الديالوج فى مواجهة المونولوج

معلومة تهمك

كتب ا.د : أحمد حسين عبد المجيد استشاري التغذية
أمين لجنة الأخترعات بجامعة الدول العربية

الحوار لغة العصر بل كل عصر، هو نوع من تراشق الأفكار ولن تتقدم امة إلا إذا وعت الدرس وتعلمت أن الحوار هو لغة الحضارة وسلوك الثقافة والتنوير، فضلًا عن أنه نتاج طبيعى لنظام تعليمى عصرى حديث يدرك به الشباب كيف يحترم خيارات الآخر ويسعى للحوار مع محيطه الإنسانى فى كل زمان!.
يعدّ الحوار ثقافةً لأنّه مبنيّ على مجموعةٍ من الأسس والآدابِ التي تجعل منه أداةَ تواصلٍ هادفة، تقرّب الأشخاص من بعضهم وتزيد من التواصل الثقافيّ في مختلفِ المجالاتِ، وتزيد من تقبّل الآخرِ، وترتقي بجميع الأطرافِ المتحاورةِ.
أنّ كثيرا من الممارسات في الميدان التعليمي ما تزال ترزح تحت وطأة التقليد والنمطية، مهما اتخذت من مظاهر الحضور عبر المصطلحات الرنّانة مثل الاستراتيجيات الحديثة.
الأصل فى الحياة منذ نشأتها أنها حوار مستمر وليست صراعًا دائمًا كما نظن، إن الكون فى النهاية يقوم على منطق «الديالوج» لا أسلوب «المونولوج».
إن «القرية الكونية الواحدة» التى هى عالمنا المعاصر أصبحت بوتقة تنصهر فيها الثقافات والحضارات والقوميات، وأضحى الحوار بالتالى أمرًا لازمًا فى ظل تقدم وسائل الاتصال وتوفير الخدمات «اللوجستية» وازدهار تكنولوجيا المعلومات.
الفكر الإنسانى هو حصيلة المواجهة بين الأضداد لتوليد الأفكار الجديدة ، فى السنوات الأخيرة أحيانًا نلجأ إلى حوار من طرف واحد، والحوار له أصول مرعية وقواعد راسخة وقد افتقدنا كل هذه الخصائص لأسباب تتصل بالنظام التعليمى و المؤثرات الثقافية و الإعلام بكل أنواعه المقروءة والمسموعة والمرئية، الفروق الثقافية واسعة بين الحضارات المختلفة كما أنها تعتمد على طبيعة السلوك الإنسانى الذى يختلف من ثقافة إلى أخرى، ولكن الأمر يبدأ من التعليم وأهميته وتأثيره فى الأجيال الجديدة، و يلاحظ دائمًا أن طلاب وخريجى الجامعات الأجنبية يمتلكون أدوات الحوار، لأنهم تعودوا عليه، بينما نرى معظم خريجى الجامعات المصرية لا يقدرون على ذلك، لأنهم لم يتعودوا عليه وعاشوا فى ظل ثقافة التلقين والإملاءات المكررة.
ان الفارقِ بين “التغيير الكميّ” في نظامِ تعليمٍ معينٍ وبين “التغيير الكيفي أو النوعي” . إننا أولينا “التغيير الكيفي أو النوعي” القليلَ من العناية والاهتمام نظرًا لانِ فلسفتنا التعليمية قائمةً على “التلقين” و”اختبارات الذاكرة” مع قليلٍ جدًا من الإهتمامِ بالإبداعِ “والحوار” (“الديالوج” في مواجهة “المونولوج”) وبقاء التعليم قائمًا على فكرةِ أن المدرسَ “جهازُ إرسالٍ للمعرفةِ” وأن التلميذَ أو الطالبَ “جهازُ تلقي واستقبالٍ لما يرسله المدرسُ”.
إنّ خروج المعلم من حالة المونولوج واتخاذه استراتيجية الحوار منهجا، هو ما يجسّر العلاقة بينه وبين المتلقي، ولَكَم ألفينا بعضا من المعلمين نصيبهم من الأداء أنهم حفظوا المقرر فحسب، فيما بعضهم الآخر يمتلك زمام المعلومة، غير أنه –وبمهارة أدائية وحوارية فائقة- يتمكن من جذب طلابه وتشويقهم وجعل حواسّهم متآزرة في سبيل الوصول إلى المعرفة ثم استنتاج المهارة المكتسبة منها والتدرّب عليها بتدرّج وثبات ومعيارية.
الأسرة تحدد ملامح التكوين النفسى لأبنائها فالقمع والتخويف لا تصنع مُحاورًا، ومنطق الأبوية القائمة على الوصاية الدائمة لا يصنع محاورًا بل يقتل كل خصائص الفكر الحر والانفتاح على الآخر وشجاعة إبداء الرأى، الطفل الذى جرى كبت آرائه بحرمانه من أساليب الحوار المختلفة مع افراد اسرته سوف ينطلق محبطًا مرتعش الفكر مضطرب الوجدان، ولن تستقيم له قدرات واضحة على اقتحام المشكلات والحوار للوصول إلى الرأى الصحيح دون قمع أو كبت أو طغيان.
يُعرّف الحوار بأنّه نشاط عقليّ لفظيّ يقدم فيه المتحاورون الأدلّة والحجج التي توضّح وجهة نظرهم، للوصول لحلّ مشكلة أو توضيح قضيّة ما. وهو نقاش يديره أطراف الحوار بطريقة متعادلة ومتزنة وبحريّة تامة، من خلال تبادل الأفكار والآراء بين المتحاورين، بهدف التعاون على معرفة الحقيقة. ويعدّ الحوار ضرورة لإشباع حاجة الإنسان للاندماج والتواصل مع محيطه.
الثقافة الدينية مسؤولة عن تكوين نفسية الفرد وتحديد ملامح شخصيته الدين مكون رئيس فى شخصية الفرد والوصول إلى أعماق النفس البشرية، «الإسلام» جعل التفكير فريضة إسلامية، و«المسيحية» تزرع المحبة بديلًا للصراع (أحبوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم). بينما «اليهودية» معتمدة على قدر من التشدد وهناك استثناءات كثيرة للخروج عن هذا التفكير النمطى ولكن الاستثناء فى النهاية يؤكد القاعدة، والحياة بطبيعتها تقوم على التنويع و التعددية ولا توجد فيها قواعد جامدة ولا حقائق مطلقة.
الحوار الذي يتحلّى بالآداب، يكون حواراً ذا قيمةٍ علميّةٍ، مع الوصول للفائدة المرجوّة منه. فهو يسهم في بناءِ جسورِ الثقة بين الأطراف رغمَ اختلافِ أفكارهم وآرائهم، ويسعى للوصول للقواسمِ المشتركةِ بين الأطراف، كما يساعدُ على التخلص من الأفكار الخاطئة. لذا فإنّ الحوار الجيّد يجب أن يكونَ ملتزماً بالآداب أكانت آداباً نفسيّة، أو لفظيّة، أو علميّة. وهذه الآداب مهمّة لضمان استمراريّة الحوار، وتبقى مهمّة حتى بعد انتهاءِ الحوارِ لضمانِ تنفيذِ النتائجِ التي توصّل إليها الحوار.
من شروط الحوار:
1-احترامُ التخصُّص وفكر المحاور غير مقبول التحاوُر بموضوعاتٍ ليس لها علاقة بفكرك واهتماماتك.
2- البحث عن الصواب بتجرُّدٍ عن العاطفة وأقبله والابتعاد عن الانفعال.
3- التركيز على نقاط الاتفاق فيزيد نجاح الحوار،و التركيز على نقاط الاختلاف للوصول للصواب وتوضيحه.
إيجابيات الحوار في حياتنا:
1-تحقيق التماسك بين أفراد المجتمع الواحد وبناء جسور التعاون.
2-أفضل الطرق لتحقيق العدالة؛ فهناك قضايا لا يمكن اتِّخاذ أي إجراء فيها دون محاورةِ جميع الأطراف لتجميع أكبر قدرٍ من المعلومات لاتِّخاذ الإجراء المناسب والصحيح.
3-اتباع أسلوب الحوار مع أطفالنا في المراحل الأولى يجعل هذا النمطَ هو السائدَ في حياتهم في المستقبل ممَّا يُنتج لنا جيلًا واعيًا مثقفًا وقادرًا على الاستماع للصوت الآخر واحترامه.
4-يعمل على تقريب وجهات النظر بين الناس،وتنمية مهارات فن التواصل مع الناس؛ ويعكس رُقِيَّ الأفراد بشكل خاصٍّ، ومن ثَم رُقِي المجتمع، ورقي الأمة بشكل عامٍّ.

معلومة تهمك

تنبيه هام، المنشور يعبر عن رأي الكاتب ويتحمل مسؤوليته، دون ادنى مسؤولية علي الجريدة

تنبيه

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: