الفطام

الفطام مقال كتبته غدير الفقي

معلومة تهمك

الفطام 

كتبت / غدير الفقي

نمر جميعا بمراحل فطام وانفصال كثيرة فأول مراحل الانفصال عندما كنا أجنة فانفصلنا عن هذا العالم الضيق المظلم ، هذا العالم الملئ بالماء من كل مكان حولنا وعلي الرغم من ضيق هذا المكان وعلي الرغم من قبح ظلامه إلا أنه كان بالنسبة لنا العالم الفسيح الواسع ، أكثر الأماكن أمانا و أطمئنانا ، أكثر أماكن هذا العالم حبا وسكينة واحتواء …

معلومة تهمك

أنفصلنا عن هذا العالم الذي أختارنا بإرادتنا الاكتفاء منه وعلي الرغم من الصريخ المتعالي وصعوبة هذا العالم إلا أننا نهدأ بعدها ونسكن سكون طويل هادئ وندخل في سبات ونوم عميق بعد أن شعرنا بهذا الحضن الدافئ الذي أحسسنا بالحب والسكينة والهدوء ، هذا الحضن الذي ذكرنا بنفس أحتواء وجمال هذا العالم  المظلم الذي أنفصلنا عنه للتو …

نعم بالظبط هذا ما أعنيه هذا الأنفصال هو عملية الولادة التي تمت بموافقة ورغبة كل الأطراف ، فتم بموافقة الأم التي تعبت من الثقل  الزائد وحجمها الذي يتضاعف ولا تقوى علي الحركه بحرية بسببه …

وتم بموافقة الجنين الذي أقر أنه اكتفى من هذا العالم المظلم الجميل  فأوحى له الله بالاعتدال ليستطيع الانفصال والنزول ليستمتع بتجربة أول أنفصال في حياته …

 

هل رأيت معى  هذا الانفصال المروع الذي تم برغبة كل الأطراف ، هل رأيت كم هو مؤلم وكم هو مودع ولكنه أنفصال ضروري حتى نبدأ بخوض تجربة جديدة تجربة أتصال من نوع آخر تجربة بها أطراف منفصله وليست متصله ، هل رأيت معي مع كل هذا الألم الممتع كم هي المشاعر الرائعة التي خلقت جراء هذه العملية ، هل كنت تتخيل أن بعد كل هذا الألم والوجع والبكاء والقلق سيعم الضحك والتهاني والأمل ؟!

 

ونعيش فترة من أعظم فترات الانسان متعة ، فكل ما حولنا يقومون بتلبية أحتياجاتنا بمجرد البكاء أو الصراخ ، ويكون الطعام اللذيذ جاهز لنا في كل وقت بأعظم دقة وأعظم تجهيز ففي هذه الفترة لا نأكل ولا نشرب إلا ما نأخذه من أمهاتنا ، فنحن الأن في مرحلة الرضاعه …   نستمتع بكل قطرة نأخذها من أمهاتنا ( في الحقيقة رآي فرويد أن مرحلة الرضاعه هي من أقوى المراحل التي يتعرف بها الطفل علي العالم من حلوه )  ونستمتع بكل هذا الرغد لمدة سنتين كاملين قد يكونوا أقل ( وأثبتت الدراسات الحديثة أن أنسب مدة للرضاعة 6 أشهر قد تزيد )   في هذه المرحلة يحدث لنا نوعا أخر من الأنفصال يسمي ( فطام ) نعم فبأختيار الأم الكامل الحر ، أختارت أن تمنع هذا الطعام الواحد لتجهزك لتجربة أنواع أخرى مما لذ وطاب من الطعام ، في حقيقة الأمر أن الفطام يحدث برغبة كاملة من طرف واحد وهي الأم يشعر الطفل وقتها بأشد مراحل الخذلان والحزن فهو لم يختار هذا النوع من الفطام هو يريد هذا الطعام الواحد لأنه بالنسبة له العالم ونعيمه ، ولكن لايملك أي قوة لتتراجع الأم عن قرارها وعليه أن يتقبل هذا النوع من الأنفصال وبالفعل يستسلم بعد فترة لما قرر له ، ومع استسلامه تبدأ حياة جديدة باختيارت جديدة بشكل أوسع بكثير مما كان يعتاد عليه  …

 

ها هو الأن أكتشف أن هناك مئات من الاختيارات من الطعام مما لذ وطاب يختار منها ماهو حادق ماهو حلو ماهو سميك ماهو سائل ، ويكتشف لأول مرة أنه له قدرة علي الاختيار والرفض والقبول لأنه أمامه الكثير من الاختيارات ، حالة الفطام هنا علي الرغم أنها كانت قائمة علي قرار شخص واحد إلا أنها كانت تصب في مصلحة الطرفين لذلك عندما استائنا وسئمنا من هذا الفطام ، منعنا عن أنفسنا معرفة أنه هناك الكثير مما هو أجمل وأحلى …

كبرنا أكثر نضجنا أكثر والأن نعيش حالة أخرى  من الاتصال  المنفصل  مع كل ماحولنا  ، نعتمد علي أنفسنا بشكل مختلف ولكننا مازلنا  متصلين ومعتمدين علي الأشخاص من حولنا خصوصا الأهل …  كبرنا ونضجنا وشعرنا برغبة أكبر في  العيش حالة فطام بشكل أوسع ، ولكن الفطام الآن هو فطام معنوي فطام فكري فطام نفسي ، نرغب الآن أن نعيش تجربتنا بأنفسنا نعيش بأختيارتنا نعيش برؤيتنا ، نود لو أن نجرب كل مافي هذا العالم لنراه بمنظورنا نحن لنراه بأعيننا وليس بعين الآخرين …

 

ويبدأ هذا الفطام بشكل لا واعي بتمردنا في مرحلة المراهقة ( فعمليا سن المراهقة هو أشد مراحل النمو  التي يحدث بها تغير جذري في كل ما يخص فكر ووعي المراهق ) ففي هذه المرحلة  نرغب في الاعتراض علي كل من حولنا نرغب في التمرد علي كل ما أعتدنا عليه ، نحن لا نعلم لماذا نشعر بهذا ونمر بهذا ، ولا يعلم من حولنا لماذا كل هذا التمرد والعناد ولا يعلم كل منا أننا نمر بحالة فطام طبيعية ، ولكن هذه المرة حالة الفطام برغبة الابن وليس الأهل ، هنا الفطام يمر بمراحل صعبة وصادمة جدا ،  لأن الفطام هنا موجع جدا للأهل موجع  جدا لكل من أعتمدنا عليه في رؤية هذا العالم ، يود من حولنا لو أننا اعتمدنا عليهم أكثر في رؤية العالم ليشعروا بالطمأنينة والسكينة ، هذا الفطام يحتاجه الأبن أكثر مما يحتاجه الأهل لذلك يحدث صدام ، يعتقد الأهل أن الأبن غير مؤهل للعيش بنظرته ويعتقد الأبن أنه يستطيع العيش معتمدا علي نفسه ، يعتقد الأهل أن الأبن لا يستحق الثقة في أفكاره ورؤيته للحياة ، ويعتقد الأبن أنه قادر علي التجربه بنفسه لأعطاء الحياة رؤية مختلفه ويستطيع تبني أفكار مختلفة يبنيها هو بنفسه ليستمتع بتجربته التي خلق ليعيشها …

 

لو أدرك الأهل لوهلة أن حالة الفطام التي عاشها الأبن  وهو طفل كانت في مصلحته لأنه أدرك أن هناك العديد من الاختيارات من الأطعمة ، لأدركوا أن حالة الفطام التي يرغب في عيشها بإرادته أيضا في مصلحتهم لأنهم يسكتشفوا معه العديد من الاختيارات التي لم يجربوها بأنفسهم ولا يعيشوها ، وبفطام أبنهم الذي نضج سيعيشون حيوات مختلفة أكثر متعة واختلافا من الحياة التي عاشوها بأنفسهم …

 

هي دائرة مكتملة يرغب فيها كل طرف من الأطراف مايريد ، بداية من الأنفصال الذي كان برغبة الأم والجنين مرورا بالفطام الذي كان برغبة الأم دون رغبة الجنبن ، وصولا إلي الفطام الذي كان برغبة الأبن دون رغبة الأهل …  أنظر معي كم عدد حالات الفطام التي تود أن نمر بها طوال حياتنا ، فهناك فطام عن الأهل فطام عن الأصدقاء فطام عن المجتمع فطام عن الزوجة فطام عن العمل  فطام عن البيت  ومنزلك فطام حتى عن نفسك القديمة التي شبعت منها وأردت تبني نسخة جديدة منها …

 

أدرك تماما صعوبة عملية الفطام لكل الأطراف ولكن هل تفكرت للحظة كيف نمر بهذه المرحلة بسلام مع كل الأطراف ؟ الكثير منا يمر بمرحلة الفطام بشكل ملئ بالصدام والعنفوان ، بشكل ملئ بالخلافات والمشاحنات ، أهدأ الأن وفكر معي هل تريد الأن بخوض حالة من الفطام من حياتك ؟

 

  تستطيع ان تمر بها بشكل حكيم وبأقل الاضرار وبأقل الصدمات والخلافات ، كل مانحتاجه هو أن نفهم ما نمر به ونعطي لمن حولنا قدر من الوضوح عن ما نمر به بالفعل ، وعليك أن تكون قوي لإستيعاب التغيرات من حولك فدائما الفطام يصاحبه تغيرات قد تكون للأحسن وقد تكون للأسوأ ، ففي نهاية الأمر هي تجربه علينا جميعا خوضها وعيشها لنتعلم ونفهم الحياة بنظرتنا نحن وليس بنظرة وفهم الآخرين …

ولباقي أنواع الفطام بقية …

تنبيه هام، المنشور يعبر عن رأي الكاتب ويتحمل مسؤوليته، دون ادنى مسؤولية علي الجريدة

تنبيه

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: