السلام لقلبك يا أبا حمزة

السلام لقلبك يا أبا حمزة”
بقلم الكاتب / أحمد المغربي


لم أسمع من أحدٍ، ولم أقرأ ذلك في رواية بل ذقتُ بنفسي عذابات فقد الأحبَّة وعلمت يقينًا كم هو شديد المرارة، ووقعه على الإنسان كم هو قاسٍ؛ يُفطر القلب ويُدمي العين ويُفتت الكبد ويُضعف البدن ويكاد يهلك النفس، ولكن هذا الطود العظيم أبا حمزة وائل الدحدوح ضرب لنا مثلاً في الصبر على البلاء والرضا بقضاء الله والعزم على مواصلة السير والقوة في إتمام الرسالة مهما كانت التحديات يشبه صبر وقوة وبأس الأولياء والأنبياء وأولي العزم من الرسل، وحقيقة أهل غزة جميعهم يتمثلون في شخصه، وكل رجلٍ فيهم هو وائل في صبره ورضاه وقوة إرادته، وقد أفنى هذا الجبل الشامخ زهرة عمره وريعان شبابه مراسلًا لقناة الجزيرة ينقل الحقيقة من قلب الحدث، يخاطر بحياته في المواقع وميادين القتال ليكون عينًا صادقة للمشاهد، فلا يُهوِّن الخبرَ ولا يهوِّل من شأن الأمر، ومازال فارسًا شهمًا ومحاربًا قويًا في الميدان ينشر جرائم قوات الاحتلال ويبث مجازرها الوحشية على الهواء مباشرة للعالم أجمع بكل ثقة وجرأة في معركة طوفان الأقصى الجارية حتى اللحظة؛ فهو لا يخاف الموت ولا يرهبه بطش العدو ولا يعير اهتمامًا لأيِّة تهديدات؛ ولمَّا أيقن قادة الاحتلال بأن كلماته أقوى من الرصاص، خططوا لاغتياله؛ وبدأ الأوغاد بقتل العديد من أفراد عائلته ليوقفوه عن مواصلة نشر جرائمهم ولكن هيهات حيث ظل مرابطًا على ثغره يذيع هزائمهم لحظة بلحظة، فقصفوا بالطيران المنزل الذي تسكن فيه أسرته فقتلوا بكل وحشية زوجته وابنه وابنته وحفيدته، وظن المجرمين إنه لن يخرج ثانية من بيته، ولكن هيهات فكيف للرعد أن يصمت!؟ فخرج بكل صبر وأنفة وشموخ على الشاشة ينقل جرائم قوات الاحتلال ثانية ويصور فرارهم من رجال المقاومة في الميدان، فاحتار قادة الاحتلال من قوة تحمله ورباطة جأشه وشجاعته، فاجتمع أمرهم: بأن ليس هناك طريقة لإسكاته للأبد سوى قتله، فقصفوه بالصواريخ هو وزملاؤه فأصيب هو واستشهد بعض زملائه منهم صديق عمره سامر أبو دقة؛ فتنفس مجلس الحرب الإسرائيلي الصعداء وتوقعوا إنها الضربة القاضية للمراسل العنيد ثم لم تمضي بضع ساعات وطلع على الشاشة مضمِّدمًا جروحه كالسبع؛ فاشتدّ غيظ الصهاينة واجتمعوا ثالثة فقال لهم إبليسهم: إن حمزة هو ابنه البكر وذراعه الأيمن وروح روحه وإن قتلتموه توقف بلا شك، ففعلوا ما وسوس لهم شيطانهم، وبالفعل قصف الإرهابيون حمزة وبعض زملائه فسقطوا جميعًا شهداء، وعندها أيقنت حكومة نيتنياهو إنها نهاية البطل وائل الدحدوح، ولم يهنئوا كثيرًا؛ حيث لم يمضِ من الوقت شيئًا وجعل الأسد يقينهم أوهامًا؛ فما اهتز الجبل أبو الشهداء؛ فبعد أن دفن ابنه بوقتٍ قليل، خرج من عزائه وكأنه لم يُشك بشوكة، وطلع على الشاشة مجددًا في تغطية مباشرة لينقل لنا مستجدات الأحداث كعادته ليعلمنا كل معاني الصبر والرضا والعزة والشموخ، ويخبرنا كم أنَّ هذا العالم حقير لا يأبه لمصاب أحد ولا يعرف معنى الإنسانية، وكم هم أعزاء شامخين لا يسقطون أبدًا، ثم قال كلماته الخالدة: هذه الطريق نحن اخترناها طواعية وسقيناها بالدماء، وحمزة لم يكن بضعة منيَّ فحسب، بل كان كلِّي وروح روحي، ونحن مشبعون بالإنسانية وهم مشبعون بالقتل، وتلك الدموع المتساقطة هي دموع الإنسانية ودموع الكرم والشجاعة وليست دموع الخوف والاستكانة؛ ونحن على العهد قائمين ومستمرين بإذن الله؛ لذلك أرى أنَّ الصحفي وائل الدحدوح قد هزم بصبره وقوة إرادته جيش العدو بأكمله، فالسلام لقلبك يا أبا حمزة قد أتعبت أهل البلاء من بعدك، فكيف يصبرون صبرك وكيف يحتملون حملك !؟

معلومة تهمك

تنبيه هام، المنشور يعبر عن رأي الكاتب ويتحمل مسؤوليته، دون ادنى مسؤولية علي الجريدة

تنبيه

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: