أميرة تطوان “السيدة الحرة”

أميرة تطوان "السيدة الحرة"

بقلم الكاتبة / أمينة المهدي
بعنوان / أميرة تطوان “السيدة الحرة”


يعيش العالم حاليا تغيرات إجتماعية هائلة تعزز مكانة المرأة ودورها في المجتمع، و”السيدة الحرة” رمز ملهم في ثورة مستمرة نحو المساواة والكرامة والحرية، فهي تمثل القوة والإستقلال والتحدي ومن الشخصيات النسائية البارزة والإستثنائية.

معلومة تهمك

يسجل التاريخ أمجاد نساء كثر حفظ بين صفحاته بعضهن اسما وصورة، وكتاباته حافلة بمساهماتهن في مجالات مختلفة، فمنهن سلطانات وعالمات ومجاهدات، ونسي حياة ومسار بعضهن.

ومن المغربيات اللواتي تصدرن الريادة ووضعن بصماتهن في التاريخ، تفردت “السيدة الحرة” حاكمة تطوان بلقب أميرة الجهاد البحري.

تنتمي “السيدة الحرة” إلى أسرة شريفة، فهي بنت المجاهد علي بن موسى بن راشد ويمتد نسبها الى القطب سيدي عبد السلام بن مشيش العلمي. فهي علمية-إدريسية –حسنية، وزوجة قائد تطوان محمد المنظري، وبعده سلطان المغرب أبو العباس الوطاسي بالعاصمة فاس وحاكمة تطوان وشفشاون خلال الفترة ما بين 1515-1542.

وقد أختلف المؤرخون في اسمها، فقيل إن الحرة بين الحريم تعني الزوجة الشرعية، وغالبا ما أستعملت كلمة الحرة كمرادف لملكة أو سلطانة، تلقب بها الأميرات أمهات الملوك وزوجاتهم وبناتهم.

في سنة 1525 تنازل الأمير إبراهيم بن علي بن راشد لأخته “الست الحرة” عن قيادة وحكم مدينة تطوان، فحكمتها تحت نظره ثلاث سنوات. وخلال حكمها شارك التطوانيون في هجمات ضد البرتغاليين يقودها أخوها حاكم شفشاون.

وقد إستمرت في حكم مدينة تطوان حتى بعد تعيين أخيها الأمير إبراهيم ابن راشد في مهام رسمية داخل البلاط السلطاني في فاس. وقد بقيت على ذلك لمدة 13 سنة أخرى إلى أن تزوجها السلطان الوطاسي سنة 1541م، فأصبحت بذلك خليفة لزوجها الجديد في حكم تطوان بعد رجوعه إلى فاس. وخلال هذه الفترة اتسع نفوذها وصار عملها غير قاصر على مباشرة الأعمال العادية داخل أسوار المدينة، بل صارت لها علاقات خارجية أيضا وكانت لها مراكب تتعاطى الجهاد البحري في ا المتوسط.

زواج السيدة الحرة أثار حفيظة الإسبان والبرتغاليين، وطرحت أسئلة عديدة حول شكله ومساعيه، خاصة وأنه زواج سلطان ينتقل من فاس إلى تطوان مع حاشيته وجيشه وعدته وعتاده. فقد كان هذا الوحيد الذي يحتفل به سلطان من خارج عاصمة ملكه، بل والأدهى من ذلك، في منطقة نفوذ عروسه، وذلك في تجاوز للمراسم المعروفة وبروتكول الدولة.

كان السلطان في موقع ضعف جعله بحاجة إلى دعم السيدة الحرة في مواجهة الاشراف السعديين الذين كان نفوذهم قد اجتاح مدينة مراكش، فالدولة الوطاسية أصبحت مشرفة على الاضمحلال. ويبدو أن زواج أحمد الوطاسي من “السيدة الحرة” كان زواجا سياسيا المقصود منه اكتساب عطف هذه المناطق، ووسيلة لتوطيد مركزه في حكم المغرب، ومن أجل تقوية الدفاع ضد البرتغاليين المحتلين لعدد من ثغور شمال المغرب ولذلك ترك زوجته نائبة عنه في حكم المنطقة وعاد إلى فاس. مما أثار حقد الأوروبيين وضغائنهم لما يشكله هذا “الزواج التحالف” من خطر على نفوذهم ومستعمراتهم في المغرب، بل منهم من شبهه بزواج الملكين الكاثوليكيين فرناند وإيزابيلا ملكا إسبانيا.

وبالرغم من كون ولاية المرأة للحكم شيئا لم يكن معهودا بالمغرب في عصر الحكم الإسلامي، إلا أن مكانة وذكاء “الست الحرة” ومرونتها وحزمها ودهاءها وقوة شخصيتها مكنتها من قيادة البلاد إداريا سياسيا واجتماعيا وحربيا. وهذا من أغرب ما حدث في تاريخ تطوان.

تؤكد الكتابات التاريخية إلى أن “السيدة الحرة” حكمت تطوان ونواحيها فترة طويلة من الزمن تزيد عن ثلاثين سنة، وقد شكل استمرار “الست الحرة” حاكمة على تطوان استياء في صفوف كبار رجال عائلة المنظري وغيرهم، حيث استاءوا من توليها الحكم وهم في الوجود، فقاموا بإعداد مؤامرة لقلب حكومتها. وقد كان لهم ذلك واستولوا على الحكم بالقوة، واخرجوا “الست الحرة” من تطوان وأخذوا كل ممتلكاتها. ورجعت إلى مسقط رأسها شفشاون تحت رعاية أخيها الأمير محمد، حيث ماتت بعد ذلك بقليل، ودفنت برياض الزاوية الريسونية.

“السيدة الحرة” ملهمة ورمز الكفاح والجهاد من اجل بلدها، تجلت قوتها في مختلف المجالات، سواء في السياسة أو الاقتصاد أو الفن والثقافة، ألهمت النساء من كل الأعمار والخلفيات للدفاع عن حقوقهن وتحقيق أهدافهن بكل ثقة وإصرار.

تنبيه هام، المنشور يعبر عن رأي الكاتب ويتحمل مسؤوليته، دون ادنى مسؤولية علي الجريدة

تنبيه

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

معلومة تهمك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: