الحلقة السابعة عشرة من كتاب نجوم فى سماء الوطن

سماء الوطن

الحلقة السابعة عشرة من كتاب نجوم فى سماء الوطن
المؤلف المؤرخ العسكرى د. أحمد على عطية الله
الناشر دار النوارس للطباعة والنشر
الطبعة الاولى 2021
ثالثاً : أبطال سلاح المدفعية والصواريخ الموجهة للدبابات
الدكتورعمرو عبد الجابر:
ولمعرفة المزيد عن هذا القائد البطلعبد الجابر أحمد على وسماته الإنسانية نفسح المجال لنجله الدكتور عمرو عبد الجابر الذي كان دائم الزيارة للجبهة في فترة ما قبل حرب أكتوبر المجيدة وكان وقتها تلميذًا في المرحلة الابتدائية في التاسعة من عمره ليروي لنا ذكرياته بالجبهة كأصغر
جندي بالجيش المصري..
يقول الدكتور عمرو:
كنت أذهب كل صيف إلى الجبهة وكنت أعشق فايد والسفر إلى هناك..
كنت أفرح جدًا وأنا أجري وألعب في هذه الكتيبة وكنت فرحانًا جدًا
لأني طفل يبلغ من العمر9 سنوات والجميع يحبني وكانت عندي
هواية معرفة كل شيء.. وأي شيء..
وأحب حضور الطابور وأشاهد تحويل العساكر إلى مكتب القائد..
ومع أن أبي كان لا يحرمني من شيء إلا هذه.. فكان أبي يحرمني حضور
المكتب أثناء تحويل الجنود لأنه يكون شخصًا آخر.. كان قاسيًا وحازمًا جدًا وخاصة عندما يشعر أن هذا الجندي الذي أمامه لا يعرف قيمة مصر.. كنت أغضب من والدي لأن وقتها كنت طفلًا لا أعرف غرضه من وراء حزمه وقسوته على الجنود..
وكانت قسوة مطلوبة حتى يعرف الجميع الهدف من وجودهم هو تحرير أرضنا
وكانت تبدأ رحلة الزيارة من فندق الضباط بالزمالك بمدينة القاهرة.. وكنت أعشق هذا الفندق كان بجواره المسرح حيث كنت أحب أن أرى الفنانين.. وكان موعد رحلة السفر إلى فايد تتغير.. مرة فجرًا, ومرة صباحًا, ومرة بعد العشاء ونصل إلى الكتيبة وتنطق للحراسة بكلمة سر الليل.
كنت أنام طوال الطريق وأحب أن أستيقظ لأسمع كلمة سرالليل وأحفظها.. وأستيقظ صباحًا لأتجول, وأتعمد الخروج بالعربة مع حمدي شرف السائق.. وعندما يسأل جندي الحراسة عن كلمة السر أقولها.. وكانت غلط.. أقول لحمدي: ليه؟ أنا حافظها.. وكانت تتغير كل عدة ساعات.. وحمدي يقول لي كلمة سر جديدة وأقولها وأدخل الكتيبة, وأقابل أي جندي أقف بجواره وأقول له: تعال يا جندي.. أنت من فين؟ وكنت أحب جدًا الشرقية والمنصورة والإسكندرية.. لأن كل الجنود أشعر أنهم جنود لهم هدف.. فيقول: جندي كذا من الشرقية. أقول له: فيه أي مشكلة عندك؟ فيقول: عايز كذا.. فأذهب لقائد فصيلته أتفاهم معه.. أقول له طيب عشان خاطري حل له هذه المشكلة.. وطبعًا كان يرفض..
فأذهب لقائد السرية وأحضر الجندي وأقول له: علشان خاطري.. ويتم حل المشكلة.. وبدأ أبي يعرف.. ما أقوم به عن طريق الضباط الذين كانوا فرحين أني بدأت أحل مشاكل الجنود.. ولكن بعد حل المشكلة وأنا خارج مع الجندي كنت أقول له: أنا لن أتدخل معك تاني.. دي آخر مرة.. لازم تبقى راجل وتسمع الكلام.. وكان الجنود يحبونني جدًا ويسمعون كلامي الذى يعتبرونه أمرًا لهم..
وفى الجبهة تعلمت كل شيء.. ضرب النار.. وقيادة السيارة, وقيادة الدراجة والموتوسيكل, وجميع ألألعاب الرباضية.. كرة سلة, وطائرة, ويد, وقدم وتنس طاولة.. وكان محمد قطب طباخ الكتيبة من الإسكندرية هو أستاذي في كل شيء وكنت أستيقظ صباحًا وأذهب للإفطار.. كنت أحب عيش الجراية والحلاوة الطحينية جدًا.. وكنت أحب اصطياد العصافير من بعد الإفطار..
ومرة اصطدت حمامة وعسكري عملها لي وجابها لي في وجبة الغداء وشاهد والدي الحمامة ومسك العسكري بهدله.. ولم آكلها
وكنت أذهب من العاشرة صباحًا حتى الظهر لألعب تنس وأبدأ من الساعة الواحدة الغداء ثم أذهب لأنام وأستقيظ وعندما نصلي العصر, بعدها فيه ساعة ترفيه أشغل الميكرفون وأبدأ في تشغيل أغاني وطنية.. عبد الحليم, ووردة, وشادية.. وأجد الجنود يخرجون خارج العنابر في فرح.. ويستعدون لطابور العصر.. فأغلق الأغاني.. وبعد الطابور أبدأ في النكت وأنادي أي جندي أقول له: قل لي أحلى نكتة؟؟
فيقول لي نكتة.. فأقولها في الميكرفون.. فأجد الجميع فرحانين..
وعندما يكون صابح ماتش أهلي وزمالك أبدأ في وصف الماتش قبلها وأعلق على ماتش وأجعل الأهلي فايز واحد صفر وباقي دقيقة ويسجل الزمالك هدفين وسط غضب بعض الجنود..
وكان تدريب المحاكاة على الرماية بالصواريخ داخل العربة بردم وأذهب وأصعد أول واحد لأراقبهم كان التدريب مثل البلاي ستيشن بالضبط.. وكانت عبارة عن نظارة, وشاشة، وعصا توجيه.. وكان أفضل واحد هو عبدالعاطي، وإبراهيم عبدالعال, وبيومي.. وكانوا يشرحون لي.. وبدأت رحلة حبي للمرحوم عبد العاطي, وعبدالعال, وبيومي, والشهيد جعفر, والشهيد عبده عمر..
لشهرتي بين الكتائب طفل موجود ع الجبهة عمره 9 سنوات.. وتم التنبيه عليّ بعدم التقاط أية أقلام من الأرض أو أي شيء أجده وكان والدي ينبه على والدتي بأن تحرص بعدم خروجي كثيرًا ولا أعرف لماذا؟ ولكن فهمت من كم الأسرار التي كنت أراها أنه ممنوع عليّ أن أنطق بشيء..
كنت صغيرًا لكن فهمت الغرض من السماح بوجودي على الجبهة أني طفل مقاتل مدني فكانت التوجيهات بأن أذهب إلى الجبهة رسالة لكل جنود مصر أن طفلًا تسع سنوات ابن قائد يعيش على جبهة القتال بلا خوف من موت فكلنا فداءً للوطن.
وكنت ملقبًا بالانطوائي في مدرستي.. لأني شعرت أن الموضوع كبير.. أكبر من سني.. بمعنى أنه كانت توجد خطورة لو نطقت بكلمة.. ده مستقبل بلد.
قدرة ربنا في أن يكون هذا الصاروخ قد الكف ودمر ألف فعلًا.. ده إنجاز وقدرة ربنا.. وكنت أشاهد كل هذا وأنا منبهر بجنود داخلهم حماس قد أكون سببًا في هذا الحماس لأني لم أكن أحب أن أنهزم أبدًا في أي شيء لازم أحب أكسب وده جعل الجنود يحبونني لإصراري على الفوز.. وهذا سر نجاح كتيبة 35 فهد..
وفي يوم جاء العميد أبوغزالة إلى الكتيبة, ووجدني أجري في الكتيبة ونادى عليّ قال لي: خد تعالى يا ولد.. فطنشت.. قال لي: يا ولد.. كان راكب عربية هو يعرف كويس أنا مين لأن شهرتي وصلت القيادة, وتصرفاتي مع الجنود. والخطط التي كنت أرسمها لهم عن الحرب.. وناداني العميد أبوغزالة: يا ولد خد تعالى..
قلت له: أنا مش ولد.. قال لي: يا راجل.. قلت له: أنا لي اسم.. كنت وقتها مرتديًا بدلة عسكرية برتبة نقيب، وهو في سيارة وأنا في الأرض.. قال لي: اسمك إيه؟.. قلت له: نقيب عمرو.. وأنا طبعًا شفت رتبته عميد أكبر من رتبة بابا.. قال لي: تعالى سلم عليّ.. قلت له: مش هعرف أطلع لحضرتك.. قال لي: أنت من النهاردة رائد عمرو.. ونزل وحضني، وقبلني, وقال لي: أنت رائد عمرو وأنت قائد الكتيبة دي كلها واديني تعليمات بأي حاجة عايزها.
قلت له: عايزين دومينو, وطاولة، وترفيه للجنود، وتربيزة بنج، وكمان بيك أب عشان نشغل أغاني أنا بحب أغاني مصر..
وتم ترقيتي رائد وسط فرحة الجنود واحتفلوا بي جنودًا وضباطًا.. وكنت فرحانًا وبضحك..
واقعة مهمة لا تنسى.. عندما ذهبت لتبة مقابلة لخط بارليف كان فيه مدفع متحرك وصعدت فوق المدفع وقعد الجندي يلف بي يمين وشمال وكنت فرحان حتى نظرت لسيناء.. وهنا بدأت أسأل.. قلت لهم: دي إيه؟
قالوا: سيناء..
كان هناك ضباط وبابا وكان معهم المرحوم حسين السوسي الذي قال لي: دي أرضنا سيناء
وقلت له: ده مين؟
قال لي: جندي إسرائيلي؟
قلت: كيف.. إزاي؟
وعليت صوتي: إزاي؟
وجاءتني حالة هيستيريا وكل الجنود واقفة حولي كانوا خايفين عليّ.. وبدون أن أشعر بما أفعله أخذت أردد.. إزاي؟ دي أرضي؟ إزاي؟ يا بابا إزاي؟ وقعدت أبكي.. أبكي.. أبكي.. وأقول: أنتم جبناء.. أنتم مش رجالة.. وأنا سأنزل دلوقتي القناة.. وسأسبح.. وأقتل هذا الجندي.. وأصفر لكم فتأتون.. ونأخذ أرضنا..
.. وبكي الجميع..
بابا أخرج منديلًا وجلس يبكي, والجنود, والضباط كله بكى.. قلت لهم: ماتخافوش, ولو مت أنتم تكملوا دي أرضي.. وبكى حسين السوسي وذهبت له وقلت له: أقولك إزاي؟ كده.. وأخذت أضربه وألكمه بيدي وأخذت ألكمه وقطعت أفروله وفانلته وسط ذهول الجميع.. وبكى الجميع وأخذني في حضنه وبكى..
حسين السوسي ده كان ضابط مش في دماغه أي حاجة يحب الضحك والمرح والهزار.. حتى جاء بابا الكتيبة.. فأصبح السوسي شخصية جادة كان ملازمًا أول وكان حبيب المشير طنطاوي وأبدع السوسي في الحرب واحتفظ بفانلته التي قطعتها له قبل حرب أكتوبر.. وشاهدت الفانلة بعد الحرب.. وكانت كل صوري معه وذكرياتي مع الضابط حسين السوسي..
انقطعت صلتي به بعد فترة من حرب أكتوبر ولم أره حتى جاءني منه تليفون عندما أصبح برتبة اللواء قائدًا لمدفعية الجيش الثاني الميداني بالإسماعيلية بمعسكر الجلاء وقال لي: عمور.. وحشني.. سأرسل لك سيارة.. نفسي أشوفك تعالى افطر معي في معسكر الجلاء..
وذهبت له معسكر الجلاء أخذني بالحضن وحكينا حكايات رأيت اللواء حسين لآخر مرة خلال هذه الزيارة في 19 ديسمبر 2009وتوفي 19 فبراير أي قبل شهرين من وفاته قعد يحكي لي حكايات أقسم بربي كأنه يعرف الذي سيحدث لمصر في الأعوام التالية, وبيننا الكثير من الأسرار.. وحكى لي أدق أسراره.. وكان متضايقًا جدًا أيام حكم مبارك وتوفي في معسكر الجلاء أثناء إحدى المباريات..
وهو يلعب.. ربنا يرحمه وحتى الآن علاقاتي بأهله متصلة.. رجل طيب محترم كان أحب الناس لي.. وأيضًا عبدالعاطي.. وطبعًا المقاتل إبراهيم عبدالعال, والمقاتل بيومي لأن كل أسراري كانت مع بيومي وعبدالعاطي..
وبعد الحرب ذهبت إلى سيناء وسط فرحة عارمة.. وبكى الجميع عندما سألت عن الشهيد جعفر، والشهيد عبده عمر.. وقالوا لي: استشهدوا
وبكيت وحضنني حسين السوسي وبكى الجميع في سيناء.. وأخذت شوية تراب من سيناء التي بها دم الشهداء, وضعتها في جيبي ونسيتها كذكرى.. وذهبت لمياه قناة السويس وقرأت الفاتحة على الشهداء وقال لي أبي: محدش يبكي على شهداء اقرأ الفاتحة وربنا يرحمهم.
تصورت في كل الدبابات الإسرائيلية المدمرة وحتى الدبابة التي دمرها عبده عمر الشهيد البطل الذي دمر 3 دبابات قبل استشهاده..
أجمل هدية تركها عبده عمر لي نظارة مكبرة خاصة بجندي إسرائيلي وقالوا لي: عبده عمر تركها لك.
كلما أحاول نسيان حسين السوسي وعبدالعاطي أجدهم أمامي.. ناس ماتت والناس نسيتهم ولكن أقسم بالله أن السوسي وعبدالعاطي هم من أسباب الروح العالية وحب مصر.. وخاصة السوسي لأن بيننا أسرار لا يعلمها إلا الله وكان عبدالعاطي وبيومي أحبابًا لي جدًا وكنت دائمًا في عنبر بيومي..
بيومي كان يحبني جدًا وكنت أحب أن آكل مع الجنود في كافتيريا الجنود.. ويا ويله لو فيه حد زعلني.. تجد عبدالعاطي وبيومي في صفي.. وكان السوسي ضحك ونكت وهزار وبنات وحب وذكريات وأحكي له كل حاجة.. وتسبب في مشكلة لي مع الممثلة زبيدة ثروت..
جاءنا المرحوم صلاح ثروت وهمس لي السوسي قال لي ده أخو زبيدة.. قل له: يا خبر يا سحس.. معقول؟! قال لي: بجد.. ودخلت عليه جري وحضنته وقال لي: عمور حبيبي.. كانت كل قيادة تأتي لترى ذلك الطفل الذي يريد أن يستشهد على الجبهة.. وقلت له: لي عندك طلب.. قال لي تؤمر.. قلت له: صورة من طنط زبيدة بس صورة حلوة من صور أفلام الضحك..
وفعلًا أحضر صورة إيه.. حكاية.. زبيده ثروت والعيون الجميلة.. وكنت قد نبهت عليه أن تكتب على ظهر الصورة كلامًا حلوًا, وصدق.. فوجدتها كتبت لي: “حبيبي عمور.. لك حبي وأشواقي يا غالي”.. وأخذت الصورة وكل الضباط حولي.. وكل واحد عايز يشاهد الصورة.. ولكن أنا عارف من الذي سيأخذ الصورة مني في النهاية.. وفعلًا السوسي نظر لي وقال لي: شوف يا عمرو.. سنحذف كلمة عمور.. ونحط حسين..
قلت له: يا حبيبي.. تعجبني.. وكان السوسي يحب الضحك والهزار والنكت.. وصورة حبي زبيدة أعطيتها للسوسي, وقلت له: بس لي شرط.. الأرض.. الأرض. قال لي: أرضك في جيبك يا عمور.. ماتخافش.. احنا حنكسب بإذن ربنا سنهزم إسرائيل..
أما عبدالعاطي وبيومي دول الحب كله والذكريات.. وكان معهم شهيدين عبده عمر, وجعفر.. كانت كل قعدتي وحكاياتي معهم.. وخامسهم قطب همبكة.. قطب ده اللي علمني كل حاجة.. حلوة, ووحشة.. قطب هو فهمني كل الحياة.. وأطلقت عليه همبكة لأنه فشار كبير..
وكان فيه جندي غلبان اسمه عدلي..
عدلي ده كان يبدو أنه معاق ذهني.. ودخل الجيش وعندما كان بمنطقة الثغرة أمسكته قوات العدو.. واتضح أن عدلي أذكى إنسان لأنه خدم مصر وجعل العدو يرتعب.. قال لهم: عبدالجابر ابعدوا عنه.. وده معاه ابنه عمرو تسع سنين وموجود بيحارب في سيناء.. جعلهم يرتعبوا.. وقال لهم كل حاجة وده خوف العدو أكثر وأرهبهم.. يا سلام عليك يا عدلي يا بطل..
ظهر السبت 6 أكتوبر صدر بيان مهم من القوات المسلحة, وبدأنا الحرب جريت مسافة زي شارع الطيران حتى رابعة أصرخ في الشارع.. يا عمو ربيع.. خطتي نجحت.. يا عمو جادالله.. خطتي نجحت.. يا عمو.. خطتي نجحت.. يا ماما.. بابا نفذ خطتي.. يا ولاد عمي.. عبرنا.. عبرنا.. خطتي نجحت.. أنا الوحيد اللي كنت عارف أننا سنفوز.. أنا كنت واثقًا..
أحضن أمي.. وتبكي.. وتيته أم أبي تبكي.. كلهم صايمين وأنا أجري فرحان، طفل رسم خطة الحرب ونجحت خطته.. وحضنت كل الناس.. وأنا فرحان وكله الدموع في عينه.. وأمي خافت عليا.. وقالت لي: اقعد.. اهدأ يا عمر.. باباك بيحارب.. وأنت فرحان.. قلت لها: ماتخافيش بابا معاه ربنا وصواريخه حتدمر العدو.. والله الناس خافت عليّ.. أعمامي, وخالي, وجدي وأولاد عمي خافوا عليّ ورأيتهم يضحكون من تصرفاتي انطلقت داخلي شعلة حماس.. كأنني أحارب مع جنودي أبطالي.. أنا أعرف أنهم لن يتركوا إسرائيل.. وجاء الليل وجدت أمي قاعدة تصلي.. قالت لي: يا عمرو أبوك بيحارب.. وأنا مش مستوعب إن ممكن بابا يستشهد كل هدفي استعادة الأرض.. الأرض.. الأرض.
وتم حبسي ومنعي من النزول خافوا عليا بدأت أقول وأتكلم شوفوا عبدالعاطي وبيومي وجعفر وعبده عمر.. وبقيت أحكي أسرار.. شوفوا تعالوا أقولكم ده صاروخ صغير بسلك وعصاية وتركيب.. وجدت سخرية ممن يسمعني.. وأمي خافت عليّ وأخذت تقرأ القرآن وأصبحت مشغولة على بابا.. وخافت عليّ وكانت تصيح في وجهي: اسكت يا عمرو.. أنت فيه إيه؟
كنت أقول لهم: أعطيت الخطة للجنود, والسوسي.. وبيومي شاهد على ذلك هو والجنود شاهدة على خطتي.. والقيادة شاهدة وكله مكتوب.. أن أنزل تحت مياه القناة وبدون ما أحد يشوفني.. سأذهب الناحية الأخرى.. والجندي ده أهم جندي اللي واقف فوق.. طيب سألوني إزاي ستصعد له؟ قلت لهم: حبل طويل أثبته وأصعد وأقتل الجندي الإسرائيلي.. وأصفر وتعدوا خلفي.. قالوا لي:
وأهم حاجة ماتخافش.. قلت لهم: لو قدامك كلب وشافك خايف سيجري خلفك لو أنت مخفتش وضربته تأكد أنك أنت ستهزم الكلب.. أنا قلت كده لأني كنت أخاف من الكلاب, وفيه كلب في الكتيبة جرى خلفي.. وقال لي جندي يا عمرو لا تجرِ من الكلاب.. وفعلًا بقيت أشوف الكلب أقف ولا أجري.. بقيت أمسك طوبة وأضربه فيجري الكلب خوفًا مني..
وساعتها بابا قال لي: يا خسارة يا عمرو.. عندك مشكلة.. قلت له: إيه يا بابا؟ قال لي: مابتعرفش تعوم.. اليوم ده عندما بكوا عند التبة العالية عندما انفعلت على السوسي..
وبعدها عندما نزلنا نادي الزمالك وصممت أنفذ الخطة كان ده صيف 72 وذهبت إلى حمام السباحة.. وفجأة نطيت بدون تعليم.. وصاح بابا: غريق.. غريق.. وقفز كل لاعبي الزمالك.. وتم تصفية المياه.. وبكى والدي وقال لحمادة إمام وكان ضابط مخابرات ده عمرو عايز يعدي قناة السويس وجدت دموعهم تنهمر وشعرت أن ده موضوع أكبر مني..
بعد هذه الحادثة بابا بدأ يخاف مني.. وكانت آخر زيارة لمدة أسبوع قبل الحرب بشهرين.. أسبوع واحد فقط.. وكله سلم عليّ.. ولأول مرة شعرت كله بعيد عني.. مفيش هزار ولا ضحك.. ولا أحد عايز يقابلني.. وحراسة مشددة عليّ.. وممنوع أخرج.. ولا أصعد بردم.. ولا ضرب لصواريخ.. وأصررت أن أذهب إلى الكافتيريا وبدأت أشغل أغاني وطنية.. وجدت جنودًا تبكي على الأغاني الوطنية.
وجاء موعد سفري.. وجدت السوسي يحتضنني ويبكي.. وقطب, وعبدالعاطي.. وجدت الجميع يحتضنني.. مش عارف في إيه؟
وكانت لحظة وداع لن أنساها.. مثلما لن أنسى زيارتي بعد الحرب.. شتان بينهما.
لأن بابا قال لهم: عمرو غرق.. كان عايز يتعلم العوم علشان يعبر قناة السويس عشان يحارب.. علشان يهزم العدو.. والجميع بكى.. وخافوا مني.. وخافوا عليّ.
وسافرت إلى أسوان وأنا مذهول من هذه الزيارة.
بدأت الحرب ومصر كلها فى قلق وأنا أضحك وأضحك ومبسوط وأشرح لهم..
الناس بقيت مستعجبة.. طفل قاعد يشرح الحرب!!!
رحم الله الدكتور عمر الذى لحق بوالده ونحتسبهم فى زمرة الشهداء والنبيين والصديقين والصالجين وحسن أولئك رفيقا .
٠ تعليق

تنبيه هام، المنشور يعبر عن رأي الكاتب ويتحمل مسؤوليته، دون ادنى مسؤولية علي الجريدة

تنبيه

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: