حكايتنا

حكايتنا

كتب: عصام عياد

حكايتنا حكاية ليها العجب

معلومة تهمك

قضية الفساد الذي انتشر في البلاد وبين العباد ، صارت قضية جدليه ، تختلف فيها الآراء ، علي الرغم أن الله سبحانه وتعالي قد حسم أمرها ، وبين سببها ، فقال سبحانه وتعالي : ” ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( الروم 41 )

ورغم ذلك تجد الكثير منا ، ينادي بأن السبب الوحيد في كل فساد هو فشل الحكومة ، ناسيين أن الحكومة مكونة من الشعب ، اللي هو احنا

وقد اعتاد أكثرنا عند وجود أي خطأ أن يبحث علي حد يشيله ، دون منطقية في دراسة و تحليل المشكلة ( الأسباب والحلول ) حتي في بيوتنا ، لو احنا أفسدنا أو كسرنا حاجة ، لازم ندور علي مبررات ، تعطيني العزر للخطأ ده ، وتلقي اللوم علي حد تاني ، علي أنه ضمنياً هو السبب الاساسي في ارتكابي للخطأ ، وكأنني كنت مضطر للخطأ

وده حال كثير من الناس ، حتي في البيوت ، صار الواحد منا لا يري ولا يعد الا الأخطاء ، يعيب عليها ويلوم بها الآخرين ، واذا ما وجد خيراً انتفع به وكأن شئً لم يحدث ، حتي ما في كلمة حلوة تبل ريق وتطيب خاطر فاعله ، وتكون حافز له علي الاستمرار في الفعل الحسن

وكأن تلك عادة البشر كما ذكر الله تعالي في كتابه ” وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78( مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا (79)النساء

فبادئ ذي بدء ، يجب أن نقف علي تعريف الحكومة ، لنضع الأمور في نصابها

فالحكومة هي كل اشكال ممارسة السلطة في المجتمع ، سواء كانت رسمية أو غير رسمية ، خاصة أو عامة ، صغيرة أو كبيرة ، ومهمتها تنظيم سلوك المجموعة التي تحكمها ، وادارة ورعاية مصالحها وحماية حقوقها ، والعمل علي تنميتها وتطويرها والارتقاء بحالها

وكل حكومة خاضعة لما تظلها من حكومة أعلي سواء علي المستوي المحلي او الدولي ، وفق قواعد واسس متفق ومتعارف عليها

وعليه فان رب الأسرة ، و أحياناً ربة الأسرة ، هي حكومة البيت إذ انها المتصرفة في أموره ، وصاحبة القرار فيه

وصاحب الحضانة ( دار رعاية الأطفال ) التي ترعي أطفالنا ، أو من يمثله أو مديرها ، هو حكومتها

و ادارة المدرسة وهم في الأصل معلمين ومهنتهم أشرف و أعظم المهن ، هم حكومتها

وادارة المستشفى وهم في الأصل أطباء ، رعاة صحة الانسان ، هم حكومتها

وهيئة المحكمة وهم في الأصل قضاة ، رعاة العدل ومحققيه في الارض ، هم حكومة المحكمة

والجامعة كذلك وكل المؤسسات والكيانات ……. ألخ

والصانع في مصنعه ، والزارع في أرضه ……….. ألخ هو الحكومة فيما يملك

وقد لخص المصطفي صلي الله عليه وسلم كل هذا من اكثر من ألف و أربعمائة سنة ، في قوله صلي الله عليه وسلم ، وهو الذي لا ينطق عن الهوي ” كُلُّكُمْ راعٍ، وكُلُّكُمْ مسئولٌ عنْ رعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ ومسئولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، والرَّجُلُ رَاعٍ في أَهْلِهِ ومسئولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، والمَرْأَةُ راعِيةٌ في بَيْتِ زَوْجِهَا ومسئولة عَنْ رعِيَّتِهَا، والخَادِمُ رَاعٍ في مالِ سيِّدِهِ ومسئولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فكُلُّكُمْ راعٍ ومسئولٌ عنْ رعِيَّتِهِ ” متفقٌ عَلَيهِ.

وهناك حكومة ايضاً لكل مستوي اداري في الدولة ، بدءاً من الاقسام والادارات داخل المصالح الحكومية ، و حتي رئيس الديوان العام والمحافظ والوزير والرئيس ، فالكل مسئول في حدود سلطاته

ومما نؤكد عليه أن الحكومة هي تركيبة من الشعب و ممثلة من الشعب ، فأنا حكومة في وظيفتي وأخي حكومة في وظيفته واختي كذلك وزوجتي و أبنائي كذلك ، فما من مسئول في كيان من كيانات الدولة ، الا وهو من منزل أو اسرة من داخل المجتمع

و كما أن الحكومة العامة مسئولة ، فأيضاً الحكومات الخاصة بجميع مستوياتها مسئولة ، ولن تستقيم الأمور ولا ينصلح الحال الا بقيام كل واحد بدوره

وبعبارة أوضح فإن الحكومة العليا ما هي الا مجموعة حكومات دنيا ولن ينصلح الكل الا بصلاح الجزء ، واذا فسد الجزء فلا بد من حدوث خلل في الكل حتي يتم اصلاحه الجزء فتستقيم الأمور مرة اخري

و قد عايشنا نماذج علي ارض الواقع تؤكد ذلك ، منها منظومة تطوير التعليم ، فقد تم اختيار منظومة هي الأنجح عالمياً ، بعد دراسات عميقة ومتخصصة ، وتم توفير كل الامكانيات التي طلبت لتنفيذها ، فلم تقصر الحكومة الأعلى فيما طلب منها ثم ماذا بعد ؟ عطلتها الحكومات الدنيا ، وان كانت افراد ، لكنها تمثل ترس في المنظومة ، استطاع رغم ضآلته تعطيل المنظومة كلها

وكلما اتسع المجتمع ، وكثر عدد سكانه وقلت الاخلاق به ، مع تطور وسائل التواصل واستخدام التكنولوجيا ، استصعب الأمر في ملاحقة الفساد والقضاء عليه

فيستطيع القاضي المرتشي وهو الحكومة الدنيا ، أن لا يحكم بالعدل دون أن تعرف الحكومة العامة

ويستطيع الطبيب وهو أيضاً حكومة دنيا ، ايقاف العمل بأجهزة الاشعة والمختبرات بالمستشفيات العامة بحجة انها معطلة ، لتشغيل معامله الخاصة ، ويستطيع آخر ان يروج أدوية معينة لشركات خاصة لمصلحة له أو يبيع أمصال أو حصص ومخصصات عامه ، بطرق غير قانونية ، أو يستغل مكانه بالمستشفى لخدمة رواده وزبائنه بالعيادة الخاصة به ، فيكون لهم الأولوية في العمليات وحجز الغرف والأسرة بالمستشفى دون غيرهم ، دون أن تعرف الحكومة العامة شيئا

ويستطيع المجرم أن يفلت من العقاب ، بل ويستمر في مخالفاته لأن يقدم رشاوي لأي من الحكومة الخاصة ، المستويات الأدنى من الحكومة ، كموظف في ادارة مثلاً ، اللي هو من افراد الشعب ، يظبطله أوراقه ، أو يسقط اسمه من كشوف المخالفين أو المطلوبين ، دون أن تعلم الحكومة العامة عن ذلك شيئاً

مخبر فاسد يعطل جهود وزارة الداخلية كلها ، تخرج الشرطة بقياداتها و بأفرادها وجنودها ومعداتها ، لمداهمة أوكار اجراميه وخارجين عن القانون ، فلا تجد مجرم ولا جريمة ، وربما ينصب لهم كمين ويروح فيها شهداء ، بسبب مكالمة من مخبر خائن مرتشي ، يبلغهم بخروج حمله في طريقها اليه

وكثير ما نسمع أصوات تتعالي بإلقاء اللوم علي اجهزة الرقابة ، فمن ما لا شك فيه أنها المسئول الاول ، ولكن المواطن شريك لها والمسئول الثاني ، بل إن أصح تعبير ، أنهما جناحان لا غني لأحدهما عن الآخر ، ولا ينضبط العمل بدون احدهما

والا فكيف تصنع الرقابة في مخالف يحميه المواطنين إما بتحذيره والتستر عليه عند وجود حملة لمداهمته وضبطه متلبساً ، و إما بعدم الابلاغ عنه لتعلم به الأجهزة الرقابية وتتعامل معه

وهذا حال الكثير من المواطنين ، وهو ما تعاني منه الأجهزة ، وهو سبب رأيسي في انتشار الفساد

نتضرر من استغلال التجار وممن يأكلون حقوقنا ونقف منهم مواقف سلبيه تماما ، مما يساعدهم في مواصلة استغلالنا

نشكو من سرقة الوزن في رغيف العيش ، ونشكو من سوء المواصفات ، ونكتفي بالتعبير عن ذلك بيننا وبين أنفسنا ، ولم يخطو احدنا خطوة ايجابية نحو القضاء علي تلك المشكلة ، مع أنها استغلال لحقوقنا ، فكيف لأجهزة الرقابة أن تعمل

نشكو من استغلال موزعي المواد التموينية ، الذي يفرض السلع ويحمل أسعار زيادة علي السلع ، ويقاسمنا في فرق رغيف العيش ،ونبكي دون صوت ، لما يصنع فينا ، ولم نواجه ذلك رغم أنهم بذلك قد وضعوا أيديهم في جيبونا ، وأخذوا اللقمة من أفواهنا في وقت الجوع أو الندرة ، فكيف لأجهزة الرقابة أن تعمل

نتكلم عن الفساد في مخالفات البناء ولا نساهم في مواجهاتها أو منعها ، بل يتسارع العديد منا علي المخالفة بالمثل ، أو الاستفادة منها بشراء الأدوار المخالفة الأمر الذي يساهم في استفادة وانتفاع المخالف من مخالفته

نشكو من احتكار السلع وجشع التجار ، وفي نفس الوقت نتكالب علي الشراء بشروطهم

نشكو من الدروس الخصوصية التي أثقلت كاهلنا ، ثم نحمي علي من يقومون بها ونتستر عليهم من اجهزة الدولة التي تطاردهم لتمنعهم عن استغلالنا

لن تستطيع الاجهزة الرقابية أن تعمل دون مساعدة وتعاون وتكاتف من المواطن المتضرر الاصلي من المشكلة والمنتفع الوحيد من القضاء علي الفساد

وفي نفس الوقت لا يمكن لمواطن أن يواجه مجرم ، دون الرجوع للأجهزة المختصة ، حتي لا يعرض نفسه للخطر أو يقع في محظور

المسئولية تضامنية ايها السادة ، فالكل في موقعه مسئول حسب اختصاصاته وصلاحياته و الامكانيات المتاحة وقدرته علي مواجهة التحديات والتغلب علي العقبات التي قد تواجه

هذا بالنسبة للرقابة ، وأما بالنسبة لتوفير الاحتياجات فلها ضوابط وتحكمها اعتبارات عديدة

فرب الأسرة مثلاً وهو حكومة الأسرة ، وهو المسئول الأول عنها في توفير احتياجاتها وحمايتها والنهوض بها

ماذا يفعل عندما تتعثر الأمور ، ويحدث شيئ لم يكن في الحسبان ، كعطل غسالة أو ثلاجة أو انهيار حائط أو سقف حجرة بالمنزل أو احتياج أحد افراد الأسرة لإجراء عملية مكلفة … أو اي شيئ من هذا القبيل

من المؤكد أن تلك الأمور تحدث اضطراب في حال الأسرة كلها وخلل في نظامها

ومن المؤكد أيضاً أن الأسرة كلها تجتمع علي ضرورة مواجهة هذا الأمر الطارئ والتصدي له وتحمل ما ينتج عن ذلك متضامنين جميعا ، متحاملين علي أنفسهم

وقد تعجز حكومة الأسرة في تلبية احتياجات بعض أفرادها المتطلعة للأفضل ، كطلب أحد أفراد الأسرة أن توفر له حجرة مستقلة به ، أو تكيف لحجرته أو سيارة خاصة به علي حسب كل أسرة وتطلع كل فرد لتحسين مستواه

والحكومة العامة تتعرض لما تتعرض له الحكومة الخاصة ، من أزمات أو تحديات أو عثرات أو نقص في الموارد أو عجز في تلبية الاحتياجات

وهو الأمر الذي يجب علي الجميع فهمه ودراسته والوقوف علي حقيقته عند الحكم علي الأداء وتقيمه ، حتي يكون الحكم حكما رشيداً

والا فمهما تغيرت الأشخاص لم تتغير الأحوال ولن تتحسن

وقد يفسر من لا يفهم أن الكلام هنا دفاعاً عن أشخاص ويشغله التعصب أو كرهه لأشخاص عن النظر لعين الحقيقة والوقوف علي الاسباب الحقيقية للمشكلة كي يبحث لها عن حلول ، ملقياً اللوم علي فلان أو علان ، معيباً عليه التصرف

وفي زماننا هذا ، أصبح يقيم و يعيب من لا يعرف ، فقد صار الجميع الا من رحم ربي يتكلم في كل شيئ وكأنه علامه ، الكل يدلو بدلوه في أي شيئ حتي في الأمور المتخصصة ، و كأنه خبير استراتيجي وساهمت في ذلك وسائل التوصل الاجتماعي التي ساوت بين العالم والجاهل فأجلستهم علي منصة واحده ، و أتاحت للجميع أن يقول رأيه في أي شيئ و ينشره مهما كان ، وذلك عين الفساد

وللعلم وهو المعرفة هنا أهميه عظمي ، وهو ما عبر عنه القرآن الكريم علي لسان سيدنا الخضر لسيدنا موسي كليم الله ” وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ” ) الكهف 68(

فقد عاب موسي كما نعيب ، ولما علم بالأسباب وعرف الحقيقة ، أقر ما كان قد عاب عليه ، ووجد أن ما حدث كان هو الأفضل

وللقضاء علي ما نعانيه من فساد ، أن يلتزم كل منا بإصلاح نفسه قبل أن ينشغل بإصلاح الآخرين

وهذا ما بينه القرآن الكريم كعلاج لتلك المشكلة وهو ما جاء في قوله تعالي : ” إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ (الرعد:11( وقوله أيضاً ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) ” المائدة:105)

فسنة الله تعالى في الحياة الاجتماعية ، أنه لا يتم تغيير ما بالمجتمع حتى يبذل المرء جهده في تغيير نفسه أولاً ، فلا صلاح لمجتمع إلا بصلاح أفراده

فعلينا بتقويم التباين الحاصل بين أقوالنا و أفعالنا ، والتخلص من ما بنا من أسقام أخلاقية ، علينا أن نتعامل مع أنفسنا بشفافية ونركز أولا على إصلاح ما بنا من عيوب

ثم يأتي بعد ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو الأمر الذي نالت به أمتنا الخيرية كما أخبر بذلك ربنا في كتابه العزيز فقال : ” كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ” (آل عمران: 110 )

ورغم صعوبة تلك المهمة إلا إننا إن كنا نريد اصلاحاً حقيقياً ، فليس لنا سبيل سواها ، فنعرف المعروف وندعو اليه وننكر المنكر ونحذر منه

ولابد من التسلح بالعلم والمعرفة ، ثم إقران العلم بالعمل ، و بذل الجهد تلو الجهد ، وعدم الركون إلى العجز والضعف ، والاعتذار بمحنة ما ، أو بمصيبة من مصائب الدهر ، إذ ليس هنالك شيء أسوء من الاستسلام

والله نسأل أن يحفظنا ويحفظ بلادنا من كل مكروه وسوء.

حكايتنا

تنبيه هام، المنشور يعبر عن رأي الكاتب ويتحمل مسؤوليته، دون ادنى مسؤولية علي الجريدة

تنبيه

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: