قراءة في بعض ما ورد في ديوان الشاعر العراقي عبد الهادي عباس( أسئلة الفقد).

قراءة في بعض ما ورد في ديوان الشاعر العراقي عبد الهادي عباس( أسئلة الفقد).

قراءة في بعض ما ورد في ديوان الشاعر العراقي عبد الهادي عباس( أسئلة الفقد).

بقلم أ. سامية خليفة/ لبنان

معلومة تهمك

النص يتألف من ٨٠ قصيدة نثرية تقع في ١٠٦ صفحات / منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق ٢٠٢٣.
عنوان النص شامل لكل القصائد التي وردت بلا عناوين لتكون كل النصوص شاملة بنص واحد تحت عنوان رسائل الفقد.

المدلولات في العنوان:
في عبارة( أسئلة ) هناك مدلول ذهني فكري أما في كلمة الفقد فهناك مدلول عاطفي، نستنتج من ذلك أن هناك صراعا سينشأ بين العقل والعاطفة .

يستهل الشاعر ديوانه بعبارة مسبوقة بواو العطف مما يعني أن الصراع لم ينشأ من نفس لحظة كتابة الديوان بل قبل ذلك للدلالة على كثافة المشاعر والأسئلة كما وأنه استهل الديوان بقصيدة استخدم فيها بكثافة جملا فعلية للدلالة على السرعة والانفعال للتعبير عن مشاعر متوهجة لا يهدأ أوارها حيث يقول: ” ويغرق رأسي بصمت مخيف” وذلك للدلالة على الارتباك الذي أصيب به الناتج عن صدمته بفقد حبيبته وهي شريكة حياته. هناك بركان خامد من صمت لا تلبث الذكريات أن تفجّره شعرا، لذا كانت الذكريات هي الفتيل الذي يفجر بركان الإيحاءات والصور والخيال جنونا وشوقا من خلال (صورة في جدار قديم)
يقول : ” ولم يبق عندي سوى صورة في جدار قديم / وهذا بريدي يجرجرني للوراء / ويدفعني لاشتياق شفيف/ وقد مسني كل هذا الجنون…..”
في قصائده نجد تلاؤما وانسجاما ما بين اللفظ والمعنى مع تجانس بين الموسيقى الداخلية في عمق المعاني لتصوير الفقد تصويرا إنسانيا، لما يترك الفقد من ظلال لفقيدته التي يرافقه ظلها وهو مدرك غيابها جسدا إلا أن الروح تبقى حاضرة فيناجيها يقول:
“أنا هذا العام/ ليس كما يرام/ انتِ/ بعيدة خلف الحيطان/ وأنا اتنفس غيابك بصبر تام/ وقد تدحرج قلبي إليك/ وهو يئن كثيرا في حضرتك الآن.”
إذا ظل الفقيدة موجود معه في الزمان والمكان والمناسبات .

الجمالية في الخيال الابتكاري:
في قصائده تنبثق الجمالية فالشاعر اتبع منهجا فنيا اعتمد فيه على سعة الخيال الابتكاري، نجده يخاطب شخصا مبتكرا من خياله يقول في إحدى قصائده:
“لا تتحدث عنها / هي غارقة في حلم هادئ ”
يشكو إليه ما تعتلج به نفسه من مشاعر الحزن، وهذا المنهج المتبع كأنما يقصد به مخاطبة القارئ ليشاركه في أحزانه فيدرك مدى قسوة الألم المعتمر في نفسه، يبرر له سبب حزنه قائلا: ” هي في غيبوبتها سابحة/ وأنا المجنون بغربتها/ أبكي…..”
ثم يستطرد قائلا: ” أتوسل عودتها” عبارة تظهر الانفصال عن حقيقة الواقع بعدم الرضوخ إلى حتمية الغياب بلا عودة بعد الموت، لذا يكرر كلمة مجنون في قصائده ليعلل للقارئ وربما لنفسه تلك الفكرة الخارجة عن إطار الواقع ، هي الموجودة أبدا رغم حتميّة الرحيل.
في قصيدة يستهلها قائلا: ” اشتقت إليها/ لأمسح على رأسها بالياسمين/ وأقبل يديها الناحلتين/ ومن فرط دوار يتعبني / سأكون قريبا منها/……..”

يتضمن الشاعر في قصائده غرضا في إقناع القارئ باللاجدوى من الاعتراف بالواقع فلا جدار يفصل ما بينه وبين الحبيبة كل ذلك بأسلوب محكم يبرر أن الفقيد يسكن معنا في الحلم والواقع فيجعل من صوره صورا كونية عامة وليست ذاتية خاصة به .
الثيمة الأكثر سيطرة بعد ثيمة الفقد والشوق هي ثيمة الوفاء للراحلين هم دوما معنا كظلال تاتي وتذهب ونحن دوما على موعد معهم في انتظار.
المنهج الفني المعتمد يبرز توازنا بين الموسيقى الداخلية لانفعالات الشاعر والموسيقى الخارجية للألفاظ المنتقاة بدقة وعناية .
تتجدد الرؤى من خلال تجربة الشاعر الفريدة فيطرح أسئلة كثيرة لا تخطر على بال ، أسئلة بعيدة عن المنطق منها قوله في إحدى قصائده : ” متى نلتقي / أقول: / أتنكرني/ وتتركني وحيدا ألوذ بلا سكة أو دليل؟/ ام ستعرفني/ رغم ذاك النحول الكبير وتستجيب؟”
نرى انسجاما تاما بين موسيقى التوترات الانفعالية وبين الجرس الموسيقي مستخدما حروف العلة في أصوات طويلة ليظهر شدة الألم .

في قصائده نجد رومانسية عالية مستخدما عناصر الطبيعة ففي قصيدة لا تتجاوز كلماتها ٥٧ كلمة سبع كلمات من قلب الطبيعة : العصف- فراشات -حديقة العشب – الأقمار – الماء – الساقية)
البعد الشمولي :

  • يعطي الشاعر بعدا شموليا لا بعدا ذاتيا فيقول : ” هذا المتشظي شوقا ” هو مثلا لم يقل أنا المتشظي شوقا بل قال هذا دون تحديد من هو هذا المتشظي ليجعل حالة المتشظي حالة سائدة بين كل الأوفياء وليست حكرا عليه وحده.
    -عنوان الديوان شمولي لكل القصائد
    -القصائد لم يضع لها عنوانا بل جعلها طليقة ليكون عنوان الديوان شاملا لكل القصائد فتظهر وكأنها نص واحد.
  • مشاعره ليست مختصة به وحده بل هي مشاعر ترافق كل قلب عشق وخذله الفقد الوفاء شعور عام يشمل الكثير من البشر وليس ذاتيا يختص به لنفسه.

التجديد في تقنية الابتكار :
ابتكار شخصية خيالية ما هي إلا تقنية فنية يخاطب من خلالها القراء ساعدت الشاعر على نقل أفكاره إليهم بأريحية ليدخلوا معه في زوبعة مشاعره الصادقة .
التجديد يظهر في اتخاذ طابع خاص في دراماتيكية المشاهد والتنقل السريع بينها مستخدما الجمل الفعلية بكثافة متنقلا مثلا في القصيدة نفسها بين الزمنين الماضي والحاضر.

بعد الفقد هل تغيرت بيئة الشاعر ؟
البيئة لم تتغير وإنما تغيرت نظرة الشاعر لتلك البيئة يقول: “في بيتي / العثرات تشاكسني / وطبول الوقت تلاحقني / والحيطان ثقوب لنايات/ كنت وحيدا/ وأعاشر مخلوقات لا تنتهي/ ليس بمقدوري أن اتخلص منها/ جاءت زائرتي / وهي تقول/تعال معي / إن شئت تعال / لنؤسس بيتا من أحلام / أو دعني كصرير عندالباب/ قلت : سلاما/ والخطوات هنا تركلني ”
الكآبة والسوداوية لم تصل بالشاعر إلى كتابة رثائيات لم يكن هناك نواح يسيطر على أجواء القصائد بل كانت هناك ارتباكات وتساؤلات وخيال جامح عارضا لحالته الخاضعة لهذيانه بزائرته التي تأمره فيطيع، وتضعه بين خيارين إما الطاعة بمشاركتها حلمها (والذي هو حتما حلمه) ليؤسسا معا بيتا من أحلام، وإما عدم الطاعة وخسارة ذلك الحلم.
المدلولات الشعورية تأخذ أبعادا تجريدية ولكنها تأتي متناسقة مع المدلولات اللفظية في اختيار الشاعر لمفرداته فيتوازى الجرس اللفظي بالسياق الشعوري العاطفي وتتوازى الموسيقى الداخلية بالموسيقى الخارجية .

نلاحظ كثرة استخدام ( لماذا) في طرح الأسئلة ولماذا كلمة مركّبة من لام الجرّ التي يُراد بها التّعليل و (ما) الاستفهاميّة والموصول الاسمي (ذا)

صاغ الشاعر قصائده بلغة واضحة خالية من التعقيد والعبارات الحوشية الغريبة فكانت سليمة التراكيب تجديدية النمط، وقد استطاع الشاعر بلورة قصائده بإكسابها عبارات تتناسب مع موضوع الديوان الأساسي في ثيمة الفقد، وكانت القصائد ثرية بالاستعارات والكنايات والصور المجازية.

تنبيه هام، المنشور يعبر عن رأي الكاتب ويتحمل مسؤوليته، دون ادنى مسؤولية علي الجريدة

تنبيه

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: