الإسراء والمعراج رحلة شرف وتكريم

الإسراء والمعراج رحلة شرف وتكريم

كتبت : هدى بيبرس

إنَّ رب العباد عوَّد عباده المؤمنين أنَّ بعد العسر يسرا، ومن الرزايا تأتى العطايا، ومن المِحَن تأتى المِنَح، ومن الألم يتولد الأمل، نعم، فقد توالت على رسول الله صلى الله عليه وسلم الأحزان والآلام قبل رحلتى الإسراء والمعراج ، حتى سُمِّيَ ذلك العامُ بعامِ الحزن؛ فقد حاصره قومه حصارًا خانقًا في شِعب أبي طالب ثلاث سنوات، كانت قاسيات شديدات عليه وعلى أصحابه ، ثم يُفجع بموت عمه أبو طالب الذى كان يناصره ويسانده ويدفع عنه أذى المشركين، وبموت زوجه الحنون أم المؤمنين خديجة رضى الله عنها وأرضاها، فإزداد كفار قريش جراءة على الحبيب المصطفى ، حتى كان أبو لهب يلاحقه في الأسواق، يسبه، ويسفهه، ويرميه بالحجارة، ويخبر بأنه كذاب، حتى دخل النبيُّ على ابنته ذات يوم وقد نثر سفيه من سفهاء قريش التراب على رأسه، فجعلت ابنته تغسل عنه التراب وهي تبكي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها‏:‏ ‏”لا تبكي يا بنيَّة، فإن الله مانع أباكِ” ، بعد كل هذا البلاء خرج الحبيب إلى الطائف داعيًا وهاديًا، على أمل في هداية ثقيف، لكنه يصدم برفض أهل الطائف لدعوته، وتعرضهم له بالشتم والأذي… وقد سلطوا عليه وعلى صاحبه سفاءهم، حتى ضاق الحبيب ذرعًا، فدخل بستانًا يحتمي بشجراته رافعًا يديه إلى السماء، مناجيًا ربه، معتذرا إليه، متحببا إليه، بكلمات كريمة، وبدعاء صادق نبع من أعماق قلبه الحزين، قد امتزجت كلماته بحرقه وجدانه المكسور: “اللَّهُمَّ إلَيْك أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبِّي، إلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي؟ أَمْ إلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي؟ إنْ لَمْ يَكُنْ بِك عَلَيَّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنَّ عَافِيَتَك هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِك الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَك، أَوْ يَحِلَّ عَلَيَّ سُخْطُكَ، لَك الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِك” فأراد الله أن يطيب خاطر النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن فقد زوجته وعمه وبعد ما لاقاه من قريش وغيرهم من رافضى الدعوة، فكرمه وشرفه بمعجزة الإسراء والمعراج.

معلومة تهمك

وكانت معجزة الإسراء والمعراج من أجل المعجزات وأعظم الآيات التي تفضل بها المولى سبحانه على نبيه ومصطفاه محمد صلي الله عليه وسلم , ولأهمية هذه المعجزة فقد ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم في سورتين , الأولى الإسراء وذُكرت بها رحلة الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى فى قوله تعالى:” سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ” (الإسراء /1) . والثانية سورة النجم وهو ما يعرف بالمعراج وهو الصعود إلى السماوات السبع وما فوقهاقال تعالى:” وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّي فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى )النجم/1-18).

وأما شرف محطات الزيارة: فقد توقف في عدة محطات:

أ‌- الأولى: المسجد الأقصى، وفيه صلَّى بالأنبياء إمَامًا.
ب‌- الثانية: السَّمَاء الدُّنْيَا، وفيها التقى بأبيه آدم عليه السلام.
ت‌- الثالثة: السماء الثانية ، وفيها التقى بيحيى وعيسى عليهما السلام .
ث‌ – الرابعة: السّماء الثالثة ، وفيها التقى بيوسف عليه السلام .
ج‌- الخامسة: السماء الرابعة، وفيها التقى بإدريس عليه السلام.
ح‌-السادسة: السماء الخامسة ، وفيها التقى بهارون عليه السلام.
خ‌- السابعة: السماء السادسة ، وفيها التقى بموسى عليه السلام، كليم الرحمن، والذي كان سببًا في تخفيف الصلاة عنَّا من خمسين إلى خمس.
د‌- الثامنة: السماء السابعة، وفيها التقى بإبراهيم عليه السلام، أبو الأنبياء، وَإِذَا هُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ثُمَّ لَا يَعُودُون إليه .
ذ‌. المحطة التاسعة: سِدْرة المنتهى، والتي رأى من جمال حسنها ما لا يُوصَف، وهناك رأى جِبْرِيلَ عَلَى صُورَتِهِ، وَلَهُ سِتُّمِائَة جَنَاحٍ ، وأكرمه الله برؤية الجنة وأنهارها ونعيم أهلها، وقد قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ﴾ [النجم: 13 – 18].
ر‌. وأمَّا عاشرًا: فكان لقاؤه مع الله تعالى؛ حيث أوْحَى لنبيِّه صلى الله عليه وسلم، وكلَّمَه من غير واسطة، ويا له من تشريف وتكريم لرسول الله صلى الله عليه وسلم! وفرض عليه عبادة الصلاة، ثم رجع عليه الصلاة والسلام.
8- وأمَّا شرف مَن التقى بهم: فقد التقى بالملائكة الكِرام، والتقى بالأنبياء المصطفين، وكلهم رحَّب بمجيئه، وأشرف لقاء كان مع الله سبحانه وتعالى حين أوْحَى إليه وكلَّمَه.
9- وأما شرف المِنح والهدايا التي عاد بها: فقد عاد بجملة من المِنَح والهدايا منها:

أ. الصلوات الخمس: هذه العبادة اليومية التي نقف فيها بين يدي الله، وتعرج فيها القلوب إلى الله تعالى، وقد جعلها الله خمسًا في الأداء، خمسين في الجزاء؛ تفضُّلًا منه سبحانه، فاستمسكوا بها؛ فإنها سبيل النجاة.
ب‌. فضل الذكر: فقد جاء في الحديث: (لَقِيتُ ليلة أُسرِيَ بي إبراهيمَ، فقال لي: يا محمدُ، أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مني السلامَ، وَأخْبِرْهم: أَن الجنةَ طَيِّبَةُ التُّربة، عَذْبةُ الماء، وأنها قِيعانٌ، وأَنَّ غِراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر).
ت‌. عاد رسول الله وهو مشبع بروح الأمل والتفاؤل، فقد جاءته رحلة الإسراء والمعراج في وقت عصيب؛ حيث فقد زوجته الحنون خديجة رضي الله عنها، وفقد عمَّه أبا طالب الذي كان يدافع عنه، وكل ذلك كان في عام واحد حتى سُمِّي بعام الحزن، ونال المشركون منه ما نالوا، وكان من أصعب ذلك ما كان من أهل الطائف.
في هذه الظروف يكرمه الله بمعجزة الإسراء والمعراج، وكأنَّ الله تعالى يقول له: إن ضاقت بك الأرض فإن السماء تفتح لك أبوابها، وإن أبى بعض أهل الأرض استقبالك فإنك ستستقبلك ملائكة الرحمن والأنبياء الكِرام، وإن عاداك بعضُ البشر فإن معك الله القوي الشديد.
مراتب الشرف في رحلة الإسراء والمعراج:

رحلة الإسراء والمعراج حفَّتها مظاهر الشرف من كل جانب؛ حيث اجتمع فيها: شرف الزائر، وشرف المزُور، وشرف الرفيق، وشرف المركوب، وشرف مكان التحرُّك، وشرف مكان الزيارة، وشرف محطات الزيارة، وشرف مَنْ التقى بهم، وشرف المِنَح والهدايا التي عاد بها؛ ولذلك استحقَّت أن يُسمِّي الله سورةً باسمها، وأن يبدأها بالتسبيح، فقد قال تعالى: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الإسراء: 1]، وقال عنها: ﴿ لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ﴾ [النجم: 18].

1- أما شرف الزائر: فالزائر هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، أشرف الخلق وخير من وطِئ الثَّرى وخاتم الأنبياء وإمام المرسلين، الذي قال عنه الله جل وعلا: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107]، وفيه قال القائل:

واللهِ ما خَلَقَ الإلَهُ ولا بَرَا
بَشَرًا يُرى كمُحَمَّدٍ بين الورى

2- وأما شرف المزُور: فهو الله جل وعلا، الذي منه يُنال الشرف والعز والرفعة جل في عليائه، وهل هناك أشرف من لقاء الله وتكريم الله لعبده؟!

3- وأما شرف الرفيق: فالرفيق هو جبريل عليه السلام، أمين الوحي وسفير الأنبياء.

4- وأما شرف المركوب: فهو البُراق، الذي كان يركبه الأنبياء، تلك الدَّابَّة العجيبة التي تضع حافرها عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِها، والله قادر أن يأتي بنبيِّه من غير دابَّة، وأن يطوي له المسافات؛ ولكنه جاء به راكبًا من باب التكريم له، وفي الحديث (أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ- وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ- يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ)، قَالَ: (فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ)، قَالَ: (فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ)؛ رواه البخاري ومسلم، واللفظ لفظ مسلم، وعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه: “أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِالْبُرَاقِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مُسَرَّجًا مُلَجَّمًا لِيَرْكَبَهُ، فَاسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: مَا يَحْمِلُكَ عَلَى هَذَا؟ فَوَاللهِ، مَا رَكِبَكَ أَحَدٌ قَطُّ أَكْرَمُ عَلَى اللهِ مِنْهُ، فَارْفَضَّ عَرَقًا”
5- وأما شرف مكان التحرُّك: فهو البيت الحرام؛ أول مسجد بُني في الأرض، وقبلةُ المسلمين، والذي تعدل الصلاة فيه مائة ألف صلاة.
6- وأما شرف مكان الزيارة: فهو بيت المقدس والسماوات العُلى.
• أما بيت المقدس: فهو مجمع الأنبياء، ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبلة المسلمين الأولى، والذي تعدل الصلاة فيه خمسمائة صلاة، والذي بارك الله فيه، وقال عنه: ﴿ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ﴾ [الإسراء: 1].
• وأمَّا السماوات العُلى: فهي التي يتنزَّل منها الوحي، وتصعد إليها الأعمال والأرواح، وفيها ملائكة الرحمن يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وفيها الدلالة الباهرة على عظمة الله وقدرته.

 

الإسراء والمعراج رحلة شرف وتكريم

تنبيه هام، المنشور يعبر عن رأي الكاتب ويتحمل مسؤوليته، دون ادنى مسؤولية علي الجريدة

تنبيه

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: