الأديبة منى قابل.. قدمت عملًا فريدًا يعيد للأدب رسالته

رواية شيقة

الأديبة منى قابل.. قدمت عملًا فريدًا يعيد للأدب رسالته
كتب : حاتم إبراهيم سلامة
هناك كتاب جميل، أو رواية شيقة، لكنها تعييك من ربعها أو نصفها الأول، حتى تصل بك إلى هذا الجمال المنشود، والشوق المرغوب.
حتى بعد أن تقرأها وتنتهي فيها إلى نهاية سعيدة، تتركها ويظل ماثلا في ذهنك هذا الإعياء الي صدمك في بدايتها، وهذه الرداءة التي تقابلك بها الرواية قبل اكتشاف معينها الحقيقي من المتعة القرائية.
ولا شك أن هذا أحيانا من مساوئ الطرح، وضعف جودة الأديب.
أما الكتاب الذي يبهرك من أول صفحاته، ومع أول فصل من فصوله، فإنك تجد نفسك، كمن اكتشف سر الأهرام، وتجد نفسك كذلك، كمن وقف على سر جريمة كبيرة، كانت لغزا لا يعرفه أحد.
تشعر أنك كنت خاملا ساكنا، فجاء من يحركك من غفلتك، ويوقظك من سباتك، ليستفيق عقلك لما حوله من أمور الدنيا الخافية المتوارية، فترى فيها من المبهرات والجمالات، ما يدهش اللب ويذهل الفكر.
هذا تماما ما فعلته الأديبة الدكتورة (منى قابل) في عملها النوعي الفريد (رسائل الوغد والمتمردة، التي استخدمت فيه عنصر الذكاء في طرح الرواية، وقليل من الأدباء من يستخدم هذا وبلجأ إليه، لكنها عمدت إلى استخدامه، معتمدة عليه، مقرونا بعنصر المفاجأة، مما أحدث لدى كقارئ دهشة ممزوجة بالإعجاب من صفحتها الأولى.
إنها تذكرني بدوستويفسكي، فيما فعله في روايته الشهيرة( ذكريات من بيت الموتى).
استخدم تماما نفس الطريقة، حينما بدأ يسرد قصته، وبنى على فكرة واحدة كل شيء توالى، وبطريقة ذكية مترابطة.


كنت أتوقع أنني سأقرأ كتابا في الغراميات، وحالة العشق بين رجل وامرأة، ولكنني سرعان ما تبين لي سمو القصد، ونبل الغاية، فكل رسالة من هذه الرسائل تحمل درسًا إنسانيا، وتدور في معنى من معاني الحياة، وتسبح بعمق في خلجات الروح البشرية، لتقدم لنا دروسا مهمة، تقف بنا على كنه الحياة، وفلسفة العمر، وحقيقة الوجود، وتخاطب العقل كثيرا فيما يعانيه الإنسان من شقاء الدنيا، أو ما يغيب عنه من مهماتها.
يمكن لهذه الرسائل وبكل قوة أن تعتبرها دروسا حياتية، أو دروسا روحية، ممزوجة بالحس، غارقة في المشاعر، تعرج على العاطفة أحيانا، وتعرج على النفس والعقل تارة أخرى.


لم تكن هذه الرسال مجرد كلام عاشق لمعشوقته، أو عاشقة لمعشوقها، لم تكن مجرد سطور تنظم مشاعر رومانسية، يعبر فيها كل طرف عن هيامه ووجده بالطرف الآخر.
أبدا أبدا، فهي فوق هذا كانت تحمل دروسا، أشبه بهذه الدروس الفلسفي في فهم الحياة، وقضاياها وغرائبها، ومعاناتها.
انظر للرسالة الأولى، وهي تتحدث عن ألم النهايات، وكيف استطاعت الكاتبة بعمقها الفلسفي، وبراعتها البلاغة، في التصوير والتشبيه، لترسم لنا على لسان البطلة، مرارة النهايات التي صارت شبحها يخافه الإنسان فيما يجد من أيامه، لألمه وقسوته.
الكاتبة أرادت أن تستجلب عطف القارئ واستمالة قلبه وهو يقرأ على طول الخط، ما كتب من هذه الرسائل التي كنا نتوقع أنها من أنواع الغراميات، فإذا بها تجسد مأساة الفقد، وغرم الحرمان، وكسرة القلب، لقد كانت رسائل إنسانية في مقامها الأول، تدور في عالم النفس وحياة البشر، تتفرس فيها الحكمة من دروب مختلفة.


معلومة تهمك

فأنا ككاتب أعطتني رسالة من رسائلها فهما قد يغيب عني في نظرتي للكتابة، فقد كانت الكتابة بالنسبة إلى لين، تدور حول معان كثيرة، ما بين التمرد وتطهير الروح، وضماد لأوجاع النفس، والحقيقة نحو الصدق والكمال، لا يمهما أن تنال بكتاباتها المناصب والمكافآت بقدر ما تريد الصدق وتسعى إلى معاني الوجود عبر امتشاق القلم.
لقد صورت الأديبة مأساة لين بأنها لم تكن في عزلتها مريضة، بقدر ما كانت إنسانا هاربًا من زيف الحياة وكذب البشر، الذي هو الإعياء الحقيقي للروح لو لم يتنبه الإنسان، إنها تبحث عن الأكسجين النقي، وهي امرأة لا تجيد استنساخ نفسها.. لكل مناسبة نسخة، تعتز بحريتي بين عالم يجعل من هذه الحرية جريمة.
استلفتني في بعض رسائلها لكنان، كيف كانت عاقلة الحب سامية القصد، لقد جعلت منها المحنة حكيمة عظيمة، يتسع قلبها لسلام العالم وأمنه، لقد كانت تقول له في بعضها:
“أتعرف كم مرة تلقفتني الأحلام؟ كم مرة رأيت نفسي أمحو دموع العالم بأسره، وأضمد جراحه، أنزع الأسلحة وأواريها، رأيت السلام رجلا مفوها، يبدو كسقراط يخبرني أن الصالحين لا يرتادون دروب الشر، وأن الأولى أن نصلح القلوب والعقول”


أقول على ما سلف أن الكاتبة استطاعت بذكاء أن تجلب هذا العطف، وتجر قلوب القراء جرا وهي تفرز عنصر الشفقة، نحو هذه البطلة وقضيتها العاطفية، التي آلت بها إلى هذا التعب النفسي، صورته مرة بحرمانها ممن تحب، ومرة أخرى بقسوة والدها الجبار على قلبها، ذلك الوالد الذي لا يعرف معنى الحب والعاطفة.
صرنا مع كل رسالة نتذكر محنة العاشقة، حتى وهي تردد كلمة حبيبي، التي ترددها كل محبة، لم تكن محنتها أبدا لتنفك عن عقولنا ووجداننا ونحن نقرأ.
هناك معنى غائر للحب سلطت عليه الأديبة فكرها وهي تنظم هذه الرسائل، التي تجد النفس فيها عذوبة وحكمة وفلسفة عالية، وهي ذلك المعنى الكبير للحب بين رجل وامرأة، فهو ليس مجرد إعجاب بالشكل والجمال وبريق الزينة والتزين، وإنما الحب الحقيقي أن تبحث أو تجد من تتواءم معه روحك، وينسجم معه وجدانك، وتذوب فيه نفسك، أن تجد من تبثه همومك وأفكارك، ويماثلك في الشكل والرؤية والشعور والإحساس.
هذا هو مقياس الحب الحقيقي، التكافؤ الروحي الذي يغيب إدراكه عن الكثيرين، فيسارعون إلى إغراء الجمال والقوام، ثم لا يلبثون بعد أن يكتشفوا المصاب، وهو فقد التوافق الروحي الذي كان يجب أن يكون غايتهم ابتداء.


أوقفتني كثير من النصوص والسطور من مثل هذا أمام نفسي وأمام عقلي ونقدي، لأقول في داخلي: ليت كل الروايات العاطفية والرسائل الغرامية على هذا النحو البديع العاقل الرزين، الذي يسبح في أعماق الحياة، ولا ينفك عن مشكلاتها، فمن يحب يسمو، وبهذا السمو، تصير نظرته إلى العالم من حوله، ينشد له السلام والأمان.
لن أستطيع أن أحمل لك كل الدروس الراقية الرائعة التي تعج بها هذه المراسلات، والتي استطاعت الكاتبة أن تبث فيها ما يعكس جمال نظرتها وروحها للحياة، فهي مليئة بهذه الدروس، التي لا تجملها قراءة بسيطة أو عرض يسير، وكذلك حتى لا أطفئ الشوق العارم لقراءة مثل هذا العمل الإنساني الرائع.
بقي شيء كان لابد أن أشير إليه ابتداء، لكنني تخاذلت عنه بسبب الكاتبة التي دهمني ذكاؤها، وحسن فكرها، وجمال طرحها من أغوار ومعان، ساقتني في مسارها دون التنويه إلى هذا الشيء الهام في دنيا النقد الإيجابي، وهو الأسلوب الفائق الذي تميزت به الكاتبة، وقدمت به هذا العمل الرائع الخلاب، فهو أسلوب سهل ممتنع، بسيط لا يتفاخر، لكنه وللحق جمع بين السهولة والفخامة، فخامة المعنى وفخامة التصوير، حتى أنك لا تترك هذه القراءة إلا وترفع القبعة للكاتبة، بما أجادت وبما عبرت وأفصحت، بل تعترف في قرارة نفسك بأنها ليست أديبة فقط ككل الأدباء والأديبات، وإنما تميزت في هذا العمل أن نالت فيه الصدارة في تحقيق معنى الأديب الذي يهتم بحال الدنيا وشؤون البشر وآلام النفس والإنسان.

تنبيه هام، المنشور يعبر عن رأي الكاتب ويتحمل مسؤوليته، دون ادنى مسؤولية علي الجريدة

تنبيه

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: