حرية الانسان و حرية الحيوان

حرية الانسان و حرية الحيوان

كتب د تامر عزالدين

 

عندما نتحدث عن العلاقة بين الإبداع والحرية فإننا في الواقع نتحدث عن وجهين لعمله واحدة. نتحدث عن خاصية إنسانية اساسية و مهمة لوجوده وتميزه

معلومة تهمك

فالإبداع يمثل للإنسان هدفه الأول والأخير. لذلك تسعى الحرية جاهدة من اجل تحقيق هذا الهدف الذي يضمن للإنسان تحقيق حاجياته وسعادته ورفاهيته،

والوصول أيضا بهذا الإنسان إلى حد الكمال النسبي. وحتى يكون الإنسان مبدعاً ينبغي أن تتاح له حرية الإبداع، فبدون هذه الحرية تظل افكاره محبوسة في عقله ولن تخرج إلى النور.

وللحرية دور كبير في تلبية حاجيات الإنسان الأساسية – المادية منها والمعنوية – خاصة في نطاق محيطه الاجتماعي الذي يعيش فيه بغية الحفاظ على وجوده الإنساني، وإشباع حاجاته بكل مستوياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية

لكن الإبداع له شروط، ومن أهم شروطه هو أن يتنفس في مناخ من الحرية، ولا يختنق في سجون السلطات المستبدة و سجون الفكر المظلمة لكن في نفس الوقت عندما ينطلق يجب ان يحاذر علي ان لا يغرق في بحر الغوغائية و لا يضيع في عالم الحيوان الذي يكمن في عمق ظلام النفوس البشرية وقتها
بدلا من ان يرتقي الابداع الحر بالنفس البشرية يجذبها للقاع

وعندما نتكلم عن الحرية، يجب التأكيد على مصطلح الحرية المسؤولة، وإن كانت تمثل قيدا من قيود الحرية، إلا أنها قيدا ينبع من داخل المبدع ولا يفرض عليه من الخارج بأدوات القمع الخارجي

وكما قال د مصطفي محمود فالحرية هي روح الموقف الأخلاقي، وبدون الحرية لا أخلاق ولا إتقان ولا إبداع ولا واجب.
فليس مهم كيف يستخرج المبدع افكاره ، لكن المهم هو أين سيضعها

والحرية الإنسانية الحقيقية هي التي تحيطها ضوابط تخلقها اخلاق الانسان نفسه بحيث ينسجم ايقاعها مع طبيعة البيئة، وتتناغم مع موضعات المجتمع، فلا تدور في فراغ من القيم المبتذلة بداعي ان المبدع يجب ان يعبر عن كل ما يدور في المجتمع حتي ولوكان شاذا عن الثوابت الاخلاقية المعروفة و هذا أمرا بديهيا في المجتمعات الشرقية و العالم العربي الاسلامي أو المسيحي

المشكلة أن الفلسفة المادية الغربية لا تعترف بالثوابت الاخلاقية و تؤمن بنسبية الاخلاق بمعني انه هناك اختلاف بين الشعوب و بين العصور و بين الاجيال فيما هو اخلاقي و ما هو غير اخلاقي و ان ما كان منبوذا من الاخلاق في زمن ما قد يكون مقبولا في زمن آخر
و هنا يكمن الاختلاف بين هذه الثقافة و بين ثقافتنا في مفهوم ممارسة الحرية

هذا هو مفترق الطرق بين أنصار الحرية وأدعيائها، فكثيراً ما نصطدم بتفسيرات بعض المتطفلين على التنظير في هذا المجال بفتح أبواب الحرية الواسعة لتنطلق في ظلها الأفكار التي لا تتجانس مع أوضاعنا والتيارات المعاكسة لاتجاهاتنا والتي لا تعير الثوابت الدينية أي اهتمام، وتهدف إلى أن تكون السلوكيات الاجتماعية مطلقة بلا أخلاق ولا أعراف.

انهم كمن يصطدم : (بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهرة من قِبله العذاب).. الحرية في المنظور العام لها بريق لامع لكن المهم في تصرّف المدّعين لها والذين يريدون أن يجعلوا منها جسراً إلى انطلاق الغرائز بلا ترشيد والركض وراء الأهواء دون تبصر،

والنتيجة خطيرة جداً لما يترتب عليها من تحوّل خطير يرضي النزعات الغربية التي انتهت إلى أن ترى في الحرية أن يفعل أفراد المجتمع كل ما يشاءون دون تقيد بدين ولا تمسّك بخلق.. لذلك فقد انتهت بهم دعوتهم إلى إنشاء نوادي العراة وإباحة الشذوذ، فهل يرضى مسلم في قلبه ذرة من إيمان أو نخوة من عروبة أن ينتهي مجتمعه إلى هذا المصير الهابط وإلى هذه الاخلاق الحيوانية التي يعانون منها الآن ؟..

الحرية كما أن لها أبعاداً تمتد فيها، فإن لها حدوداً تقف عندها فهي ليست مطلقة تتخطى مفهومها وإنما هي مقيدة بضوابط محددة.. فحرية أي فرد تنتهي حيث تبدأ حرية الآخر، وبغير هذه الصورة تتحول الحرية إلى دكتاتورية يفرضها حزب أو نظام أو فئات من المجتمع بحسب أهوائهم ومصالحهم لا وفق حقيقتها ودورها في الحياة.

فمثلاً لا يمكن أن تكفل حرية التعبير لشخص ما أن يسبّ آخر، ولا نكفل حرية شخص يمشي عريانا بين الناس و لا نكفل حرية جماعة متطرفة في ان تفرض افكارها علي المجتمع
فحق الفرد يقف عند حدود حرية و كرامة الفرد الآخر و يقف عن حدود حرية الجماعة، وحق الجماعة يقف عند حدود حق المجتمع و الدولة

وليس من الابداع ان يتخطي المبدع هذه الحقوق
فاذا كان من حرية الانسان ان يقتنع بما يشاء و يمارس ما يشاء فليس من ضمن هذه الحرية ان يفرض ما يقتنع به علي الاخرين و لا يتعدي بممارساته عليهم
فكيف يمكن ان نري مثلا ان من حرية الانسان ان يقضي حاجته في الطرقات امام اعين الناس و كيف نحكم علي هذا المثال ان وجد انه مثالا من حرية الابداع في تصوير هذا الفعل و عرضه علي الاخرين هذا فضلا ان يعتبر المبدع ان مجرد التعرض لفكرة قضاء الحاجة في حد ذاتها علي اساس انها سلوك انساني فكرة فيها ابداع اذا حاول تصويرها وعرضها علي الناس علي انها فن و حرية الابداع تكفل له ذلك،
اننا اذا نتحدث وقتها عن حرية الحيوان و ليس حرية الانسان

تنبيه هام، المنشور يعبر عن رأي الكاتب ويتحمل مسؤوليته، دون ادنى مسؤولية علي الجريدة

تنبيه

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: