رواية طائر في مهب الريح

معلومة تهمك

رواية طائر في مهب الريح
بقلم…. مصطفي حسن محمد سليم
2-التحقيق
تلاشي صوت العمدة في الهواء ورشدي يسرع بخطواته نحو الباب ولكنه وجده موصدًا ليس كما يغلقونه دائمًا ولكن باجساد الخفراء الذين عندما رأوه يقترب منهم صوبو نحوه بنادقهم، فقال العمدة في ثورة ماذا تفعلون أيها الحمقي أنزلوا بنادقكم علي الفور، فالتفت إليه رشدي وهو يقول في غضب ماذا يعني هذا ياعمدة هل تمنعني أنت ورجالك من مغادرة داري ؟! فأسرع العمدة نحوه وأمسك بذراعه وهو يقول في لهجة الناصح معاذ الله ياحاج، ولكني أمنعك من أتخاذ أي فعل قد تندم عليه في ثورة غضبك، فأنت لاتعرف نفوذ الباشا ومامدي مايستطيع فعله معك فلو أراد أن يحول هذه البلدة إلي جحيم لفعل ذلك بين يوم وليلة، فلوح رشدي بيده في غضب قائلا أنا أقوي ياعمدة وستري ما سأفعله، والآن أأمر رجالك أن يدعوني أمر وإلا افرغت هذا السلاح الذي في يدي فيهم جميعًا بما فيهم أنت، فتراجع العمدة مغمغما في دهشة وهم بقول شيء ما يعبر عن غضبه الا أن شيخ البلد قاطعه في صيحة هادرة قائلا للخفراء دعوه يمر أيها الاغبياء، فالتفت إليه العمدة والغضب يجتاحه وهو يقول له من الذي يصدر الأوامر هنا ياشيخ البلد هل نسيت أن سلطتي أكبر من سلطتك، والتي لاتعطيك الحق في أن تشعل نيران الموقف كما تفعل الآن بل تعمل علي أن تخمدها، وسيكون لي معك شأن آخر في هذا الأمر، ثم ألتفت إلي الخفرأء مستطردا صوبوا بنادقكم إليه، ولو رفع يده ليجفف عرقه أطلقوا عليه نيرانكم دون رحمة، ثم ألتفت إلي رشدي قائلا في حدة أفعلها إذن ياحاج وستري رد فعلي علي ذلك، وبدأ بالفعل الموقف يشتعل خاصة عندما قفز أحد الخفراء من فوق السور وتسلل من خلف رشدي وهو يحاول أن يباغته من خلفه ليأخذ منه سلاحه، فتصاعد صوت شيخ البلد وهو يقول له أحذر ياحاج، ولم يدري العمدة لماذا يفعل شيخ البلد هذا، ولكن شيخ البلد كان يدري، فهو كصديق شخصي للحاج رشدي يعلم أن الباشا عرض عليه شراء أرضه كلها منه، وقد وافق هو علي هذا العرض، وعندما يحدث هذا سيكون لي رشدي نفوذ في الناحية أقوي من الباشا نفسه، ويستطيع آنذاك أن يخلع العمدة من منصبه ويضعه مكانه، وفي هذه اللحظة ألتفت الحاج رشدي إلي الخفير وهو يوجه سلاحه نحوه، فانقض العمدة عليه لينزع منه سلاحه الذي أنطلقت منه عدة طلقات تردد صداها في المكان مع صراخ زوجة رشدي التي كانت تقف في النافذة تشاهدهم في هذه اللحظة، ومرة أخري سالت بحور الدماء في القرية مرتين في يوم واحد….
أندفع الباشا بعربته نحو بوابة السرايا عندما ضغط علي كابح الفرامل بأقصي طاقته عند رؤيته لباب السرايا يفتح علي مصراعيه، وقد خشي الارتطام بالشخص الذي ظهر أمامه فجأة والدماء تغرق ثيابه، فعندما أستعاد رياض وعيه نظر بجانبه فوجد السكون يخيم علي المكان فاتجه إلي باب السرايا وفتحه، في نفس اللحظة التي كان الباشا يتجه فيها نحو الباب بعربته، وشعر رياض أنه سيفقد الوعي إلا أنه تحامل علي نفسه وقاوم ذلك الشعور إلا أنه كان أقوي منه، فبدأ يتمايل في سرعة ثم وقع علي الأرض، فقفز رفعت من العربة وتبعه مراد وحملوا رياض إلي العربة، فهتف فيه رفعت قائلا يجب أن نتوجه إلي المستشفي ياباشا علي الفور فإنه في حالة خطيرة ويجب أنقاذه في أسرع وقت، لم يدري رياض ماذا حدث له إلا عندما بدأ يستعيد وعيه، وشعر بالآف المطارق تطرق رأسه في عنف، ووجد نفسه في غرفة نظيفة في مستشفي المديرية، وسمع صوت الممرضة وهي تتحدث إلي زميلتها قائلة هل تعرفين أن هذا الرجل يهتم به شخصياً مراد باشا وشقيقه الدكتور رفعت الذي يشرف علي حالته بنفسه، لقد كانت أصابته شديدة الخطورة، ولقد فعل الدكتور رفعت المستحيل للابقاء علي حياته، فلقد نزف كثيراً من دمه، ولكن الحمد لله أنه قد أجتاز مرحلة الخطر، وشعر رياض بالارتياح وهو يسمع هذا الكلام منها، ثم بدأت عيناه تتثاقل وهو يسقط في غيبوبة عميقة مرة أخري……
وقف شيخ البلد يستقبل المأمور وهو يتطلع إلي الطريق في قلق، ومالبث أن تنهد في أرتياح عندما لمح ضوء عربته من بعيد وتعرف عليها عندما أقترب منه، وعندما أقتربت العربة منه أشار المأمور للسائق أن يقف، ونزل منها المأمور قائلا في أهتمام أين العمدة ياشيخ البلد؟ فأجابه شيخ البلد وهو يرسم الحزن علي وجهه وظفرت من عينيه دمعة قائلا في أرتباك البقية في حياتك يابيه في العمدة ،فسأله المأمور في دهشة كيف حدث ذلك ياشيخ البلد لقد كان يحدثني منذ قليل؟ فأجابه شيخ البلد في أسي الموت ليس له مواعيد يابيه، فأشار المأمور بيده إليه في عصبية قائلا إذن فلتركب معنا لتدلنا علي الطريق، ثم ألتفت إلي وكيل النيابة وهو يقول في حدة سنذهب علي الفور ياذكي بيه إلي قصر الباشا، فصاح وكيل النيابة في تردد كان يجب أن نأخذ إذن من الباشا قبل أن نقتحم السرايا، فهتف المأمور في صرامة هناك جريمة قتل ياذكي بيه ولا أظن الباشا سيعارض في سير القانون، فقال وكيل النيابة في توتر لقد نصحتك ياكامل بيه والرأي الأخير لك، فاشاح المأمور بوجهه قائلا في غلظة أنني أنفذ عملي ياذكي بيه، ثم ألتفت إلي شيخ البلد الذي تعالي صوت بكائه مستطرداً هل تعرف طريق مختصر من هنا إلي سرايا الباشا ياشيخ البلد، فابتسم شيخ البلد رغم دموعه وهو يجيب في خبث قائلا لا أظن أن هناك داعي لذلك ياحضرة المأمور، فلقد تغيرت أمور كثيرة منذ أن حدثك العمدة، ولقد القي شيخ الخفراء القبض علي خفير الباشا الذي أطلق النار من قبل وهو يحاول الهرب خارج البلدة، وهو الآن مسجون في داري، فعقد المأمور حاجبيه في دهشة قائلا لماذا لم تسجنه في دار العمدة فهناك حجرة مخصصة لذلك، فهتف شيخ البلد في دهاء لأنني لم أكن أريد أن تعلم زوجته بما حدث له، فلوح المأمور بيده في حدة قائلا هل مات العمدة وزوجته لم تعرف بما حدث له بعد؟! فقال شيخ البلد في أسي نعم ياحضرة المأمور، فإنني أريد أن أصحح خطأ صغير فالعمدة لم تكن وفاته طبيعية بل قتل، تراجع المأمور في دهشة قائلا في قسوة حازمة من الذي يجرؤ علي أن يفعل ذلك الأمر ، فمال شيخ البلد نحوه قائلا في خبث لقد قتله الحاج رشدي، فقال المأمور في حدة إذن صف لنا الطريق إلي دار الحاج رشدي ياشيخ البلد، ولقد كان المأمور يعرف الطريق جيداً فقد سبق وأن قضي كثير من الليالي في منزل الحاج رشدي، وكان المأمور يسرع لتلبية مثل هذه الدعوات خاصة وأن الحاج رشدي كريم للغاية في أقامة مثل هذه الولائم، ولكن المأمور أنكر صلته بمعرفة الطريق فمن يدري ماذا سيجدون في داره وماذا سيحدث بعد الآن، فابتسم شيخ البلد في خبث وهو يردد بداخله كلمات لو سمعها المأمور لاطلق عليه نيران مسدسه دون تردد، وأرتفع صوت شيخ البلد وهو يشير للسائق قائلا أنعطف إلي اليمين، وعندما أنعطف السائق إلي اليمين أشار له شيخ البلد إلي دار الحاج رشدي، وابتسم المأمور عندما أدرك أن شيخ البلد قد فهمه سريعاً، لقد كان بداخله يتنبأ لشيخ البلد هذا بمستقبل كبير، ومازال يتنبأ له به، فهو ذكي للغاية، من ذلك الذكاء الذي يصيب المرء بالخوف من التعامل مع أمثاله…..
توقفت العربة امام منزل الحاج رشدي ونزل منها المأمور ووكيل النيابة وكاتب النيابة وبعض الجنود الذين أصطفوا في صف واحد، فاقترب شيخ الخفراء منهم وأخذ يوزعهم حول الدار في نظام، وعبر المأمور باب دار الحاج رشدي، فوجد العمدة ملقي علي الأرض وحوله بقعة كبيرة من الدماء، ووجد خفير يقف بجانبه فأشار إلي الخفير قائلا أين القاتل؟ فتصاعد من خلفه صوت رشدي وهو يقول في توتر أنا هنا يابيه، ولايمكنك أن تصفني بهذا حتي ينتهي التحقيق، فالمجرم برئ حتي تثبت أدانته، فالتفت إليه المأمور وهو يقول في أسف بالطبع ياحاج، فإنني لم أكن أعلم أنه أنت المتهم، فاشار لهم الحاج وهو يقول تفضلوا يابهوات داخل الدار فلا يصح أن نقف هكذا، وكاد المأمور أن يتبعه ولكن أوقفه صوت وكيل النيابة وهو يقول لهم لا أفضل أن يتم التحقيق هنا، فأشار شيخ البلد إلي أحد الخفراء قائلا أسرع باحضار مائدة وكراسي لنجلس عليها من داخل الدار، وعندما أحضر الخفراء الكراسي والمائدة التفت وكيل النيابة إلي كاتب النيابة قائلا أكتب يافتحي، فاخرج كاتب النيابة أوراقه وبدأ يكتب مايمليه عليه وكيل النيابة، الذي قال أنه في ساعته وتاريخه أنتقلت أنا ذكي سليمان وكيل النيابة إلي موقع الحادث وهو منزل المتهم، فوجدت جثة لرجل في أوائل العقد الخامس من عمره ملقاة علي الأرض وحولها بقعة كبيرة من الدماء داخل حديقة منزل المتهم، وبسؤال الشهود عن هوية القتيل قالو أنه عمدة البلدة، وتم التحفظ علي القاتل داخل منزله لحين وصولنا، وأصدرت انا وكيل النيابة أمر بتفتيش منزله بحثا عن السلاح المستخدم في ارتكاب الجريمة، وبسؤال الجاني عن كيفية ارتكاب الجريمة أجاب
س/أسمك وسنك، وعنوانك
ج/رشدي عبد الحميد حسان، 49 سنة، قرية القرين
س/كيف وقعت الجريمة يارشدي
ج/ أنا يابيه كنت نائم عندما أقتحم العمدة داري هو والخفراء وقال لي أن ابني رياض قد اطلق عليه خفير الباشا المدعو حامد النار وقتله، وعندما أسرعت لرؤيته منعني العمدة هو والخفراء من الخروج، وشيخ البلد شاهد علي ذلك، فأومأ شيخ البلد برأسه أيجابا، ثم مد يده في جيب جلبابي ليأخذ مني سلاحي المرخص، وحاولت أن أمنعه من ذلك وقلت له انني ساعطيه السلاح دون أستعمال العنف، ولكنه جذبه في عنف من يدي فانطلقت منه طلقة أصابت قلبه فوقع قتيلا علي الفور، وبدأ أن رشدي سيفلت من العقاب، وغمغم شيخ البلد في خفوت ياللعقل الشيطاني، أنك بهذا تنفي التهمة عنك بكل جدارة، وبدأ يتساءل بداخل نفسه ماذا يجيب وكيل النيابة عندما يبدأ في التحقيق معه، هل يجيبه بالحقيقة أم يؤكد كلام رشدي، ولكنه لم يكن يحتاج إلي تردد فقد أخذ القرار بالفعل، وكما يقول المثل ( الحي أبقي من الميت )، وأنتزعه من تفكيره صوت احد الجنود وهو يعدو نحوهم صائحا لقد وجدت هذا يافندم، أنتفض قلب شيخ البلد بين ضلوعه من شدة المفأجاة ولم يتحمل رشدي الموقف فتسارعت ضربات قلبه وسقط علي الأرض،فلقد كان الجندي يحمل جوال تناثرت منه أثناء عدوه لفائف المخدرات، فاقترب وكيل النيابة من رشدي وهو يضع يده علي عنقه وهو يقول لي كاتب النيابة، أكتب يافتحي، أنه في ساعته وتاريخه أغلق المحضر لوفاة الجاني، ويتم التحفظ علي جثة الجاني، والمجني عليه، لحين انتداب الطبيب الشرعي لتحديد سبب الوفاة، ومصادرة المخدرات الموجودة بمكان الحادث….
بدأ علي وجه شيخ البلد الذهول من كل ماحدث، فقد تهاوت أحلامه كلها مرة واحدة وفقد كل شيء في ليلة واحدة، وافاق من شروده علي صوت المأمور الذي سأله وهو ينصرف قائلا هل ستأتي معنا ياشيخ البلد أم ان لديك أعمال أخري هنا؟ فنحن سنذهب إلي قصر الباشا أولاً لمعاينة مكان الجريمة التي كانت سبب في حضورنا هنا، ثم سنذهب بعد ذلك إلي دار العمدة للقيام بواجب العزاء، فأجابه شيخ البلد في ذهول بالطبع ياحضرة المأمور سوف أذهب معكم فالواجب لايتأخر عنه أي إنسان مهما كان وركبوا جميعاً العربة، وفي الطريق سأل وكيل النيابة شيخ البلد عن إذا كان رشدي التزم الصدق في أعترافاته أم أنه كان يقول غير الحقيقة، ووقع شيخ البلد في حيرة بماذا يجيبه فقد أختلفت الأمور الآن، حتي لو كذب عليه وقال غير الحقيقة فلن يضره ذلك في شيء، فلقد أغلق المحضر ومات العمدة ولحق به رشدي، وغمغم في حيرة وهو يقول في تردد بالطبع ياسعادة البيه كان يقول الحقيقة، ولكنه اضاف بعض الاشياء التي لم تحدث من قبل ، لقد ذهب العمدة إليه لتحذيره من عمل أي شيء قد يأتي بنتائج عكسية، خاصة عندما علمنا من أحد أقاربه انه ذاهب لاحضار رجال العائلة للانتقام، فحاولنا أن نمنع ذلك الرجل عن فعل هذا، ولكنه تركنا ، وأنصرف وعندما قابلنا رشدي في منزله حاول أن يخرج بالقوة، واخرج سلاحه وهددنا به، وحاول ان يضرب النار علي أحد الخفراء الذي تسلل خلفه لشل حركته، فحاول العمدة أن يمنعه الا أنه خرجت من مسدسه طلقة اصابت العمدة فقتلته علي الفور ، ثم لوح بيديه في اسي وهو يقول ماذا نقول يابيه دنيا، من كان يتوقع أن يحدث هذا كله في ليلة واحدة ولكنه القدر، وبعد ان أنتهوا من تأدية واجب العزاء وقف شيخ البلد ليودع المأمور الذي مال عليه قائلا في زهو كلمات ظلت تتردد داخل عقله حتي بدأ النوم يداعب جفونه بقوة ، فقد قال له أرجو أن تحافظ علي النظام ياشيخ البلد حتي يصدر قرار بتعيين العمدة الجديد، أنت تفهمني جيداً، فأجابه علي الفور قائلا نعم أفهمك جيداً ياحضرة المأمور، وعندما بلغ هذا الجزء من الحديث أتسعت أبتسامته، فيبدو أن الحظ سيبتسم له، وهاهو المأمور يعده بمنصب العمدية دون أن يوضح له ذلك مباشرة، وفي أعماقه تمني أن تحقق له الأيام القادمة حلمه هذا، فهو قد خلق لهذا المنصب بكل جدارة.

المزيد من المشاركات

تنبيه هام، المنشور يعبر عن رأي الكاتب ويتحمل مسؤوليته، دون ادنى مسؤولية علي الجريدة

تنبيه

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: