وفاءا للنيل (3) … المقر والمعبر

معلومة تهمك

وفاءا للنيل (3) … المقر والمعبر
د. أحمد خالد عبد الحميد

أجمعت الكثير من الدراسات الحفرية و الجينية الحديثة على ظهور الانسان العاقل لأول مرة في قارة أفريقيا، و بذلك اعتبرت أفريقيا مهد البشرية على الأرض. لكن اختلف على تفاصيل موقع الظهور الأول ما بين جنوب أفريقيا و اثيوبيا و وسط أفريقيا و غربها، اعتمادا على الحفريات المكتشفة و تأريخها الكربوني و تسلسلها الجيني. احترفت التجمعات البشرية الأولى صيد الحيوانات و جمع الثمار لتلبية احتياجاتهم الأساسية من الغذاء في القارة. فمع التقلبات المناخية على مر العصور، يتضح دور نهر النيل في جذب التجمعات البشرية الأولى من قلب القارة الافريقية الى شرقها و استقرارها على امتداد النهر حيث وفرة الغطاء النباتي و الثروة الحيوانية كمصادر أولية للغذاء. و من شمال شرق أفريقيا بدأت الهجرات البشرية خروجا من القارة بسبب التقلبات المناخية القاسية في شمال القارة المسببة لزوال الغطاء النباتي خارج وادي التيل ودلتاه و ظهور الصحراء الكبرى.


احتار العلماء لمئات السنين بين طريقين جغرافيين معقولين، أحدهما عبر مصر و سيناء و أخرى عبر إثيوبيا ومضيق باب المندب و شبه الجزيرة العربية. كشفت دراسة حديثة النقاب عن معرفة الطريق التي سلكها المهاجرون الأوائل، حين توجهوا من أفريقيا الى مناطق جديدة في الشرق الأوسط و آسيا و أراض جديدة في المعمورة، بهدف استعمارها. توصلت الدراسة الى أنه منذ 60 ألف عام هاجر البشر من أفريقيا عن طريق مصر، و ليس عن طريق المرور بالبحر الضحل الذي يفصل إثيوبيا عن شبه الجزيرة العربية، كما أفادت دراسات سابقة. الدراسة أجريت على جينات أشخاص من شمال شرق أفريقيا، و أظهرت أن المهاجرين الأوائل سلكوا الطريق الشمالية عبوراً بمصر وسيناء .
توغلت المجموعات البشرية في البداية في أنحاء القارة الأفريقية شرقا و شمالا خلال الفترة من 130 الى 170 ألف سنة مضت، و ذلك قبل خروج البشر من القارة من الشرق في موجات هجرة متعاقبة. توجهت أولى المجموعات البشرية الكبرى المهاجرة من قارة أفريقيا الى كلا من قارة آسيا خلال الفترة من 60 الى 70 ألف سنة مضت و قارة أوروبا خلال الفترة من 40 الى 50 ألف سنة مضت. استمر التوغل البشري في قارة آسيا حتى وصل الى أقصى شرقها خلال الفترة من 25 الى 35 ألف سنة. يرجح وصول البشر الأوائل الى قارة أستراليا عبر جنوب شرق آسيا خلال الفترة من 60 الى 70 ألف سنة مضت. تعتبر الهجرات البشرية الى الأمريكتين حديثة العهد نسبيا؛ حيث ترجع الهجرات الآسيوية و الأوروبية عبر مضيق بيرنج و القطب الشمالي الى الفترات من 25 الى 35 ألف سنة مضت لوسط قارة أمريكا الشمالية و من 12 الى 15 ألف سنة مضت الى قارة أمريكا الجنوبية. أما الهجرات الى شمال القارة الأمريكية الشمالية فترجع الى الفترة من 7 الى 9 آلاف سنة مضت.
لعب نهر النيل دورا حيويا في استقرار التجمعات البشرية الأولى في شمال الشرق الأفريقي ، و ظهرت ثقافتين متميزتين لهذه التجمعات حسب الانتشار الجغرافي كما يلي: الثقافة الأفرو-آسيوية شمالا بامتداد مرتفعات البحر الأحمر و شمال المرتفعات الاثيوبية، ظهرت منذ حوالي 13 ألف سنة قبل الميلاد و كانت تعتمد بالأساس على جمع الحبوب من النباتات البرية .أما الثقافة النيلو-صحراوية في أواسط النيل، فقد ظهرت منذ حوالي 11 ألف سنة قبل الميلاد و كانت تجمعاتها تحترف بالأساس الصيد البري و النهري. انقسمت هذه التجمعات تدريجيا الى مجموعتين تخصصت أحدها في الزراعة و الرعي، بينما اعتمدت الأخرى على الموارد الغذائية للنهر. توسعت هذه التجمعات تدريجيا خارج مواطنهم خلال فترة “الصحراء الخضراء” أثناء العصر المطير، و خلال هذه التوسعات اتصلت الثقافتين الأفرو-آسيوية و النيلو-صحراوية. شمل ذلك تبادل المعرفة بخصوص كلا من الزراعة و تربية المواشي. كان للتغيرات المناخية تأثير بالغ على تغير نمط استقرار التجمعات البشرية في المنطقة الشرقية للصحراء الكبرى خلال الفترات الرئيسية لعصر الهولوسين كما يلي:
• خلال العصر الجليدي الأخير في نهاية عصر البليستوسين (20000 – 8500 ق.م.)، خلت الصحراء الكبرى الممتدة حينها الى 400 كم جنوب حدودها الحالية من أي تجمعات بشرية خارج وادي النيل.
• مع بدء وصول الأمطار الموسمية خلال العام 8500 ق.م.، تحولت الصحراء الكبرى القاحلة الى بيئات شبيهة بالسافانا انتقلت اليها سريعا التجمعات البشرية ما قبل التاريخ. خلال عصر الهولوسين المبكر المطير، كان جنوب الصحراء الكبرى و وادي النيل أماكن خطرة لسكنى البشر نتيجة معدلات الرطوبة المرتفعة.
• استقرت التجمعات البشرية بامتداد شرق الصحراء الكبرى بعد العام 7000 ق.م.، حيث دعم الاستقرار تطور رعي الأغنام.
• تسبب تراجع الأمطار الموسمية في جفاف مصر خلال العام 5300 ق.م.، حيث أجبرت التجمعات البشرية على الانتقال الى وادي النيل و المراكز الايكولوجية وسط الصحراء الى جانب نزوح البعض الى الصحراء السودانية جنوبا حيث الأمطار و المسطحات المائية الوفيرة. تصادف عودة كامل الظروف الصحراوية في مصر حوالي عام 3500 ق.م. مع المراحل الأولى للحضارة المصرية القديمة بوادي النيل.
ساهم التحول من الصيد و جمع الثمار الى استئناس الحيوانات و زراعة المحاصيل عبر عصور متعاقبة في تحقيق فائض في انتاج الغذاء. أدى هذا الفائض بدوره الى قيام المدن و تحرر قطاع من المجتمع من مهام توفير الغذاء و خلق مهن و حرف جديدة، حيث تطلبت أعمال الحماية من الفيضانات و تنظيم الري الى نشوء هيكل اجتماعي قوي و تطور مجالات الهندسة و الادارة. يتضح بذلك الدور البارز لنهر النيل في تحقيق الاستقرار الاجتماعي بديلا عن حياة الترحال الدائم بانتقال المجتمعات الى اقتصاديات الزراعة، كونها الثورة الممهدة لقيام الحضارات الأولى على امتداد النهر من المنابع العليا و حتى المصب. من هذه الحضارات و أكثرها عمرا و تأثيرا على الحضارة الانسانية هي الحضارة المصرية القديمة التي ينفرد بها و بدور النيل في نشأتها و تطورها المقال القادم.

معلومة تهمك

يمكنكم الاطلاع على المزيد من كتاب “نهر النيل.. ماله وما علينا”.

تنبيه هام، المنشور يعبر عن رأي الكاتب ويتحمل مسؤوليته، دون ادنى مسؤولية علي الجريدة

تنبيه

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: