لا شئ يدعو للثقة مجموعة قصصية للأديبة نجلاء أحمد حسن

لا شئ يدعو للثقة
مجموعة قصصية للأديبة نجلاء أحمد حسن

بقلم دكتور: عوض الغبارى

فى مجموعة قصصية جديدة نلتقى بالكاتبة الأديبة نجلاء أحمد حسن وقد أعلنت عن مولد عمل أدبى حافل بالروعة الفنية والحس الإنسانى الرفيع فى ست وعشرين قصة تحمل روح كاتبتها وشخصيتها وتطلعها إلى الانسجام الكونى فى علاقات البشر.
وعنوان المجموعة لافت للنظر، يوحى بالاستسلام لطبائع الناس التى لا تدعو إلى الثقة، لكنها فى مجريات القصص تصور تلك النفس الإنسانية التى تتألم من غياب العطاء ودفء الحنان وصراحة الضمير ونيل المشاعر والتآلف مع جمال الطبيعة والفن والفكر مجدولة بالأمل الذى يبدو من إهدائها هذه المجموعة لبناتها زهرات العمر، وقطعة القلب وإلى كل قلب أحب، وكل روح عشقت الحياة.
وبطلات قصص المجموعة صورة للمرأة فى صراعها بين الإخلاص فى الحب، وخيانة الحبيب.
ومقدمة نجلاء أحمد حسن تجليات لتلك التيمة فى المجموعة القصصية فى “همسة” نقدية ترى أن الفن القصصى الأدبى “تمثيل للواقع من أجل الارتقاء بحياة الإنسان ومشاعره وتفكيره”.
وهى فى قصصها تستوحى صورها من واقع حياة البشر التى تجلت فى قصة ” لا شئ يدعو إلى الثقة” التى أخذت المجموعة عنوانها.
إن القصة تحمل مشاعر متصارعة، وتجعل اللجوء إلى الذكريات السعيدة ملاذا للواقع القاسى الذى نال نصيبه من صميم القلب فأدماه، كما أظلم الروح المسالمة المتطلعة إلى حياة كريمة يعم نورها الكون.
وهذه الجدلية هى تيمة أخرى فى القصص تتجسد – خاصة- فى قصة “لا شئ يدعو إلى الثقة” . تسبح الساردة فى هذه القصة فى ذكريات تحمل أنغام المشاعر النبيلة التى تشحن العالم بالسعادة وألوان الضوء.
وتصور الحب وسط الأشجار العالية، وزقزقة العصافير؛ وذكريات تصارع الواقع الجديد حيث تصبح وحيدة بلا قارب أو مجداف أو نهر. ويعلو صوت الألم فى هذه القصة، ويتصارع الجدل فى نفس أخلصت وحاولت أن تعيش وتسعد من حولها وبين ما آلت إليه من حياة تعلن للكون بأن لا شئ هناك يدعو إلى الثقة.
وتتنوع قصة المجموعة فى التقنيات والأسلوب، وتتطرق إلى أنماط من الحياة والأحياء تحمل رؤية نجلاء أحمد حسن فيها بنفاذ إلى أغوار النفس الإنسانية، وقضايا المرأة الباحثة عن الأمان النفسى والدفء العاطفى من خلال أمواج عاتية من تجاهل المشاعر إزاءها.
وتجعلنا الطريقة الرائعة فى السرد أسلوبا جميلا وشعورا رهيفا نتعاطف مع هذا الجانب الإنسانى المأساوى لشخصيات المرأة فى القصص.
ونتأثر – خاصة- بهذا الضعف الذى ينتاب هذه الشخصيات فى جدله مع نوازع الاستقرار فى الحياة تضحية من أجل الإبقاء على ما فات من ذكريات الحب الجميل، أو الحفاظ على مقدَّرات الأسرة وتماسكها، وخاصة الوصول بالأبناء إلى بر الأمان . ولا تتحول المأساة المحيطة بضحايا بطلات القصة إلى عدم وظلام شامل، بل يطل الأمل المنشود من خلال الألم.
أما شريك حياة المرأة فمبعث تعاستها فى قصة “صمام القلب المتجمد” نتيجة الخداع الذى يمثل السجن والبعد عن المعنى الحقيقى للحياة، ومعاناة برودة صمام القلب المهجور من شريك الحياة.
والألم الذى تعانيه شخصيات المجموعة من النساء ليس معنويا فقط، ولكنه يؤدى إلى الاعتلال الجسدى الذى يصيب الضحية جسدا كما أصاب روحها.
كذلك تتناول قصة “الصباح الأخير” حياة رمادية لشخصية القصة مع الزوج، واستسلام للواقع، لكن فى سلام رغم الألم، بل الموت فى اللحظة التى ندم فيها الزوج على ما سببه لها.
ولا شك أن هذه القصص تلمس وجدان القارئ، وتستثير شفقته وتعاطفه، وربما عزمه على الإحسان إلى شريكة حياته، كما صورته القصة الجميلة “عصفور الحظر”، حيث اقتنت الأسرة قفص عصافير أثناء حصار الكورونا، وتوقف مظاهر الحياة.
لكن هذه العصافير كانت تعويضا عن ظروف هذه المرحلة السوداء، تصفها القصة وصفا جميلا، تصدح فى تناغم نغمات تطرب لها القلوب قبل الآذان.
وعبر القصص تنساب رقة أسلوب نجلاء أحمد حسن الشاعرة، خاصة فى قصة “صلاحية حنان”، يتألق أسلوب كاتبتنا فى هذه القصة الحزينة تصور المشاعر فى بحر من ألم الرؤيا، والخيانة القاتلة، واسترجاع الذكريات الجميلة التى انتهت صلاحيتها.
وعناوين المجموعة القصصية علامة على محتواها ومغزاها.
يتجلى ذلك، مثلا، فى قصة “جرح مقدس” التى تصف فيها جرحا عميقا “يتسع مع دقات النبض حتى أدخلت تشققاته أنوارا جديدة” بغرف القلب، وحيث انبثاق النور من مأساة الألم، خاصة إذا كان المتسبب فيه أقرب الناس.
كما أن كثيرا من القصص تبدو تصويرا فنيا لشخصية نجلاء أحمد حسن، خاصة قصص “انزواء” و”مناورة” و”أصارع اللعنات”.
كذلك تحفل قصة “ولادة قلب فولاذ” بالنجوى واستبطان الذات، وتحليل شخصية الأنانى المستنزف للعطاء.
وتبرز فيها معانى العطاء رغم الآلام، وصقل التجربة لمعاناة العمر التى شكّلت قلبا جديدا معطاء من فولاذ ، فغالبا ما نرى فى القصص مشاعر الحنان من طرف، وقسوة من طرف آخر.
ونرى، كذلك، ذكريات تهتز لها القلوب على أنغام الموسيقى كما فى قصة “بابها الملون”، والقصص الحزينة تثير الشجن، وتبكى أطلال الحلم الذى تخلى عن صاحبه كما فى قصة “حلم”. والمرأة تذوق ألوانا من خيبة الأمل فى الرجل الأنانى البخيل كما فى قصة “شريحة من كل ثمرة” وقصة “برطمان عسل” بما يستدعى كتاب “الجاحظ” الشهير عن البخلاء.
وخصوصية المرأة بارزة فى قصة “مرايا وفستان”، حيث تهمس كل قطعة ملابس جميلة بذكرى تعبر عنها الكاتبة بحميمية ورومانسية من خلال “تلك الساعات البراقة المختلفة المفعمة بتحقيق الأحلام، وألوان السماء الزرقاء ذات السحب النقية الحارسة من لسعات الخوف من المستقبل، فقد كان كل شئ يغنى، وكل الطيور الملونة تراها تنقر شباكها كل صباح معلنة ظهور أيام شابة جديدة”.
ونجلاء أحمد حسن بارعة فى رسم أناقة المرأة، ووصف ملابسها الراقية وذوقها الرفيع فى التعامل مع الناس. كذلك تتجلى هذه الخصائص فى قصة “تساؤلات نسائية” والتعبير عن الأمل ألا يغيِّر بُعد المسافات شيئا من شغف القلب.
وتتراوح القصص بين هذه المشاعر المتباينة معبِّرة عن الأحوال الإنسانية بين الواقع والمثال.
تعبر قصة “دوامات الثقب الأسود” عن الابتعاد عن قيد المتعة وعن قيد الأمل وعن قيد القوة، وابتعاد شخصية القصة عن قيد الشغف لانتقاد أبنائها لها واتهامها بعدم التفاعل معهم، ومعاناتها من غياب العناية والدعم، فهى تضيئ كل يوم حتى تنزلق فى دوامات الثقب الأسود، وتواجه، بيأس، شراسة الظلام الذى تشعر به يوميا.
ومع قصة “أشعة الشمس المتحيرة” تعبير عن عتبة العنوان، ولقاء مرتقب لم يتم، حيث تقول الكاتبة، “خليط من الموسيقى، ودفء أشعة الشمس.. تحلق بك الفراشات لنشوة السعادة”. وتصور القصة استمداد الحياة من ذكريات سعيدة. والمواقف الرامزة لمحطة الوصول فى سيارة أجرة تصور الواقع فى قصة “ابتسامة مغلقة” حيث تعبر محطة الوصول عن هَمّ كل راكب، كما تصوِّر الغموض الذى يحيط بشخصية راكبة صغيرة ذات ابتسامة مغلقة.
وفى المجموعة قصة ومضة لافتة النظر ببراعتها، وعنوانها: “ذاكرة منضدة”، وفي اصل ابيض وصورة وردية وتصوير لمعاناة مرضى مستشفيات التأمين الصحى، وفى قصة بعنوان: “كمين زيارة”، وسؤال حزين هو: كيف تتحول مستشفيات الرحمة إلى أبنية سجون بلا رحمة؟
وربما تعبر قصة “كابوس عصر” وما تجسد من مأساة خيانة زوج عن روح هذه المجموعة القصصية فى قول الساردة : ” لقد خُلق القلب للحب فقط، لا للاختيار، والحياة قد تفرض على القلب الأقدار التى لا منطق فيها”، إذ المشاعر غالبة على الإرادة، والحب لا منطق له، ومآسيه ماثلة فى المفارقة بين عذوبته وعذابه، حتى أن الحب القوى لرجل مخلص قد انزوى لانشغاله فى قصة “مشغول” . إن قصص نجلاء أحمد حسن مرحلة جديدة فى مسيرتها الأدبية كاتبة مفكرة شاعرة ناقدة لها تحت الطبع ديوان شعر حر، ومجموعة قصصية، وكتب ودراسات أدبية، ومقالات نقدية بين الواقع والفن والفكر والثقافة، وسيرة ذاتية حافلة بالعطاءات والإنجازات.

 

معلومة تهمك

لا شئ يدعو للثقة مجموعة قصصية للأديبة نجلاء أحمد حسن

تنبيه هام، المنشور يعبر عن رأي الكاتب ويتحمل مسؤوليته، دون ادنى مسؤولية علي الجريدة

تنبيه

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: