الليلة الفقهية السوداء

معلومة تهمك

الليلة الفقهية السوداء
بقلم/ حاتم إبراهيم سلامة
كنا نقرأ قديما عن التعصب المذهبي، وكيف كان يقود أنصاره وأتباعه للعداوة والكره والمقت والبغضاء، كان شيئا عجيبا ما حدث، فالفقه الذي هو علم الدين، أو علم الفهم في الدين، كان في بعض فتراته حينما تجرد من التربية والتقوى، صار أصحابه روادا للجهل، وصارت نفوسهم التي كان يفترض لها أن تتهذب وترتقي، على حالة مذهلة من الشقاق والعراك.
ناهيك عن الأحكام القاسية التي لم يتورعوا أن ينعتوا بها بعضهم بعضًا، فهذا فاسق وهذا مبتدع، وهذا ضال، وربما كافر بالملة، وخارج عن الإسلام.
لم يقتصر الأمر على التراشق اللفظي، وإنما كانت هناك مساحات واسعة، ومواقع مشهودة معلومة للعراك اليدوي، الذي لم يحترم دينا ولم يقدر سابقة، ولم يستح من علم، فكم من أئمة كبار طالهم الأذى بسبب اجتهادهم في المسائل الفقهية، واختلافهم مع مذاهب أخرى لها أنصار ومريدون، يحمونها ويدافعون عنها بالعنف والقوة، قبل العلم والحجة.
ومن العجب أن تتكرر مثل هذه الصور القديمة في العصر الحديث، ولم العجب؟ فالتقوى إذا غابت وضاقت الصدور، وعم الجهل، وأكلت العصبية المأفونة عقول الناس، يمكن لذات المواقف أن تتكرر وتعيد أيامها الخوالي.
حكى سعادة السفير (شعبان شعيب) في بعض ذكرياته ما حدث في قريته وهو صغير فقال:
“كان الشيخ عبد الخالق رحمه الله إمام وخطيب المسجد الغربي لفترة من الزمن، ومنذ حوالي 60 سنة، وفي أول ليلة من
رمضان، اقترح أن يلقي درسا بسيطا قبل العشاء عن الصوم، وكانت ليلـة لـيـلاء غاب فيهـا القـمـر، فبعد أن بدأ في إلقاء الدرس، إذا بالحاج عبد الحليم رحمه الله يسأله سؤالا غريبا عجيبا، لا أصل له ولا فصل ولا معنى ولا منطق، وهو أن رجلا كان يتسحر شعرية طويلة مسلوقة، ولأنه في عجـلة مـن أمـره، كـان يبتلع الشعرية بأعوادهـا السليمة دون مضغها، وفجأة أذن الفجر وعود شعرية نصفه داخل البلعوم ونصفه الثاني يتدلى من فمه..!! فماذا يفعل يـا شيخ عبد الخالق يا عالم يا أزهـري يـالـي بتعطي دروس عن الصيام؟
تعجب الشيخ عبد الخالق ومعظم الحاضرين، وقال له: إن هـذا من الصعب حدوثه، فقال له: هو ده اللي حصل، عندك إجابة ولا لأ؟، قال الشيخ عبد الخالق: مـادام الأمـر كـذلك فإنه يمكن للرجل أن يقطع عود الشعرية، ويبتلع النصف الموجود داخل البلعوم ويلفظ النصف الخارج من فمه… قال الحاج عبد الحليم: إن الاجابة غلط، وبكده ممكن تضل الناس بغير علم… فقال الشيخ عبد الخالق: يا سيدي أنا غلطان واذا كان عندك الاجابة قلنا عليهاومنك نستفيد… قال الحاج عبد الحليم: إن الحل هو أن يبقى الرجل على وضـعه هـذا طوال اليوم، وأن يظل فاتحا فمه ونصـف عـود الشعرية في داخل جوفه والثاني متدلي من فمه، ولا يبتلع ريقـه حتى أذان المغرب.
علت كثير من أصوات معترضـة علـى هـذه الاجابـة الشـاذة الغريبة، فكيـف لأي أنسـان أن يتحمـل ذلـك، فـي حـيـن علـت
أصوات أخرى تؤيد فقه الحاج عبد الحليم، وترى أن هـذا هـو الحل الأضمن لصحة الصوم، تكهرب الجو بتبادل الشتائم والسباب، ثم بالتشابك بالأيدى بين فقهاء المذهبين الجليلين، وفجـأة طـار قبقاب خشـب صـوب فـانوس المسجد فهشمه تهشيما، فسـاد الظلام وسادت الظلمة والجهالة، وبدأت المعركة الضروس.
وانتهت الليلة الفقهية السوداء بأن تفـرق الجميع، وكل منهم يضمد جروحـه ويـداوي آلامـه، وغـادر النـاس المسجد دون أن
يستمعوا لدرس الشيخ عبد الخالق، ولا صلوا العشاء، ولا صلوا التروايح، وضاعت الفرائض والسنن بسبب التجرؤ على الفتوى في دين الله بغير علم.”
نعم ضاعت الفرائض والسنن بسبب الجهل والتعصب، وحرموا من الصلاة، جزاء لهم، فلا يمكن لمثل هذه النفوس أن تقف بعد هذه العداوة والغليان والنفس الجاهلة بين يدي الله تعالى، لقد حاولت أن أبحث في الصورة عن أي شيء إيجابي ألفت إليه، لكن ضحالة العقول، وصغر النفوس، جعلني أتألم من أحوال الناس الذين يتعاركون على الصغائر، ويتشاكسون في التوافه، بينما أعداؤهم يصعدون إلى القمر، ويبنون الحضارة، ويركبون صهوة العلم، وحينما تسيل الدماء لا مشكلة إذن إذا سالت لأي غرض من أغراض الدنيا، ولكن حينما يكون الفقه في دين الله هو منشؤها ومؤجج أوارها، فهذا شيء محزن، نأسف عليه حينما نراه ليضيف إلى أوجاعنا أوجاع، وإلى آلامنا آلام.
وليس العيب في الفقه، ولكنه عيب النفوس التي لم تتفقه.
كثير من طلبة العلم الذين يفتقدون الأدب والاحترام، على استعداد اليوم أن يرتكبوا جرائم ومنكرات، دفاعا عن حكم فقهي تلقوه من شيخهم، الذي صاروا يقدسون أقواله، على حساب العقل الذي فتح منافذ الاجتهاد، فضيقوا واسعا، وحاصروا منفتحا، وملأوا حياتنا بالغل والكره والحقد.
قد تكون صورة لـ ‏‏‏شخص واحد‏، ‏‏لحية‏، ‏نظارة‏‏‏ و‏منظر داخلي‏‏

المزيد من المشاركات

معلومة تهمك

تنبيه هام، المنشور يعبر عن رأي الكاتب ويتحمل مسؤوليته، دون ادنى مسؤولية علي الجريدة

تنبيه

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: