الجار للجار

الجار للجار

الجار للجار
كتب : عصام عياد
بعد أن وضعت الشريعة الاسلامية قواعد أسس تكوين الأسرة ، وهي اللبنة الأولي في المجتمع ووحدة بنائه ، بدءاً من اختيار شريك الحياة ، ثم تنظيم العلاقة بين الزوج والزوجة ، ثم بين الوالدين والأبناء ، وبيان حقوق وواجبات كل منهم
وضعت قواعد وأسس تنظيم العلاقة بين تلك الوحدة والوحدة التي تليها ، لضمان تماسك المجتمع واستقراره
فكانت قواعد وأسس تنظيم العلاقة بين الجيران كوحدتي بناء المجتمع ، ليكون بينهم لحمة تتسم بالود والمحبة والاخوة
ولما كانت لتلك العلاقة ولتلك الرابطة ( رابطة الجوار ) دون غيرها من الروابط التي تربط بين البشر ، أهمية كبري ، أهتمت بها الشريعة اهتماماً كبيراً و أمرت بما يحافظ عليها وينميها ، وحذرت من ما يخلخلها ويفسدها
فقد جاء في القرآن الكريم ، التوصية بالإحسان الي الجار باللفظ الصريح ، وذلك في قوله تعالي : ” وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ” ( النساء 36 )
وتؤكد السنة النبوية ذلك ، فنجد النبي ﷺ يقول : ” ما زال جبريلُ يُوصيني بالجار حتى ظننتُ أنه سيُورِّثه “) رواه البخاري عن عائشة ام المؤمنين ) لشدة الوصية التي بلَّغه إياها جبرائيل عن الله
والأحاديث في هذا المضمار كثيرة ، جاءت كلها تأكد علي أن للجار حرمة مصونة ، وله حقوق وآداب كثيرة ، لم تعرفها قوانين وشرائع البشر من قبل ، وقد فصلت السنة النبوية تلك الحقوق في أمور كثيرة ، وصنفها العلماء علي ثلاث مراتب ، الاولي كف الأذى عنه ‘ والثانية تحمل الأذى منه ، والثالثة إكرامه والاحسان اليه ، ويندرج تحت هذه المراتب ما يلي :
– الاحسان اليه قولا وفعلا ، و العمل علي حمايته وتأمينه ‘ ومنع الأذى عنه بجميع صوره ، ورد غيبته ، وحفظ سره ، إذ أن الجار قد ينكشف اليه من جاره ما لم ينكشف لأحد ، ومشاركته أفراحه و أحزانه ، وتهنئته ومواساته ، ومساعدته عند الحاجة ، وتلبية دعوته ، والسؤال عنه وتفقد أحواله ، وعيادته في مرضه ، ومساعدته في حل مشاكله حسب القدرة ، وإقراضه إذا طلب مع القدرة ،وغض البصر عن محارمه وعدم تتبع عوراته ، و السعي في الاصلاح بينه وبين جيرانه ، و مشاركته العلم واصطحابه الي مجالس العلم ، وإحسان الظن به والصبر علي أذاه ، والتغاضي والتغافل عن زلاته ، و مبادرته بالسلام وطلاقة الوجه عند ملاقاته ، و تقديم النصيحة له وإكرامه واحترامه
وقد بين النبي صلي الله عليه وسلم خطورة التقصير في حق الجار ، فقال صلى الله عليه وسلم : ” كم من جار متعلق بجاره يوم القيامة يقول : يا رب هذا أغلق بابه دوني فمنع معروفه ” .
وتلك عاقبة التقصير ، أما عن عقوبة الأذى ، فتعالي لنتعرف علي ما قاله النبي صلي الله عليه وسلم في هذا الأمر
فإن أول عقوبة لأذي الجار
– نقص الإيمان فقد روي أَبي هريره أَن النَّبيَّ ﷺ قَالَ: واللَّهِ لا يُؤْمِنُ، واللَّهِ لا يُؤْمِنُ، واللَّهِ لا يُؤْمِنُ، قِيلَ: مَنْ يا رسولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الَّذي لا يأْمنُ جارُهُ بَوَائِقَهُ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. ، والمتأمل لكلام رسول الله صلي الله عليه وسلم ، يجد غضب النبي وهو ما لاحظه الصحابة ، وقسم النبي ومعلوم أن القسم لا يكون الا في أمر مهم ، وتكرار القسم يؤكد زيادة الأهمية ، والمقصود هنا عدم كمال الايمان
والعجيب أن تكون تللك العقوبة لمجرد عدم اطمئنان الجار لجاره ، أي أن الأذى لم يحدث ، وقد لا يحدث ، فكانت العقوبة لمجرد ان الجار يخشي شرور جاره ، فما بالكم إذا حدث الأذى بالفعل
– مضاعفة الذنوب : فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : ” ما تقولون في الزنا قالوا حرام حرمه الله ورسوله وهو حرام إلى يوم القيامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بحليلة جاره قال ما تقولون في السرقة قالوا حرمها الله ورسوله فهي حرام إلى يوم القيامة قال لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق جاره ” رواه البخاري وغيره
– ضياع اجر الأعمال الصالحة : فقد ورد في السنة أن صحابة رسول الله صلي الله عليه وسلم قالوا: يا رَسولَ اللهِ، فُلانةُ تَصومُ النَّهارَ وتَقومُ اللَّيلَ، وتُؤذي جيرانَها؟ قال: هيَ في النَّارِ، قالوا: يا رَسولَ اللهِ، فُلانةُ تُصلِّي المَكتوباتِ، وتَصَّدَّقُ بِالأَثوارِ مِنَ الأَقِطِ، وَلا تُؤذي جيرانَها؟ قال: هيَ في الجنَّةِ.
– اللعن ، وهو الخروج من رحمة الله فقد روى أبو داود وابن حبان والحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو جاره، فقال: اذهب فاصبر، ثم أتاه الثانية: فقال: اذهب فاصبر، فقال في الثالثة أو الربعة: اذهب فاطرح متاعك في الطريق، فطرح متاعه في الطريق، فجعل الناس يسألونه فيخبرهم خبره، فجعل الناس يلعنونه، فعل الله به وفعل وفعل، فجاء إليه جاره، فقال له: ارجع لا ترى مني شيئا تكرهه
أما عن فوائد الإحسان إلى الجار فإنّ لإحسان الجار إلى جاره فوائدٌ وفضائلٌ عديدةٌ منها :
– سببٌ في بلوغ العبد درجة الإيمان الكامل.
– سبب لعمار الديار وطول الأعمار ، لقول النبي صلي الله عليه وسلم : ” صلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار ”
– سبب دخول الجنة ، فقد سأل رجل النبي عن عمل يدخل به الجنة ، قال ” كن محسناً ” قال متي أكون محسناً ؟ ” قال إن اثني عليك جيرانك فأنت محسن ”
– توثيق العلاقات الاجتماعية بين الأفراد ، مما يعزز تماسك المجتمع وتلاحمه ، و زيادة المحبة والألفة والمودة بين أفراد المجتمع.
– نيل محبّة الله تعالى، والرسول صلّى الله عليه وسلّم لأن في ذلك امتثال لأمر الله ورسوله وطاعةً لهما فيكون سبب في مغفرة ذنوب العبد المحسن إلى جاره.
– تيسير الله تعالى للمحسن أموره ، ومحنه الصعبة ، ويقضي الله تعالى حاجاته ، كما يقضي حاجات جاره.
– سببٌ في إدخال السرور على قلوب الناس، ومنحهم السعادة.
في الآونة الأخيرة ، و بعد أن ساءت الظروف ، وارتفعت الاسعار ، أصبحت حاجتنا الي توطيد العلاقة بيننا وبين الجيران ، ومراعاة بعضنا بعضا ، أكثر من أي وقت سبق ، فيجب علي كل منا ، أن يسأل علي جاره ، ويتفقد أحواله ، ويساعده ويطمئن عليه وعلي أبنائه وأهل بيته ، لا نحتكر سلعاً ، ولا نتكالب عليها ، ونراعي حاجة اخواننا وجيراننا لتلك السلع ، فليس المؤمن الذي يشبع وجاره جوعان
ونحب لهم ما نحبه لأنفسنا ، ليظل كل منا سند للآخر ، يشد بعضنا بعضا فيظل المجتمع في تماسك وتلاحم ، فلا يقدر عليه كائد أو ماكر أو خائن متآمر
هذا في الدنيا ، وفي الآخرة ننال بالإحسان الي الجار وحبنا لإخواننا الدرجات العلا من الجنة
والله نسأل التوفيق والسداد

تنبيه هام، المنشور يعبر عن رأي الكاتب ويتحمل مسؤوليته، دون ادنى مسؤولية علي الجريدة

تنبيه

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: