الرجل الذي أتعبنا

معلومة تهمك

بقلم/ حاتم إبراهيم سلامة

الرجل الذي أتعبنا

أنا من هؤلاء الذين يرتعدون من أن يتهمهم قراؤهم أو خصومهم بالتناقض، وأخشى دومًا أن يصفني أحدهم بهذه الصفة المرذولة، لأنها تعني لي معان كثيرة وثقيلة، فمنها أنني لا رأي لي، وأنني متقلب، وأنني لا أثبت على مبدأ، وأنني متذبذب، وأنني لا أفهم، وأهمها وأخطرها: أنني منافق.
في أحيان كثيرة، أحسد العميد طه حسين رحمه الله، ولكني لا أحسده على نبوغ أدبه، وحسن أسلوبه، ورقي بلاغته، وعميق مجادلاته، وجرأة أفكاره.
وإنما أحسده على شيء ينفر منه كل إنسان سوي الفكر والرأي، لكن العميد وبلا حرج كان يرتضي هذا السلوك لنفسه ونجده فيه صفة بارزة من صفاته، فمما كان يميز الرجل، أنه يقع فيما ينهى عنه، ويفعل ما كان يستعيبه، وإذا هاجمك اليوم على منحى أدبيًا أو طريقًا فكريًا، أو خالفك في قول تتبناه ورأيًا تظهره، فإنه سرعان ما يمر الزمن، حتى تجده يقول بعكس ما كان ينكر عليك بالأمس.
وتحار وتحار في نفسية هذا الرجل وشخصه الغريب، ويغالط عقلك بعضه بعضا حينما تُحكمه في مواقفه وتناقضاته، بل تتعب وأنت تبحث عن غرضه من تقلبه، ومما يعييك أكثر، كيف لهذا الرجل أن يجترئ على صفة التناقض، ويخوض غمارها بكل سهولة وشجاعة، غير عابئ بنقد أو خائف من تعيير، أو متوجس من اتهام، أو مستح من ظنون.
لقد نقد عبقريات العقاد بكل عنف، وكان ذلك بعد موت صاحبها حينما أعلن على الدنيا كلها أنه لم يفهمها.!
كان ذلك حينما التقى أنيس منصور بطه حسين في الحوار التلفزيوني الشهير وقال وقتها: إنه لم يفهم عبقريات العقاد، ثم سأل أنيسا وقال له: هل تفهم العبقريات؟ فرد أنيس بأنه يفهمها وغيرها من العبقريات، ولكن طه لم يسترح لهذا الرأي، وانزعج الناس يومها من هذا الكلام، واعتبروه تجريحا في العقاد بعد موته، وأن طه لم يكن لبيبا فطنًا بهذا التصريح المثير، وبعضهم ذكر أنه لم يكن يستطيع قول هذا في حياة الكاتب الجبار، وبعض ثالث لم يصدق أن طه لم يفهم العبقريات، وإنما هو نوع من الانتقاص لذكرى الراحل الجسور.
ولكن.. دعك من هذه الحيرة وهذا التقلب في معرفة غرضه ورأيه، لننظر ماذا فعل عامر.!
فمن هو عامر؟.
لما سمع هذا الكلام عامر ابن أخي الأستاذ العقاد، قام بنشر خطابات تؤكد إعجاب طه حسين بعبقريات العقاد، وذكر أحدهم: أنه سمع طه حسين يبدي إعجابه بعبقرية عمر بالذات في بيت العقاد بمصر الجديدة، وسمعه يقول: إنني عندما قرأت عبقرية عمر، أحسست أنني أقرأ عبقرية العقاد.!
ورغم هذا النشر المغاير لموقف طه إلا أنه أصر على ، بأن العبقريات فيها غموض شديد وأنه لم يفهمها، حتى جاءه حفيده الطالب يومًا وقال له: إذا كنت أنت لم تفهم عبقرية العقاد المقررة علينا هذا العام فكيف نفهمها نحن؟!
ومن الغريب أن طه حسين في عام 1960 كتب تقريرًا عن العقاد أثناء ترشيحه لجائزة الدولة التقديرية قال فيه: “كان للعقاد طريقة انفرد بها وأجاد فيها، وهي أنه يتناول العظيم من جانبه الذي كون عبقريته، وبهذه التراجم استطاع أن يعرض على أبناء هذا الجيل صفحات مشرقة من أمجادنا الخالدة.”
وقال: ” لقد استطاع أن يلقي على أولئك الأعاظم ضياء ساطعا بحيث يشعر هذا العصر بقوة عبقريتهم وسلطان أخلاقهم، وبحيث يدرك عظمة الإسلام ورجاله أتم إدراك، فيجد أبناء هذا العصر في مطالعة كتب الأستاذ العقاد قدوة لهم يقتدون بها فيزدادون صلابة في إيمانهم وشدة في قوميتهم”
وأنت لا تعرف حقًا ما الذي يدور برأس العميد، هل يتقلب رأيه مع فصول السنة الأربعة، أم أنه ينافق ويخالف، أم أنه يحب افتعال المعارك، أم أنه يمدح صاحبه يومًا، ثم يرتئي بعد زمن أنه لا يستحق المدح فيقلب العاقبة عليه؟!
لا تعرف بالتحديد مآرب هذا الرجل، الذي شفعنا له غارته على إمام النثر العربي (المنفلوطي) حينما هجاه وسخر منه في أيام مراهقته، نعم كان طه وقتها شابًا مراهقا، لا هم له إلا إحداث جلبة وضجة ليتحدث الناس عنه، وهو الغرض الذي اعترف به فيما بعد لابنة المنفلوطي وقال لها معتذرا: كنت أهاجم أباك بحثا عن الشهرة، وقال لبعض الصحفيين بعد 40 سنة مرت: “كنت شابًا يريد الشهرة على حساب كاتب كبير معروف.. فأفرطت وتطرفت في النقد.. أما طول اللسان فكان سببه هو عنف مزاجي ولعل هذا السبب ولا سبب غيره”
لقد أصبح طه أديبا يشار إليه بالبنان، وسوف نصاحبه، لتظهر لنا هذه الصفة المحيرة مرة أخرى.!
ومما ذكره البيومي أنه حينما ظهرت قصة الشاعر للمنفلوطي، كتب الدكتور منصور فهمي يمدحها وقال: إن المنفلوطي قد اقتحم سبيلا وعـراً لأن في بلاغة الأصل ما ليس في طـاقـة معـرب أن ينقله، وربما تحمـد الجـرأة في الصعاب كمـا حُـمـدت جـرأة المنفلوطي في نقل هذا الأثر الرائع، لأنه أدى لنا صورة حية بقلم عربي مبين.
ويبدو أن هذا الإطراء قد أغاظ طه ولم يعجبه، فذكر أن المترجم قد شوه ومسخ، وأن منصور فهمي يجب ألا يشجع المفسدين والأدعياء، وأنه لا يفهم كيف يمكن أن تتحول المسرحية إلى قصة، وقـد عـاود الدكتور منصور فهمي الكـرة، فذكر أنه لا يجد مبرراً للدكتور طه حين يذكر المنفلوطي في الأدعياء، وأن وصف الأديب جدير به، وأن تحويل المسرحية إلى قصـة بـدعـة صالحة لا يستهجنها الذوق السليم ! .
ولكن طه حسين أصر على أن المسرحية لا تنقلب إلى قصـة، وعد ذلك مسخاً وتشويهاً، وعملا يقترفه الأدعياء! وتمر الأيام لنرى الدكتور طه حسين نفسه يختار مسرحيات فرنسية ليلخصها قصصاً على صفحات مجلة الهلال، ثم يعمـد إلى جمعهـا تحت عنـوان (صـوت بـاريس) و(لحظات) ومما يذكر أن مجموعتي الدكتور طه لم تكرر طبعاتها، ولم تجد معشار ما
وجدته قصص المنفلوطي من إقبال!
لقد حرم على المنفلوطي عملا يراه تشويهاً ومسخـاً وادعـاء، ثم يحاول أن يقوم بمثله فلا يبلغ قليلا مما يريد؟
ونحن أمام هذا التناقض المريع حائرون في تحليل أبعاد الموقف وتحليل نفسية صاحب الموقف، أيكون في ذلك اعترافا صريحا منه بأنه قد ظلم المنفلوطي حين سلك مسلك التلخيص المفيد! كما يكون في ذلك ما ينبىء عن تعمد القدح دون موجب معقول، لا تدري ولا تفهم ولا تستبين، لتظل حائرا تائها شاردا ضالا، مما يفعله الرجل بنا في مواقفه المتناقضة.

معلومة تهمك

تنبيه هام، المنشور يعبر عن رأي الكاتب ويتحمل مسؤوليته، دون ادنى مسؤولية علي الجريدة

تنبيه

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: