلال وادي النيل يصل الى أسوان جنوبا. وأثناء عصر البليوسين المتأخر، انخفضت ملوحة مياه الوادي نتيجة تغير مصدر المياه والرواسب من البحر المتوسط الى مرتفعات البحر الأحمر، حيث تم امتلاء الوادي بالمياه العذبة المتجهة لساحل البحر المتوسط شمالا.

نشأت مرتفعات منابع النيل الاثيوبية والاستوائية بفعل التغيرات التكتونية المصاحبة لانفصال الصفيحة العربية (الجزيرة العربية) عن افريقيا وتكون الأخدود الافريقي العظيم. تكون من تلك المنابع المرتفعة في البداية أحواض مستقلة لأنهار النيل الأبيض من البحيرات الاستوائية والنيل الأزرق وعطبرة من المرتفعات الاثيوبية. تم اتصال هذه الأحواض المستقلة فيما بعد مكونة نهر النيل بمساره النهائي الكامل حتى مصبه في البحر المتوسط عبر الصحراء الكبرى مرورا بالسودان ومصر منذ حوالي 5000 سنة. بذلك يكون النيل الأول هو نواة نهر النيل الحالي المحلية؛ كونه الأقدم في النشأة من منابع النيل العليا وأحواضها المستقلة في بادئ تكونها. وما تم الاتصال التام بين النيل الأول شمالا وباقي نظام النهر بشكله الحالي جنوبا الا بتحول جيرة سبلوقة من حافة ومنبع أول للنيل المحلي الى خانق يصل النيل المصري بالمجرى المتشكل من التقاء الأنظمة النهرية الجنوبية (عطبرة والنيلين الأبيض والأزرق).

ساعد اتساع وادي النيل فجأة عند القاهرة بين كتلتي المقطم شرقا وأبو رواش غربا – المنتهيتان فجأة كذلك – على بدء تكون الدلتا من الجنوب أولا، وبالتدريج تقدمت الدلتا شمالا على حساب البحر خلال دورات من التوغل والارتداد عبر العصور المتعاقبة. فكانت أحيانا أكثر مساحة وتوغلا في البحر وأحيانا أخرى أكثر تقهقرا عن حدودها الحالية. بدأ تكون دلتا النيل في عصر الهولوسين المبكر (منذ حوالي 7500 سنة)، حيث اشتملت في أغلب الوقت على مجموعة من الفروع الكبيرة الناقلة للمياه والطمي عبر الدلتا الى ساحل البحر المتوسط. كانت فروع النيل متعددة ومتغيرة بشدة، يكون كل فرع منها لنفسه ضفتين مرتفعتين على جانبيه بشكل طبيعي وغير منتظم. فكان اما يتم ترسيب الطمي في الجزر المتكونة بين الفروع والتي أخذت في الاتصال تدريجيا ببعضها البعض أو – على العكس من ذلك – كانت الفروع تمزق اليابسة بينها الى جزر ضخمة تفصلها المياه. بعد هذا، ردمت رواسب الفروع هذه الجزر تدريجيا من الجنوب الى الشمال حتى اكتملت الدلتا بكتلها اليابسة المتماسكة والمتجانسة. حاليا، تتكون دلتا نهر النيل من فرعي دمياط ورشيد المنفردين منذ أواخر القرن التاسع عشر.

اشتق الاسم “نيل” من الاسم الاغريقي “نيلوس” والمرجح اشتقاقه من الكلمة السامية “نهل” بمعنى وادي أو وادي نهر، وبالتبعية تعني نهر. أما قدماء المصريين، فقد استخدموا كلمة “آر” أو “آور” بمعنى نهر. أما نهر النيل، فقد أطلق عليه المصري القديم اسم “إتيرو” بمعنى النهر العظيم. فلولا فيضان النيل لبقي الوادي والدلتا مغمورين بمياه البحر ولبقيت مصر جزءا من الصحراء الكبرى الشاسعة بشمال افريقيا. فنهر النيل هو الذي اخترق رأسيا شرق الصحراء الكبرى منشئا مصر وحضارتها كواحة وسط صحراء قاحلة.

يمكنكم الاطلاع على المزيد من كتاب “نهر النيل.. ماله وما علينا”.

تنبيه هام، المنشور يعبر عن رأي الكاتب ويتحمل مسؤوليته، دون ادنى مسؤولية علي الجريدة

تنبيه

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: