كلّمة السيّدة الوزيرة د. آمال بلحاج موسى، بمناسبة عرض التقرير السنوي للهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص لسنة 2020

معلومة تهمك

كلّمة السيّدة الوزيرة د. آمال بلحاج موسى، بمناسبة عرض التقرير السنوي
للهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص لسنة 2020
متابعة عبدالله القطاري من تونس
تونس، 27 أكتوبر 2021
السيدة وزيرة العدل،
السيد وزير الشؤون الخارجية،
السيدة ممثّلة السيد وزير الدّاخلية
السيدة رئيسة مكتب مجلس أوروبا بتونس
السيد المنسق المقيم للأمم المتحدة بتونس
السيدات والسادة ممثلي المنظمات الدولية والإقليمية،
أود بداية باسمي الخاص وباسمكم جميعا أن أتقدم بالشكر الى السيدة روضة العبيدي على روحها الوطنية وإيمانها بمبادئ حقوق الإنسان وبالرسالة النبيلة والمسؤولية التي تضطلع بها على رأس الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص، وهو ما لمسته من خلال متابعاتي لعمل الهيئة واطلاعي على تقاريرها السنوية وعلى الدور المحوري الذي تقوم به رغم الإمكانيات المادية والبشرية المتواضعة.

معلومة تهمك

كما لا أفوّت هذه الفرصة لأتوجه بالشكر لكافة فريق عملها ولممثلي الهياكل الحكومية وممثلي المجتمع المدني صلب الهيئة والذين لا يدّخرون جهدا في معاضدة مجهوداتها رغم عدم تفرّغهم والتزاماتهم المهنية وإلى كلّ الدّاعمين من منظمات وهيئات دولية.
السيّدات والسّادة الحضور،
اسمحوا لي بتوصيف برقي سريع لظاهرة الاتجار بالأشخاص: إنها شكل مقنع للعبودية الجديدة التي أصبحت اليوم على مستوى العالم تضع أقنعة مخاتلة ولكن أنصار حقوق الإنسان في العالم والدول المعنيّة بكرامة الإنسان لم تنطلي عليها هذه الأقنعة وكانت دقيقة في الوصف حين أدرجت أشكال العبودية الجديدة تحت قانون يسميها صراحة: الاتجار بالأشخاص.
أيضا اسمحوا بتلخيص قصة الحضارة التونسيّة مع العبودية وأشكالها المخاتلة المراوغة للقوانين. فنحن نمتلك تجربة رائدة مسجلة في ذاكرة العالم من طرف اليونسكو. ذلك أن قرار أحمد باشا عاشر البايات الحسينيين بإلغاء الرق والعبودية في جانفي 1846. فنحن ننتمي إلى بلد هو الأول تاريخيا يلغي الرق ويهدم الدكاكين الخاصة بالعبيد الشيء الذي يعزز فكرة عراقة نبتة الحداثة في التاريخ السياسي الاجتماعي التونسي.
ففي خضم هذا الرأسمال التاريخي في مكافحة العبودية والرق ننزل فطنة النخب التونسية لظواهر الاتجار بالأشخاص وعزم بلادنا المستمر على مكافحة كافّة أشكال الاتجار بالأشخاص من خلال وضع الآليات الضرورية التي تمكنها من الوقاية من شتى أنواع الاستغلال التي يمكن أن يتعرّض لها الأشخاص وخاصة منهم النساء والأطفال، وحماية الضحايا ومساعدتهم، وتتبع وزجر مرتكبي هذه الجرائم من خلال تعزيز التنسيق الوطني والتعاون الدولي لتحقيق الهدف وهو مكافحة الاتجار بالأشخاص. وهي المحاور الكبرى التي تعمل الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص، المحدثة بمقتضى القانون 61 لسنة 2016، في إطارها باعتبارها الآلية الوطنية التي تعتمد عليها الدولة التونسية للتصدي لهذه الظاهرة الخطيرة التي تفاقمت خاصة في صفوف النساء والأطفال.
وأغتنم الفرصة لمزيد تأكيد أدوار الهيئة المحورية والرئيسية في مكافحة الجريمة فهي تتولى تنسيق الجهود بين مختلف المتدخلين من هياكل حكومية وغير حكومية ومنظمات دولية من أجل تطبيق إجراءات حماية الضحايا والشهود والمبلغين.
كما أوكلت للهيئة مهمة تلقي الإشعارات حول عمليات الاتجار بالأشخاص وإحالتها على الجهات القضائية المختصة، بالإضافة إلى جمع المعطيات والإحصائيات المتعلقة بالاتجار بالأشخاص في شكل قاعدة بيانات يعتمد عليها في تعديل السياسات العمومية واقتراح الآليات والإجراءات الكفيلة بالحد من الطلب الذي يحفز جميع أشكال استغلال الأشخاص ونشر الوعي الاجتماعي بمخاطر الاتجار بهم، وهي ترجمة لالتزام بلادنا بالمواثيق والمعاهدات الدولية التي تنخرط في حرب معلنة ضد كل الممارسات التي تندرج في إطار الاتجار بالبشر باعتباره جريمة ضد كرامة الإنسان وسلامته وانتهاكا صارخا لحقوقه.
وإنّ في سنّ الدولة التونسية لقانون خاص ينص على منع الاتجار بالأشخاص ومكافحته منذ سنة 2016، إنما يمثل تعزيزا لمنظومة حقوق الإنسان تعبيرا صريحا عن إرادة تونس وعزمها على مكافحة هذه الظاهرة حيث ينص قانون 2016 على أن “تكون العقوبة أقسى إذا كانت الضحية طفلا أو امرأة حاملا أو شخصا فاقد للأهلية أو صاحب إعاقة”.
السيدات والسادة الكرام،
اسمحوا لي أن أعبّر لكم عن الانخراط التّام لوزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السنّ في هذا المسار الوطني وداعمة له باعتبار مهامها الأفقية التي تمسّ النساء والأطفال وكبار السن، حيث وضعت الوزارة عديد البرامج والآليات لحماية أفراد الأسرة من بينها إصدار مجلة حماية الطفل التي بمقتضاها تمّ إحداث سلك مندوبي حماية الطفولة، والمصادقة على أغلب الاتفاقيات والصكوك الدولية المتصلة بحقوق الطفل والمرأة، كما تم إصدار قانون مناهضة العنف ضدّ المرأة ( 2017) والذي أصبح مرجعا لحماية النساء من كافة أشكال العنف والاضطهاد، ويجري العمل على إصدار مجلة لحماية كبار السنّ ليكون الإطار القانوني الشامل للحفاظ على كرامة آبائنا وأمّهاتنا.
وبهدف التصدي لاستغلال الأطفال وغيره من الممارسات التي تنضوي ضمن الاتجار بالأشخاص، أعدت وزارة الأسرة المرأة والطفولة وكبار السنّ، مشروع السياسة العمومية المندمجة لحماية الطفولة والتي سيتمّ عرضها قريبا على أنظار مجلس وزاري، كما انطلقت في التقييم نصف المرحلي للاستراتيجية الوطنية متعدّدة القطاعات لتنمية الطفولة المبكرة للفترة 2017-2025 والتي تتضمن عديد المحاور من أهمها إقرار البرنامج الوطني للتربية على الوالدية الإيجابية الذي تمّ بناء منطلقاته من خلال نتائج الدراسة التشخيصية لواقع علاقة الأولياء بالأبناء وضرورة العمل على تغيير الأشكال النمطية في التربية ومزيد دعم قدرات الأولياء لحسن تربية وتنشئة أبنائهم على قيم المساواة بين الجنسين ونبذ العنف.
كما تتعهّد الوزارة من خلال عمل مندوبي حماية الطفولة بشتى أشكال وضعيات الأطفال الذين يتعرضون لانتهاك حقوقهم وحرمانهم منها وذلك بالتعاون مع السلط القضائية والجهات الحكومية والهيئات الوطنية وقد بلغ عدد الإشعارات حسب آخر تقرير نشاط المندوب العام 18 ألف إشعارا، وأحيّي من هذا المنبر ما يقوم به سلك مندوبي حماية الطفولة من مجهودات كبيرة في سبيل حماية أطفال تونس وأثمّن عملهم الدؤوب في إطار شبكي مع كافة المتدخّلين في شأن الطفولة.
هذا، كما عملت الوزارة على وضع آليات للتمكين الاقتصادي والاجتماعي للأسر محدودة الدّخل وللمرأة في الوسط الريفي، منها برنامج رائدة للتمكين الاقتصادي للمرأة والذي انتفع منه حوالي 4500 باعتمادات قدرها 40 مليون دينارا، وهي آليات وبرامج تهدف في مجملها إلى النّأي بالنساء عن مصادر الهشاشة والتهميش وعدم تعريضهم للاستغلال والاتجار وذلك بتمكينهم من الاستقلالية الاقتصادية.
سيداتي سادتي،
إنّ تونس ورغم ما تقوم به من مجهودات ليست في مأمن من ظاهرة الاتجار بالأشخاص مع الأسف، رغم أنّها لا تعتبر من البلدان التي تستفحل فيها هذه الظاهرة مقارنة بالدول الأخرى، إلا أنها تشهد وجود بعض الأشكال خاصة المتصلة بشبكات التسول والاستغلال الجنسي والعمل القسري الذي يجعل عديد النساء والأطفال عرضة للاتجار، مما يتطلب تدخل على جميع المستويات الوقائية والحمائية لمنعها ولمكافحتها وللحد منها.
مثل هذا الاستفحال يجعلنا في حالة قلق أزعم أن كل الأطراف المعالجة لقضية الاتجار بالأشخاص تشاركننا فيه. وهو قلق حتمته الأرقام الواردة في تقارير الهيئة الوطنية لمناهضة الإتجار بالأشخاص وتقارير نشاط مكتب المندوب العام لحماية الطفولة، حيث تلقت الوزارة خلال سنة 2020: 451 إشعارا يتعلق بمختلف أشكال الاتجار بالأشخاص مسجلا بذلك ارتفاعا غير مسبوق بنسبة تناهز 150 بالمائة باعتبار أن عدد الضحايا سنة 2019 كان في حدود 181 طفلا. واللافت في هذا الارتفاع هو تصاعد عدد حالات الاستغلال الجنسي للأطفال ذكورا وإناثا أربع مرات مقارنة بسنة 2019. ومثل الاستغلال الاقتصادي للأطفال 44.3% من الحالات، كما طفت على السطح ظواهر أصبحت في تزايد مطرد تتعلق باستغلال الأطفال في الجرائم المنظمة ومحاولات لبيع الرضّع.
لذا يتوجب علينا توفير الحماية لضحايا الإتجار من خلال دعم أساليب الحماية ووضعهم في بيئة آمنة وإمدادهم بالخدمات الاجتماعية والرعاية الصحية والدعم النفسي والاجتماعي ومحاولة إعادة إدماجهم في المجتمع وبأسرهم خاصة بالنسبة إلى الأطفال مراعاة لمصلحتهم الفضلى، كما يجب أن نفكّر بعمق في استنباط آليات جديدة للتوقي من هذه الظاهرة وتحصين مجتمعنا من آفة الاتجار من منطلق إيماننا بالمبادئ الكونية لحقوق الإنسان وبأن الإنسان في تونس هو ثروتنا الحقيقية والكبيرة.
سيداتي سادتي،
إن حضورنا ومشاركتنا في هذه الندوة يأتي ضمن قناعتنا بضرورة القضاء على هذه الظاهرة والتصدي لها وبإيماننا الرّاسخ بالمسؤولية المجتمعية التي تتحملها الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص باعتبارها الآلية الوطنية الكفيلة بتحقيق الاهداف المنصوص عليها بقانون منع الاتجار بالأشخاص ومكافحته ومضامين المواثيق الدولية المصادق عليها من قبل الدولة التونسية، وهو ما يتطلب تكاتف جهود جميع الأطراف لتوفير كل الاليات والظروف لنجاح السياسات الوطنية في هذا المجال.
وختاما آرجو كل التوفيق والنجاح لأشغال هذه الندوة وأشد على أيديكم لأن الانخراط في هذه القضايا نضال وتجسيد لمعنى العمل الصالح.

تنبيه هام، المنشور يعبر عن رأي الكاتب ويتحمل مسؤوليته، دون ادنى مسؤولية علي الجريدة

تنبيه

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: